” لن تعود سورية مملكةً للصمت والموت ” -رؤية لمشروع وطنيّ – أمجد آل فخري

0
662

في ظلّ التخبّط الذي تعيشه قوى الثورة والمعارضة السورية؛ لتعدّد منصّاتها ورؤاها، ولكارثية المآلات التي وصلت إليها أوضاع البلد، وتفتّتها لصالح قوى متصارعة تعمل على تثبيت وجودها أمراً واقعاً مستمراً لا قوى احتلال جاء بها نظام لا يهمّه سوى استمراره بالحكم ولو على كرسيّ من جماجم مئات آلاف السوريين ودمار وطنهم وتشريد الملايين منهم.
ولأنه – ابن العم رياض الترك – لم يَعُد صوتاً لحزب بقدر ما هو رمز وطنيّ من رموز القضية السورية، وهو الذي يواصل النضال بالنضال، والصمود بالصمود، وما أتعبته السنون ولا نالت من عزيمته المصاعب، يكرّر قوله ” إن ثورة الشعب السوري منتصرة ولو هُزِمَت”، في حفل تكريم له أقامته تنسيقية باريس، ليؤكّد حقيقة باتت تعيش على الأرض التي روّيت دماء وأُشبِعت تدميراً، وأُتخمَت معاناة، وتزاحمت فيها الآلام على الآلام من كل حدب وصوب؛ لأنها ” أتت لتدشّن بداية مخاض تاريخيّ جذريّ وعميق يعيد الشعوب إلى المعادلة “، ولذلك لا يمكن لها أن تفشل في نهاية المطاف. إنه لا يبيع وهماً وزيف انتصار بقدر ما يبثّ الأمل والتفاؤل المصحوب بالمزيد من العمل.
ويعترف بخسارة جولة في الصراع من أجل الحرية والكرامة، ولكنه يثق بعدم الهزيمة، ويعلّل ذلك بنجاح الثورة ” في كسر حاجز الخوف، وفي إعادة الناس إلى السياسية، وفي نزع القداسة عن رموز النظام، وتهشيم أركان الاستبداد، وتحطيم وخلخلة أهمّ مرتكزاته… بحيث بات بقاؤه رهناً ببقاء قوات الاحتلال الروسية والإيرانية “وهو النظام المستأبِد المستأسِد على شعبه، ليس إلا وهماً وأداةً يتلاعب بها المحتلّ.
والاستنتاج الذي يخرج به ابن العم- في كلمته – يتلخّص بحقيقة أن التحرّر من الاحتلال يُنتِج حرية وخلاصاً من العبودية والاستبداد. أمّا صعوبة وتعقيد الوضع السوري الآن، فتكمن في أنه أصبح بمثابةِ أزمةٍ دوليةٍ تخصّ عمق سياسات وتوازنات الدول الكبرى، وليس سورية والمنطقة وحسب، وهو ما فرض وجود شكلين للنضال:
“1- النضال الداخلي ضد الاحتلال والاستبداد والوقوف في وجه محاولات تعويم النظام من جديد.
2- النضال الخارجي من أجل بناء كيانٍ معارضٍ يعبّر عن المشروعية الثورية، ويمثّل تطلّعات الشعب السوري في الحرية والاستقلال والكرامة، والعمل في المجالات الدولية من أجل تحصيل أي دعم ممكن للقضية السورية، والاستفادة إلى أقصى الحدود من التناقضات التي تُمايز وتُفرّق بين أجندات القوى المحتلة، للدفع باتجاه حل سياسي يقوم على رحيل الأسد، والبدء بمرحلة انتقالية تسمح بعودة اللاجئين، وبإعادة الإعمار، وتحضّر لمجلس تأسيسي منتخَب، ينبثق عنه دستورٌ جديد، وانتخابات حرةٌ ونزيهةٌ تعبّر عن إرادة وتطلعات الشعب السوري”.
وللوصول إلى ذلك، نتلمّس في كلمة ابن العم رؤية لمشروع وطنيّ طموح، إذ يرى أن على الحركة الوطنية السورية بقواها وأحزابها وشخصياتها أن تدلو بدلوها، وأن :
تجدّد رؤاها، وبرامجها، وهياكلها، وشخوصها.
تراجِع مراجعةٍ نقدية مسار الثورة، والعسكرة، وتجربتَيْ المجلس الوطني والائتلاف الوطني.
تقيم حواراً معمّقاً على مستوى الوطن.
تصغي إلى من له باعٌ وخبرةٌ في مقارعة الاستبداد، وإلى الشباب وتفسح المجالَ لهم
للقيادة واستلام زمام المبادرة.
تصغي إلى الناس الذين هُجّروا وشُرّدوا.
يُراجع تيّارُ الإسلام السياسي – الذي يقبل بشروط اللعبة الديموقراطية السلمية – الكثيرَ
من مسلّماته وممارساته السياسية وتحالفاته، وأن يقوم بالكثير من المراجعات السياسية والفكرية العميقة، بما يجعله منتمياً إلى العصر، وإلى فكرة المواطنة، وأن يندمج أكثر في المسألة الوطنية، ويراجع دوره الملتبس في العسكرة، ودخوله في أجندات إقليمية بعيدة عن أهداف الثورة، لأن هذه المراجعات ضرورية لمستقبل العمل المعارض، ولنهوض الحركة الوطنية السورية من جديد. ولأن إلغاء هذا التيار والتخويف به ومنه، كان ولا يزال دين الاستبداد وديدنه، ولأن أساس أي عملية ديمقراطية هو عدم إقصاء أي قوة سياسية تمتلك مشروعية سياسية وشعبية، وترتضي بشروط العملية الديمقراطية، وعلى رأسها عدم التنكّر للمبادئ الديمقراطية في حال الوصول للحكم، واحترام الدستور وشرعة حقوق الإنسان وحقوق الأقليات السياسية والدينية والإثنية.
يبقى الداخل مركز ثقل العمل المعارض الوطني؛ من أجل التأكيد على حقنا بالعودة
الآمنة والكريمة لأهلنا وشعبنا إلى مدنه وقراه وبيوته في سورية الحرة.
نستفيد من هوامش الحرية المتاحة لنا هنا في المنفى، من أجل أن نقوم بمثل هكذا
مراجعات نقدية، ونُقرّب من وجهات النظر، ونعمل لخلق بنى ومؤسّسات تكون قادرة على التعبير عن تطلعات الشعب السوري في الكرامة والحرية والاستقلال.
كلّ النقاط السابقة تحتاج إلى حوار وطني عريض، قريب من الوطن وتحرّره وحريته ومستقبله، بعيد عن العسف والإقصاء والأدلجة والارتهان، ويرسم خارطة طريق ويحدّد آليّات عمل.
إن مانديلا سورية الذي يتماهى مع تطلّعات شعبه بمختلف فئاته على أساس بناء سورية الحرّة دولة الديمقراطية والمواطنة، يؤمن ” أنه من المستحيل بعد اليوم أن تعود سورية مملكة للصمت والموت، لأن فيها شعباً حياً وثائراً، شبّ على تحطيم القيد، وكسر حاجز الخوف، ودَفَع أفدحَ الأثمان من أجل أن تكون سورية وطناً حراً كريماً، لا مقبرةً جماعية يقوم عليها سلطان جائر.”

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.