التحليل النفسي والفيسبوك السوري: معبد الحسون

0
280
معبد الحسون

منذ فترة مضت ليست بالقصيرة، وأنا متردد بين إغراء أن أتناول الفيسبوك بدراسة تحليلية متأملة.. للأسف، فقد اتخذت موقف الممتنع ولم اقدم على هذه الخطوة لموانع ذاتية وموضوعية كثيرة. رغم أن دوافع هذا الإغراء لم تخبُ في نفسي يوماً، ولم يتراجع حماسي لأن أبدأ يوماً ما بهذا البحث المتشعب الأغراض..
أهم الموانع التي كانت لا تشجع على الإقدام على الكتابة ودراسة الفيسبوك هي أنني لم أجد فكرة مركزية أتكئ عليها لأشَعِّبَ البحث إلى مفرداته وسياقاته الطبيعية، وكانت دوماً هنالك ريبة مستدامة لدي تدور حول السؤال التالي الذي لم اقطع فيه بجواب شافٍ: هل الفيسبوك ” وسيلة تواصل اجتماعية” كما يحبون أن يعرِّفوه؟.. أي أنه محض حاجة من الاحتياجات الاجتماعية حقاً، أو التجمهر المجتمعي لتبادل الرأي ومنافع التفكير المتبادل..؟ زيادة على أن لهذه الغرضية الاجتماعية ملحقاتها المؤدية إلى الإشباع الإخباري (الإعلامي)، والمعرفي والنفسي (السيكولوجي)..؟
وإذا سلمنا بأن الفيسبوك ـ السوري على وجه أكثر مخصوصية ـ هو توسل يؤدي إلى مقاصد وأهداف اجتماعية، سواء بسواء، كالحفلات والمهرجانات والأعياد والمنابر الخطابية والمناسبات الطقوسية.. يتخلل كل ذلك ويمضي في هوامشه ومساراته مواعيد وتبادل معارف واتصالات وإعلانات دعائية وغير ذلك من أنشطة المجتمع.. فكيف نفسر الإدمان عليه مثلاً؟ والإدمان ـ جميع الإدمانات ـ لا تصنف إلا تحت محتوى وشرط من شروط عمل السياقات النفسية ووظائف العمليات النفسية.. وكيف يمكن تأويل اختفاء الشخص خلف صورة ليست صورته، واسم ليس اسمه..؟وما بواعث كل هذا القلق والعدوانية ومشاعر التزلف وعقد النقص الراشحة والاستظراف الزائد أو السوداوية الزائدة..؟ أو غير ذلك مما يطفح به عالم الفيسبوك؟ أهي رشوحات ضافية أم عوارض زائلة وزائدة يعج بها عالم الفيسبوك، أم هي طفح مجتمعي طبيعي في مجتمع كبير لوسيلة اتصال لا تُعْرَف ولا تعترف إلا بكونها للمجتمع ومن أجله..؟
الأمر مضطرب الدوافع والوسائل والغايات، كما قد يقر القارئ معي، ولا يمكن لعاقل ذي رشاد وبصر حديد أن يسلم تسليماً أعمى بأن الفيسبوك ماهو أكثر من شيء “للمجتمع ومن أجل المجتمع”، كما يحصل الإيهام بذلك، فلا ينبغي أن نتسرع أو نتعجل الحكم عليه.. أوليس الفيسبوك باباً من أبواب توسل المعرفة والدراسات؟ ألا نتلقى سيلاً من الأخبار كل يوم عن طريقه؟ وتحليلات وآراء محيطة بكل ظروف تلك الأخبار؟ أو تعليقات وأصداء مختلفة على تلك الأخبار؟
فلنتنازل أكثر من ذلك.. وهب أن الفيسبوك هو واحدة من وسائط التسلية وقتل الوقت.. ألا يجد كثيرون منا بأن الفيسبوك ماهو إلا حديقتهم الخلفية، كالبانوراما المتنوعة الألوان والروائح والإمتاعات البصرية والسمعية المتنوعة؟ ألا يجد المتدينون كل ضالاتهم وإشباعاتهم الدينية في عشرات آلاف المبثوثات المكتوبة والمرئية والمسموعة عبر الفيسبوك؟ وكذلك الأمر بالنسبة للادينيين وضعاف الإيمان، وهواة الرياضة والسياحة والرحلات والطبخ ونوادي النكات والتهريج والمسرح والأدب والفنون، ومصانع الشهوة ومواقع الإباحة المفتوحة في الهواء الطلق، وشتى الإنفجارات الجنسية التي لا تعرف قصداً ولا تعترف بحد. وكذلك كل محافل التهريج والشعوذة والدجل، وكل ما يستطاب ويكون خفيفاً على القلب..؟؟
كل ما تقدم ذكره آنفاً هو حجة من سوف يحتج علي ـ كما اتوقع ـ بأن الأمر أكبر بكثير من أن تحاصره أو تحصره السايكولوجيا والتحليل النفسي، وأن من العبث أن أجرجر حقيبة علم النفس بأوحالها المليئة بالعُصابات والقلق والمخاوف الباطنية والوساوس والإثمية والعدوانية والجانب المرضي المعتم من النفس، إلى بحر خضم كالفيسبوك، لكي تملأه على اتساعه بها، أو توعبه بداخلها.. وهذا صحيح ومنطقي، ولقد ترضيني هذه الحجة لأول وهلة، وتردعني عن أن أتقدم في مقصدي الذي وطنت العزم على أن أتقدم فيه..
* * *
نحن إذن نتنطع لا لمهمة البحث عن العناصر والقوى النفسية الفاعلة التي يخلقها الفيسبوك، وإنما عن تلك التي تتحصل لدينا في سياق تلقائي : نحن لا نبدع، وإنما هو الذي يتولى صناعة الابداع ويلهمنا إياه. ونستطيع بداية أن نتأكد من أننا نلجأ إلى الفيسبوك لأننا نواجه غزواً عاتياً من الواقع لم يعد بمقدورنا احتماله، حتى أنه ليوشك أن يحطمنا.. فالفيسبوك إذن هو أحد الملاذات الآمنة، (أو التي نتوهم بأنها آمنة)، التي نلجأ إليها.. أي أنه واحد من المبادلات الواعية واللاواعية التي تشيد لنا “دفاعات نفسية” نتحصن بها. وأحياناً نهمله ونفارقه لفترة من الفترات؛ لا لأنه ليس كذلك، بل لأنه فقد القدرة مؤقتاً ـ أن يستجيب لظروف تخصنا ـ على أداء وظيفته هذه..
نحن بالطبيعة ننتمي إلى ثقافة وروح شرقية تُعلي من قدر المحرم والمباح، والمحلل والمحظور، وتقسم الحياة قسمين يمثلان في مخيالنا أعلى رمزية للعدل والحق: “ما يجوز وما لا يجوز، وما يصح ويبطل..”.. أي أن نمط مرجعيتنا العليا الموروثة هو نمط ومسلك أخلاقيات، مازالت متصلة بعرف قبلي جماعي أكثر مما هي متصلة بالحضارة الحديثة، وبالتالي فإن صياغة أحكامنا دائماً تتقعد على قاعدة: ” يرضينا أو لا يرضينا هذا الأمر.. أو يجوز أو يحرم هذا الأمر”. حيث لا إمكانية لاحتمال ثالث بينهما.. من هذه الذهنية اللاشعورية العميقة والأصيلة في طبعنا ننظر إلى نوازع النفس الباطنة، (بل وإلى علم النفس بصورة عامة)، نظرة عدم اعتراف. وفيها الكثير من الريبة والهلع والتشكك. ونتعامل مع كلية النفس التي لا تمايز بين ماهو واعٍ مشعور به وبين ماهو غير واعٍ ولا مشعور به، وبآلية حُكم بديهية: (كل ما لايجوز عرفاً وديناً واعتباراً هو غير مقبول). لذلك نرفع مطلقية السيادة والتوقير لكل منطق وثقافة غير متسامحة وصارمة وقائمة على احتقار الضعف الإنساني. فالكل الجماعي يجب قسمتهم بثنائية: أغنياء فقراء، عقلاء مجانين، أخيار أطهار، رجال هم بالضرورة أقوياء ونساء هن بالضرورة ضعيفات، كبار صلاب أو أطفال ويافعين ذوو هشاشة.. وتصعب في هذه الحالة إمكانية التوصل إلى حكم قيمة ثالث أو رابع أو متوسط أو محايث، أو حكم له ملكة التحول أو إمكانية التطور والتغير.. إذ لا إمكانية حسية أو حدسية يمكن تأملها أو افتراضها خارج هذه الثنائية، ذات الماهية الصلبة.
إذا كنا نتحدث عن اضطرابات تلجئنا قسراً إلى الفيسبوك، وتقسرنا على إدمانه أحياناً، فنحن مضطرون أن نحدد محددات الصحة والسلامة النفسية، ومستوى من الكمال الروحي الداخلي السوي الفطرة، بوسعنا أن نلمسه مقابل ظواهر الاعتلالات وأعراض المرض.. علائم الصحة أو المقدار المقبول من التوازن النفسي يمكن إجمالها اختصاراً بثلاثة مظاهر:
ـ تدفق الطاقة النفسية بصورة طبيعية، وتوزعها بين الموضوعات الخارجية والداخل النفسي العميق المكون للواعية والخافية داخل النفس.
ـ القدرة على إحداث توافق وانسجام بين الخارج الذاتي والموضوعي، والداخل الذاتي والموضوعي، وتنظيف النفس من الاعتقادات المتطرفة والتخيلية والأوهام والهلوسات المؤثرة على تماسك الشخصية، بحيث يضمن هذا التنظيف استمرار تدفق الطاقة النفسية في درجة من التماسك والتوازن، إلى حد يضمن تجاوز الوقوع في أزمات نفسية عميقة الاضطرابات والاعتلالات.
ـ التخلص من الأعراض النفسية الشائعة والملازمة للعصابات المألوفة؛ (الكآبة ـ الهوس ـ الهذيانات ـ الاثمية ـ العدوانية ـ الوسواس ـ الخوف النفسي ـ القلق النفسي ـ الإدمانات النفسية غير البيولوجية ـ التوازن في الاهتمام بين الذات الداخلية والخارج الموضوعي.. الخ..).
هذه المحددات السابقة سوف تجعلنا نحكم بتلقائية ـ لن نحسد عليها بكل تأكيد ـ على الفيسبوك السوري، بأنه واقعاً جزء من اضطراباتنا الجمعية والفردية كسوريين، ولن يفيدنا كثيراً الاختباء خلف الجانب المفيد والنافع والمرتجى ثماره من الفيسبوك: الخبر والمعلومة، القراءة والبحث والمعرفة، الصورة والوثيقة ومتابعات الميديا سوسيال من أوسع أبوابها، مع الاعتراف مسبقاً بأن هذه الفوائد المكتسبة هي حقيقية، والوعي بها قائم لا شك ولاجدال فيه. إذ أن كل الجانب الذي يتشارك مع وعينا النفسي والعقلي لن يكون بإمكانه أن يشكل ذريعة وافية الحجة لتغطي ذلك الجزء المظلم والسري الذي يتشارك مع خافيتنا الجمعية والفردية.
في الشق المرضي لا يتم التعامل مع مُرَكَّبات العُصابات وأعراضها ونوازعها مباشرة، وإنما يتم توسيطها أحياناً، فيتحول الفيسبوك، وهو موضوع بحثنا، إلى وسيط أو طرف ثالث بيننا وبين أمراضنا العصابية، ولا ضمان أن يكون هذا الطرف الثالث يعمل “لصالحنا” بصورة دائمة، فقد يكون الطرف الثالث منصفاً وعادلاً، وقد يكون غير ذلك. بل إنه قد يتمالأ على خداعنا وغشنا، وإذا صح أحياناً أن يمتص طرف وسيط طاقتنا الليبيدية، من حيث هي خليط يمزج مكبوتات جنسية الطبيعة، ومكونات روحية نفسية فاعلة داخل قعر النفس اللاواعية، لما تصل إلى حالة من الإشباع التام. ليتولى نقلها وتبادلها باتجاه الهدف المقصود برغبة الإشباع، فإن أمثلة الواقع قد تفيد بأن الطاقة النفسية ربما ترتد إلى منبعها الذي جاءت منه، وقد تحدث تأثيراً بعكس الهدف الذي توخته، ولا تحقق ذلك الإشباع رغم استعانتها بوسيط أو طرف ثالث.. ولسوف أقتبس تشبيهاً مفيداً بهذا الصدد، يؤكده بأن “الرغبة في تقبيل امرأة حبيبة، وملامسة شفاهها وأسنانها”، قد لا يمنع أو يعفي من مشاعر القرف من استعمال فرشاة أسنانها. وذلك، ببساطة شديدة، لأن فرشاة أسنانها قد تولت لعب دور الوسيط أو الطرف الثالث بين طرفين، فارتدت الطاقة الليبيدية بعكس اتجاه التيار النفسي المتدفق نحو مقاصده.. ألا يلعب الفيسبوك أحياناً دوراً شبيهاً بدور “فرشاة الأسنان”..؟
هذا الرصيد النفسي النافع بالنسبة للعصابات النفسية والأمراض القابعة في قاع اللاشعور، ربما كان من أبرز ميزاته الفيسبوكية الخاصة أنه يقوم على توسعة مساحة (الشخص الثاني) القابع في دواخلنا، وفي لاشعور كلٍ منا. هذه التوسعة التي يحصرها المجتمع المحيط، ويبقيها الواقع الموضوعي في حالة من الحصار والكبت والأزمة المستدامة، تجد فسحتها وفرحتها أمام شاشة الفيسبوك، وبذلك تُمَكِّن للوظائف (السوية والمرضية على حد سواء)، من أن تتفاعل مع الوعي، وتتبادل علاقة حميمة مع التفكير والأحاسيس والحدوس المبهمة.
أثارت دهشتي ذات مرة، أنني طالعت عرضاً ـ وأنا أقلب الصفحة الرئيسية في الفيسبوك ـ وعلى إحدى صفحات الشخصيات النسائية أنها كتبت البوست التالي: (اللهم صلِّ على سيدنا محمد).. فقط.. وهذا البوست نال حتى لحظة اطلاعي عليه 350 إعجاباً، مع حوالي أكثر من 100 تعليق مختلف.. مما دفعني للتساؤل والبحث عن حقيقة ما يجري على صفحات الفيسبوك. ببساطة، وكما ذكرت عن التوسعة الاسقاطية للخافية والواعية على حد سواء، فإن الشخصية الأنثوية على الفيسبوك لا تبقى أنثى واقعية غالباً، أو امرأة موضوعية عادية؛ لها طبيعة النساء اللائي نصادفهن في الواقع، وإنما تتحول الشخصية الأنثوية على صفحات الفيسبوك إلى “مُرَكَّب أنيمي”، داخل النفس، بحيث يتم الإسقاط على الصفحة الأنثوية، لتصبح صدى للأنيما الخاصة بداخلنا. وهكذا يتحول التبادل النفسي بين داخلنا اللاشعوري وبين الفيسبوك إلى “إبانات لاواعية”، تعمل على استخراج الجانب الأنثوي الخفي بداخلنا، وإطلاق فاعليته المكبوتة، في محاولة الاقتراب منه ومناجاته ـ كصورة داخلية مجهولة لأنفسنا نحن، لا لصاحبة الصفحة ـ ونفض غبار السنين والإهمال الذي اعتراه.. وهذه الأنثى نفسها، صاحبة بوست (اللهم صلِّ على النبي)، من حيث هي محاكاة أو صورة لمركب نفسي داخلي خفي، تمت توسعته ـ عبر المحاكاة الإسقاطية التي أحدثها الفيسبوك ـ وظهر الوعي به جزئياً، لو أنها واقعياً وموضوعياً، كانت لتقابل أو تجالس أولئك الذين وضعوا لها 350 لايك و100 تعليق على الصفحة، ربما لم تحظَ بجزء من ذلك الإعجاب أو الاهتمامٍ منهم.
إذن، يمكن أن نسجل النقاط التالية التي تدخل الفيسبوك مدخل السياق السيكولوجي بامتياز:
1 ـ يتيح تداعياً للأفكار والذكريات والاسترسال المتأرجح بين الوعي واللاوعي، يماثل ذلك التداعي والاسترجاعات التي قد يتطلبها التحليل النفسي، وفي عيادة المحلل النفسي.
2 ـ الفيسبوك آمن أكثر من الطبيب أو المحلل النفسي.. فالمحلل النفسي قد لا يتيح للمريض فرصة التهرب والإفلات من العلاج، أو التراجع عن الأفكار المسترسِلة وذكرياته واعترافاته بها أمام المحلل، بحيث يمضي في سيرورة استخراج مكنوناته اللاشعورية حتى النهاية، ويلزمه بطريقة من الطرق على المتابعة.. وهو أمر لا يستطيعه الفيسبوك؛ الذي يمكنه من الهرب والتخفي والإنسحاب متى أراد وإيان شاء. ويمتعه بميزات، منها الإطلالة والهروب من أمام المتصفح متى أراد.
3 ـ الفيسبوك هو أهم مستفرغ للإرتدادات النفسية للرهابات المولدة للعدوانية الشخصية، فهو يتيح للطاقة العدوانية ولادة مضمونة لكي تثب وتلعب و” تطلق النيران رشاً ودراكاً على الجميع” وهي في منتهى الأمان. وتتحرك ضمن دائرة مجال لم تكن لتحوزه في الواقع الموضوعي. والشخصية العدوانية في مستطاعها أن تتبنى أية قضية، وعلى أي مستوى من المستويات التي تشاء، أو تناسب لكي تفرغ حمولتها وكامل طاقاتها من الشتائم وكيل السباب، براحة أعصاب وضمير مرتاح يكفل لها تفريغاً كاملاً لشحنة العدوانية الكامنة داخل النفس..
4 ـ الفيسبوك يطلق العنان لمشاعر الإثمية الحبيسة، وذلك عبر إحداث تداعيات نوستولوجية خاصة، تكتسب لغة خاصة بها عن طريق تلك الاستثارات الحنينية المسترجعة، فـ70% من مساحة الفيسبوك السوري هو مخصص لعشاق ملوّعين، ولشعراء باكين، وناصحين يدلونك على الطريق القويم، أو لحكماء وأنبياء مجهولين.. فثمة دوماً على الفيسبوك نفس ملتاعة يحركها حنين غامض، ويوجهها نحو ذكريات أو ماضٍ مندثر.
5 ـ النرجسية وحب الذات، ومحاولة إعادة تأكيدها نتيجة سحق المجتمع لها لسنين طويلة، تجد مرتعها الخصب وملعبها الرحب في إعادة واستعادة التوكيد على هذه الأنا التي تشبه حملاً ثقيلاً ضخماً ينوء صاحبه بثقله، وهو يتكيف مع الجمهور المتجاوب بطرائقه الخاصة، بحيث يغري ذلك الجمهور المتجاوب، فيستدر عطفه لكي يمتدح هذه الأنا ويطريها ويستبقيها كائناً حياً يعتاش على الإعجابات وعبارات الثناء والتقريض.
6 ـ الصفحات النسائية لرجال، والرجالية لنساء، تتيح إمكانية التعاطي التجريبي المباشر، دون معوقات أو كبت، مع الأنيميا (الجانب المؤنث من شخصية الذكر)، ومع الأنيموس، (الجانب المذكر من شخصية الأنثى). فهي بذلك تتيح تفريغاً للطاقة النفسية الكامنة الحبيسة، ربما لن تجد هذه الطاقة لها سبيلاً إلى الوعي المباشر إلا على يد المحلل النفسي.
7 ـ الاختباء خلف الأسماء المستعارة إنما هو غالباً ضرب من ضروب الدفاعات النفسية وآلياتها الطبيعية المتوقعة.. وهي غالباً ماتكون دفاعاً نفسياً إزاء رهابات الخوف والقلق المرضيين.. ويجب بهذا الصدد التفريق بين الخوف والقلق الطبيعيين والخوف والقلق المرضيين. فالخوف الطبيعي هو الذي يدرك صاحبه بواعيته مسببات هذا الخوف وبواعثه، وكذلك أسباب قلقه الخاص والاحتمالات المتوقعة موضوعياً التي يرجع إليها هذا القلق. هذا ما يمكن ان ندعوه الخوف والقلق الطبيعيين، والذي يمكن احتمالا أن يعتري كل امرئ، فيحدث اضطراباً طبيعياً محكوماً بأسبابه وظروفه وأمده الزماني. أما الخوف والقلق المرضيان، فيمكن تعريفه بأنه خوف باطني مجهول السبب، ولا يستطيع الوعي الشخصي أن يحدد بواعثه. ولا كذلك القلق المرضي المجهول الأسباب. حيث لا يستطيع العصابي أن يستدل على السبب الحقيقي الكامن وراء هذا القلق.
على صفحات الفيسبوك يجتمع الأغبياء والأذكياء، ونخبة المجتمع ورِعاعه.. الذين جاؤوا من “اللاشيء” فأصبحوا نجوماً في تحولات تلك الحركة الدورانية للمأساة السورية، الحافلة بالصدمات والمفاجآت، والتي يترنح مشهدها العام بين المأساة والملهاة.. ويلتقون مع أولئك الذين تلاشت نجوميتهم في بحر لجي من الأحداث غير المفهومة.. وحيث يلتقي هؤلاء وهؤلاء على صفحات الفيسبوك، في منتصف الطريق، فيتبادلون الأغراض والمقاصد النفسية في سياقات لاشعورية، حيث يكون بوسع أصحاب وظائف التفكير النفسي أن يقايضوا تفكيرهم بوظائف شعورية، مثلما يُشترَى الحدس الغارق قريباً من اللاوعي أو في زاوية من زوايا الإهمال، بأحاسيس مبعثرة ومفتقدة ربما منذ سنين طوال..
وربما كانت كبرى فضائل الفيسبوك النفسية، أنه يحدث زعزعة وتشتيتاً للأفكار والوساوس الهلواسية بالنسبة لمن يعانون من تسلط “الأفكار الثابتة” وذوي الشخصيات المتصلبة ذات البعد الواحد والتفكير والنظرة إلى العالم بلون موحد، ومعلوم أن الفكرة الثابتة تشبه كياناً صلباً داخل النفس، إنها كائن آخر يسكن داخل الكائن الحي، فلا يستطيع التخلص منه أو مدافعته. والفكرة الثابتة أقرب شبهاً بالوسواس القهري، ولايمكن التخلص منها أو إجبارها عن طريق الإرادة الشخصية، مالم يتم الوعي بها عبر التحليل النفسي، ولعل الفيسبوك هو أثرى مجال حيوي مفيد في تشظي الأفكار الثابتة مع طول الوقت، وإضعافها إن لم يكن بالإمكان “تنظيفها” مطلقاً. هذا إن لم يتفق أن يحدث العكس أحياناً؛ حيث يسعى العصابي إلى المزيد من تثبيتها عبر ملاحقة الأفكار وتتبع الآراء والتعليقات التي تحصن فكرته الثابتة، وتهبها مزيداً من الرسوخ والتثبيت. وفي مثل هذه الحالة الأخيرة يغدو الفيسبوك خطراً مدمراً حقيقياً لبعض الهذائيين والهلواسيين.
ــــــــ
كتب في 19/ 4/ 2018 ـ مدينة فوبرتال الألمانية

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.