لواء ثوار الرقة: من كتاب الرقة والثورة لـ معبد الحسون

0
574

لواء ثوار الرقة:

في البداية عليَّ أن أوضح الصورة غير المفهومة لكثيرين، والمحيطة في المخيلة العامة بلواء ثوار الرقة، خاصة أن القوى الاستئصالية التي باتت تستعد لتسلم المدينة، كانت على وعي كامل بكل تفصيل تشريحي أو استقصائي لبنية تلك الكتائب أو الفصائل المسلحة. حتى القوى الخارجية كانت على دراية ووعي تام بهذه الحقائق على الأرض.. فاللواء كان يتعرف منذ بداية نهوض العمل العسكري، أو يتسمى باسم “لواء أبو عيسى”، ولقد انقسم الرأي العام حول الموقف منه طيلة سنوات الثورة، مابين معجب وداعم ومؤيد ومشجع ومتحمس، وبين كاره مبغض للواء، إلى حد العداوة والبغضاء التي لا تتنازل عن صورتها النمطية المتخيلة عنه.. وذلك لأسباب عاطفية أو شعبوية، أو مواقف مبدئية صارمة غير قابلة للمراجعة، ولن أستطرد كثيراً في مسألة إعادة تقييم واقع اللواء، ولا الاستغراق في مبحث ما له وما عليه، تجنباً لدخول مساجلات غير مفيدة وتطويل مكرور.

فلواء ثوار الرقة اختزن نمطاً من التصور وهالة خاصة به، ربما كانت مُفارِقة لكل القوى المسلحة التي عبرت الرقة خلال سنوات مضت، وهذه الصورة النمطية عنه هي التي صنعت بنية معينة عنه، هندسها الخيال العام أكثر مما ساعد الواقع المتبدل والمتغير الذي أحاط باللواء على وضعها في إطار محدد. من ذلك أن اللواء حمل رمزية الثوار الأوائل الذين كانوا جميعاً بعض مادة الحراك المدني الثوري العام، والذين كانوا هم الرعيل الأول المؤسس، والفصيل الذي انحاز إلى السلاح، وقد خرج من عباءة أولى المظاهرات. لعل هذا الرعيل الأول لم يبقَ منه أحدٌ اليوم في اللواء، هذا صحيح؛ فثمة من استشهد ومن اعتقل مبكراً ووقع في قبضة النظام.. وثمة من ترك العمل القتالي وألقى السلاح، أو هاجر مبكراً وغادر خارج البلاد. وهناك من أصيب إصابة مُعطِبة تركته يعاني من عاهة دائمة سترافقه بقية العمر.. زيادة على بعض هؤلاء ممن كان في الصف الأول، هناك من انقلب وخان الثورة في مرحلة متقدمة أو متاخرة من مراحلها، فانحاز إلى داعش أو إلى النصرة أو إلى أحرار الشام، أو حتى بالعودة إلى الاصطفاف إلى جانب النظام. كل هذا ساعد على تشكل بنيته التصورية، وإن يكن ليس بالقدر الكافي.

الأهم في تاريخ اللواء، أنه لم يضع يوماً، منذ لحظة تأسيسه واجهة مغلقة على أساس عائلي أو عشائري أو أسروي أو عقائدي ضيق، كما فعل غيره من الكتائب المسلحة ذلك، بقصد أو بدون قصد، وترك هامشه مسرحاً مفتوحاً لبسطاء الناس ومهمشيهم، وكل الطبقات الشعبية على اختلافها.. وفي الحق إن هذه نقطة القوة الأهم في تكوينه مقابل كثيراً من نقاط الضعف التي اعترته ولازمته لسنوات. إلى حد أن من كان يلتجئ إلى اللواء، وهو في واقع مُتصوَر مسبق، أنه سوف يلتئم شمله من خلال اللواء على أسرة أو عشيرة، فإن اللواء سرعان ماكان، بطبعته الشعبية البسيطة، والتي عززتها حقيقةً شخصية أبو عيسى البسيطة، يمتصُّ الأسرة والعشيرة، ويذيب كل نزعة فئوية لصالح تظهير صورة اللواء”حاف”.. وبلا ألوان أخرى إضافية متدخلة. والأمر نفسه بالنسبة لمن تغلبت في نفسه نزعته العقيدية الدينية، أو استغرق تفكيره في مخيلة أصولية في طبعة من طبعاتها الكثيرة، فقد نجح اللواء دوماً في امتصاص العقيدة ونزعة التدين لصالح الصورة الثورية الوطنية الآنفة..

هذه البنية غير المخطط لها على الأغلب، أورثته كياناً متماسكاً رغم كل الجوائح التي عصفت به، والظروف التي حاقت بماحوله. وجعلته قوة مسلحة مقاتلة لا تشبه شيئاً إلا سكان الرقة، بعجرهم وبجرهم؛ فلا يجد أهل الرقة صورتهم الشعبية الخاصة بهم إلا في مرآته، وهذه حقيقة تنبهت إليها كل القوى الخارجية والقوى الداخلية المناوئة منذ وقت مبكر.. لذلك كانت مصادمة اللواء أو العمل على تصفيته بصورة مباشرة، كما جرت عليه الحال مع الناصر صلاح الدين أو الفاروق أو أحفاد الرسول أو جبهة الوحدة والتحرير، كان يعني رمزياً منازلة مباشرة مع ما تختزنه الثورة والمعارضة الثورية من رصيد أو إرث سالف، وهو ماكان متعذراً إنجازه إلا على يد شبيحة الدفاع الشعبي أو قوى النظام المنظمة. ولذلك كان التفكير منصرفاً للتعامل مع اللواء على أساس مجموعة خطط بديلة، تتوالى حسب الحاجة إليها، ودرجة تأثيرها في القضاء عليه كآخر قوة مسلحة يمكن أن يلجأ إليها الرقاويون أو الثوار:

ـ أولى تلك الخطط، أن يتمَّ قرضُه وامتصاصُه بالتدريج، بنفس الطريقة التي تمَّ بها امتصاص لواء الأمناء، أي أن يتم الاشتغال على دمجه وصهره داخل جبهة النصرة؛ فينحلَّ فيها بمرور الوقت، ولا يبقى له أي اثر.. وهذه الخطة فشلت فشلاً ذريعاً، رغم كل المحاولات والجهود التي صُرفت من أجلها وعُمِلَ عليها.

ـ أما الخطة الثانية، فكانت عملياً داعشية استخباراتية محض، والتي كانت تخطط لتلغيم اللواء بالدواعش بأعداد هائلة، وزرع عملاء للتنظيم في كل أذرع اللواء، وحتى إن أمكن رفدُه بكتائب داعشية بالكامل ـ وهو أمر تكرر مراراً ـ حتى إذا ما حانت لحظة الحقيقة والمواجهة بين داعش واللواء، يُوعَزُ إلى تلك القوى مباشرة بالانسحاب والتبخر فوراً من بين الصفوف ومواقع القتال، بل وأن تقوم بالانتقال من مواقع القتال التي يشغلها اللواء إلى جبهة داعش مباشرة أثناء المعارك القتالية، وهذه الخطة واتت أكلها وحققت بعض النتائج والنجاحات الجزئية، وإن تكن غير جذرية أو حاسمة بالمطلق. على سبيل المثال، قبل بدء المعركة مع داعش، وأثناء فترة التحضير لها وصل عدد مقاتلي اللواء الفعليين تحت السلاح، إلى مايقارب الـ1500 عنصراً مقاتلاً، وما إن بدأت الأعمال القتالية حتى تبخر ثلاثة أرباع هذا العدد، فلم يبقَ في الساحة من الصامدين في وجه التنظيم إلا حوالي أقل من الثلاثمائة وخمسين شاباً مقاتلاً، واختفى الباقون من أرض المعركة خلال ساعات.. وأحب أن أنوِّهَ حول هذه النقطة بالملاحظة التالية: حتى هذا العدد الذي صمد في أرض المعركة، لو توافرت له قوة داعمة خارجية أثناء المعركة، واستطاعت تأمين الذخيرة الناعمة ـ رصاص البنادق فقط ـ لكان قادراً على تحقيق نصر شبه مؤكد في أقوى الاحتمالات، أو على الأقل لاستطاع أن يديم أمد المعركة لمدة سنة أخرى قادمة في قتال متواصل في مواجهة داعش.

وحين بدأتُ بالتفكير في تشكيل كتيبة ذات نمط وبنية خاصة داخل اللواء، (كتيبة شهداء الغوطة)، لتلعب دور كتيبة قتالية وفريق عمل أمني وسياسي في آن معاً، وكانت لديَّ أفكار وخطط لإعادة هيكلة اللواء بالكامل، وفق أسس وأفكار جديدة، بحيث تُحَصِّنُه نسبياً، وإن تكن خطوة متأخرة قد فات أوانُها كثيراً، فقد كانت أكبر مخاوفي وهواجسي أن يكون المكتب الأمني القديم، والذي اشتغل أبو عيسى على تأسيسه، واستعان به طوال تاريخ مضى، مخترقاً لصالح داعش.. وكانت أكبر شكوكي أن يكون نصف أعضائه الفاعلين والمتمرسين هم دواعش فعليين، أو عناصر تمَّ استقطابُهم أو شراؤهم مسبقاً لصالح داعش، فإذا بي أفاجأ بعد وقت قصير، لسوء الحظ وتمام الكارثة واستكمال المأساة، أن هذا المكتب جميعه كان يعمل لصالح داعش وليس نصفه، (ولقد هرب كل عناصره بعد خروج اللواء من الرقة وانتقاله إلى صرين، وبالطبع بعد الاستيلاء على كامل الملف الأمني الخاص باللواء وتهريبه إلى داعش).. ومن حسن الحظ أنه كان خارج تفكيري ومخططاتي منذ اليوم الأول، فقد عزفت منذ اللحظات الأولى عن التعاطي مع هذا المكتب أو الاستعانة به في أي شيء..

ـ الخطة التالية احتياطياً في التعامل مع اللواء، وهي أكثر جدوى من سابقاتها، كانت تتمحور حول منع الدعم وتجفيف مصادر تسليحه، حتى اللوجستية التي تصل أحياناً إلى حدّ الاحتياجات اللازمة لإطعام عناصر اللواء. وهذا ما عمِلتْ عليه، وباتفاق تام، جميع القوى الدولية الخارجية، وعلى فترات مختلفة، بما فيها الإئتلاف المُسْتَعْمَر والمستأجَر لصالح قوى دولية عدوة للثورة في المؤكد، والذي أهدر في سنوات مئات ملايين الدولارات في مشاريع مدنية وعسكرية خائبة، وذرّى كل رساميل الثورة المادية والاعتبارية المعنوية من النوافذ.. خاصة فترة المعركة الحاسمة مع داعش وما تلاها، حيث آلت الأمور مآلاتٍ بات يتعذر معها تأمين وجبة أو وجبتي طعام مشبعة لمن تبقى من عناصر اللواء.. وهذا مايفسر طلب معظم العناصر، (حوالي أكثر من نصف من تبقى بعد المعركة).. واستئذانهم في الانتقال إلى الأراضي التركية بعد أن تمَّ الانسحابُ من الرقة..

ـ أما آخر الاحتياطات المخطط لها، أو آخر المعالجات النافعة، والتي ستكون رصاصة رحمة أخيرة مؤكدة ومضمونة النتائج، فهي أن يُسْتَجَرَّ اللواء إلى معركة غير مخطط لها جيداً ضد تنظيم داعش، وهنالك يتم انسحاب القوى الرئيسية الفاعلة في المعركة والمُخطِّطة لها، قبل حسم نتائج النصر، بحيث يُترك لمصيره المجهول والمحتم. وهذه الخطة ضامنة لاستئصال اللواء بشكل تام، وبعثرة كل حاضنته الشعبية على رمزيتها، وتصفية كل أثرِ ثائر أو معارض أو مجابِه محتمل في وجه التنظيم، بحيث تُسَلّم الرقة لداعش وهي أصفى من الماء الزلال، لايُعكرُ صفوَه في احتلالها والإقامة فيها، أويقلق وجودَه إذ يخطط لاتخاذها عاصمةً له أي احتمال خطر داخلي مهما تضاءل وزنه.. خاصة أن معظم المدنيين من حاضنة الثورة ومؤيديها، وجمهورها الكبير كان قد غادر المحافظة قبل الصدام المباشر مع داعش، أو أثناءه.. وبنسبة تفوق الـ 90% من جمهور الثورة وأنصارها.. هذا ما كان يُخَطَطُ له بالتعاون بين أحرار الشام وجبهة النصرة قبل أشهر من المعركة، وهو ما حدث واقعاً بالفعل، وسوف أشرح بالتفصيل كيف جرت الأمور..

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.