ماذا جرى في جامعة دمشق إبان مجزرة القامشلي عام 2004، مشاهدات..

0
247

كل ربيع وأنتم جميعاً بخير

كل ربيع ويتجدّد الأمل في نفوسنا جميعاً

 كل ربيع والنزيف يلازمنا

كل نيروز وأنتم بألف خير

 

أهدي هذه الورقة إلى:

أمي التي تنتظر عودتي

أحلام منصور الروائية اليسارية التي حضنتني كأم

السيد عمار ساعاتي رئيس اتحاد طلبة سوريا

 

خلفية الحدث:

في ربيع 12-3-2004 شهدت القامشلي مذبحة ومجزرة راح ضحيتها المئات من الشهداء والجرحى، وأطلق الرصاص الحي على المدنيين الكرد بأمر من محافظ الحسكة سليم كبول. كان ملعب القامشلي مسرحاً لتنفيذ وإعداد سيناريو مخطط له مسبقاً، وذلك لاستهداف المكوّن الكردي في سوريا واستخدام لغة الانتقام مع الكرد.

تأزم الوضع أكثر باستمرار إطلاق الرصاص الحي لأيام عديدة من قبل قوات الأمن والمخابرات حتى أن امتدت الأحداث إلى المناطق والمدن السورية، وكانت المواجهة بين الصوت الكردي المندّد لممارسات النظام وبين آلة القمع في سوريا المتمثلة بأجهزتها الأمنية.

جامعة دمشق والحراك الطلابي

بعد سماع ما حصل في القامشلي وسلوك وتصرّف أجهزة الأمن في التعامل مع المواطنين الكرد، لم نجد للصمت مبرراً، وكان لنا نشاط وحراك استمرّ لعدة أيام، واجهنا من خلاله أشدّ أنواع القمع والتنكيل والفصل والسجن والتعذيب، وبعد ذلك النفي من الوطن.

في تمام الساعة العاشرة ليلاً من اليوم الأول لأحداث القامشلي، وسط جو محتقن جداً، قرّرنا الخروج من حرم المدينة الجامعية، وكان عددنا لا يتجاوز 800 طالباً جامعياً، ولكن دوريات الأمن كانت موجودة بشكل مكثف على الباب الرئيسي للمدينة الجامعية. توجّهنا نحو الباب ونحن نردّد الشعارات، واخترقنا الحاجز الأمني من دون حدوث اصطدام مع قوات الأمن واتجهنا نحو ساحة الأمويين، ولكن أين نذهب؟

العديد من الأصدقاء اقترحوا أن نعتصم أمام مقر الامم المتحدة، وبعد مرور بضع دقائق من وقوفنا في ساحة الأمويين انتشرت قوات حفظ النظام من حولنا، ولكنهم لم يستطيعوا السيطرة على هيجان وحماس الطلبة على الرغم من عددهم الكبير. واعتُقل أثناء ذلك طالب جامعي، ولكن استطعنا بعد ذلك من الإفلات به بعد تطويق السيارة التي حُجز فيها. في تلك اللحظة رأينا وفداً مكوناً من (عمار ساعاتي) رئيس اتحاد طلبة سوريا و(جمال عباس) أمين فرع حزب البعث في جامعة دمشق، وهم يطالبون التفاوض مع الطلبة. اتفقنا جميعاً على العودة إلى المدينة الجامعية والتفاوض وتقديم مطالبنا. وفعلاً عدنا بشكل جماعي إلى المدينة، واجتمعنا أمام مبنى مدير المدينة الجامعية، ودخلنا على رأس وفد طلابي مكون من 8 طلاب، وعند دخولنا لمكتب المدير رأينا أعداداً كبيرة من الأمن الجوي والأمن السياسي والكثير من أزلام الأمن، ولكن كان الأمر بالنسبة لنا طبيعياً، لأن كل شئ كان (عالمكشوف)، ولم نخجل من مطالبنا العادلة.

 في البداية تحدثت عن المجزرة التي تطال أهلنا في مدينة القامشلي، واستخدام الرصاص الحي لقمع الكرد، واستهدافه مرة أخرى. وأنا لم أكمل كلامي حيث بدأ عمار ساعاتي رئيس اتحاد طلبة سوريا بتهديدي قائلاً: "أنا راح أفصلك من الجامعة وأسلمك للأمن وأربّي فيك الطلبة"، ولكن ردّ عليه صديقنا محمد بشار قائلاً: (يا سيد عمار، أنت عضو برلمان سوريا ورئيس اتحاد طلبة تهدّد طالب سنة أولى وتستخدم لفظ البوط!)؟ أثناء ذلك زاد هيجان ساعاتي أكثر وسادت أجواء احتقانية غرفة المدير، ولكن تدخّل أمين فرع حزب البعث في جامعة دمشق، وأسكت الساعاتي، وطلب منا مجدداً أن نستمر في الحديث. تحدّث باقي الأخوة من الطلبة عن الأوضاع المأساوية في القامشلي، وسلوك أجهزة الأمن تجاه المواطنين العزل، وطلبنا منه أن يتصل بمشافي القامشلي ويتأكد بنفسه من عدد الشهداء والجرحى. طلب منا أمين فرع حزب البعث أن نقوم بصياغة المطالب، وفعلاً كتبنا عدة نقاط باسم الطلبة المتظاهرين من جامعة دمشق، وكان ذلك اعترافاً رسمياً بالحراك الطلابي وشرعيته.. ولكن لماذا فُصلنا من جامعة دمشق أصلاً؟

أذكر العديد من النقاط التي تطرّقنا لها:

1- إيقاف إطلاق النار في مدينة القامشلي فوراً، ومحاسبة المسؤولين، وتعويض أسرى الشهداء والجرحى.

2- حلّ القضية الكردية في سوريا بالسبل الديمقراطية.

3-   إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين كرداً وعرباً، وإطلاق سراح الطالب مسعود حامد الذي اعتقل في الحرم الجامعي وهو يقدّم امتحاناته.

4-   إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، واحترام حقوق الإنسان والتعددية السياسية.

بعد أن سلّمنا الورقة إلى أمين فرع حزب البعث، وعد بتوصيلها إلى القيادة القطرية لحزب البعث، وكانت لهجته مرنة، وانصدم كثيراً بالوضع الكردي في سوريا والممارسات اللاإنسانية بحق الشعب الكردي، ولكن بعد ذلك تبيّن بأنه فُصل من منصبه الحزبي على أثر تفاوضه مع الطلبة وسعة رحبه! في البداية كان تفسيري لذلك بأن أمين فرع حزب البعث يتعامل معنا بأسلوب ديبلوماسي كي يمتصّ غضبنا وانفعالنا، لكن بعد أن فُصل من منصبه غيّر جمال عباس تفكيري المطلق عن كل البعثيين، حيث أن العديد منهم أيضاً يعانون من هذا النظام.

نزلنا إلى الساحة حيث كان أصدقاؤنا الطلبة ينتظروننا، وشرحنا لهم عما جرى في غرفة مدير المدينة الجامعية، واتفقنا أن نستمر في نشاطنا لاحقاً إن استمر الوضع في القامشلي، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة ما بعد منتصف الليل. بت مع الأصدقاء في المدينة، ولم أستطع العودة إلى المنزل، وذلك لأن عناصر الأمن كانت موجودة بكثافة على الباب الرئيسي للمدينة.

استيقظنا صباحاً حيث استقبلت القامشلي يومها الثاني بأعداد كثيرة من الشهداء والجرحى، واستمر نزف الدم الكردي.. تجمّعنا ثانية في ساحة المدينة، كنا نتابع آخر المستجدات الساخنة هناك عبر أجهزة الخليوي، وقامت أجهزة الأمن بخلق إشاعة في صفوف طلبتنا بأن ذبح في مدينة دير الزور أكثر من 80 طالب كردي بالسكاكين. وعند سماعنا لهذا، قام البعض من الأصدقاء بالتوجه مسرعاً إلى غرف طلبتنا الديريين، وترجوا منهم إخلاء المدينة خوفاً من الإيقاع بين الطلبة الكرد والديريين، وأن أجهزة الأمن ستحاول بشتى الوسائل الإيقاع بين الطرفين. فعلاً بعد ذلك لم نجد أي طالب ديري في المدينة، وهذا ما خلق الارتياح في نفوسنا، وبعد ذلك تأكدنا بأن موضوع ذبح أو قطع رؤوس الطلبة الكرد في مدينة دير الزور ليست سوى سيناريو أمني قام بالترويج له البعض من المندسين والمجهولين.

 لم نستطع تحمل البقاء ساكتين حيث أن الحركة الكردية ضغطت علينا بأن نتريث، ولا نقوم بمغامرة قد تؤدي إلى نتائج عكسية. في تمام الساعة 11 صباحاً قررنا الخروج من المدينة والتظاهر أمام البرلمان السوري وكسر الصمت الذي لازمنا. كانت المدينة الجامعية مطوقة ومحاصرة تماماً، ولكن استطعنا للمرة الثانية الخروج، وللأسف العديد من الطلبة غيروا مسار المظاهرة نحو وادي المشاريع على أساس أن أهالي وادي المشاريع قد انتفضوا ويجب أن نساندهم. حاولنا أن نعيد مسار المظاهرة نحو البرلمان السوري ولكن لم نفلح بذلك، نتيجة اللعب على مشاعر المتظاهرين من قبل البعض من المتحمسين. بالقرب من مشفى المواساة اصطدمنا بقوات حفظ النظام وعناصر الامن الذين قابلونا بالضرب واستخدام القوة لتفريق المتظاهرين، وكانت أعداد قوات حفظ النظام تتجاوز أكثر من ألف عنصر بالإضافة إلى عناصر الأمن والمخابرات المدنية.. أثناء ذلك أُغمي علي بسبب الضرب المبرح، وما تعرضنا له من رشق بالحجارة من قبل المخابرات المدنية. جُرحت أنا وسيبان سيدا وخلات جمعة، وتمّ نقلنا إلى مشفى المواساة، وأما بقية الطلبة فقد عادوا إلى الحرم الجامعي واعتصموا في ساحة المدينة.

ماذا حصل في مشفى المواساة:

عندما نقلنا إلى المشفى، احتل حرم المشفى الضباط وعناصر المخابرات، وتعرّضت للضرب المبرح من قبلهم، وأنا ملقى على السرير، وأثناء ذلك حدثت مشادة كلامية بين الطبيب وعناصر الأمن حيث أنه طلب منهم إخلاء المشفى كي يتسنى لهم معالجتنا، ولكن لم نجد إلا أن أمر الضابط باعتقال الطبيب الذي زُج بعد ذلك في سجن المزة.

نُقلنا أنا وسيبان وخلات، كلاً على حدا، عن طريق سيارات النجدة التي أصحبت في تلك الفترة في خدمة الأجهزة الأمنية وتنفيذ أوامرها إلى سجن المزة.

سجن المزة والأمن الجنائي – فيحاء :

كان هناك توجيهات معمّمة من قبل القيادات البعثية لقمع أي حراك مدني طلابي في دمشق العاصمة، وذلك لأن جميع المناطق ذات الأغلبية الكردية قد انتفضت في مدن (القامشلي-الحسكة-الدرباسية- رأس العين – تل تمر – كوباني المعربة إلى عين العرب)، وبالإضافة إلى ذلك حلب ومظاهرات في العديد من الدول الأوروبية. تلك الأحداث خلقت خللاً كبيراً في أوراق البعث لذلك كان هناك حذر شديد من الحراك في دمشق، وذلك لأن تعداد الكرد في دمشق كبير وجميعهم مهيؤون للتظاهر والتنديد لما يحصل في القامشلي، ولا يمكن احتوائهم بالسهولة أو استخدام نفس درجة القمع المستخدمة في مدينة القامشلي حيث لا يمكن استخدام الرصاص المتفجر وسط مدينة دمشق لتفريق المظاهرات، واستخدموا آليات جديدة للقمع  التي طالت الجميع من دون استثناء وإنزل الآلاف من المخابرات المدينة في النقاط والساحات العامة، وقاموا بتفتيش هويات المارة وإن كان مكتوباً على الهوية من مواليد (القامشلي أو عفرين أو الحسكة) فكان مصيره التوقيف وزجه في إحدى السجون عبر سيارات النجدة!

لم يكن هناك شئ اسمه حرم جامعي أو حرم مشفى أو حرم منزل.. بالنسبة لأهالي وادي المشاريع، كانت العقوبة جماعية وتمّ تطويق الحي وإفراغ الحي من سكانه، وزجهم في السجون عبر اقتحام المنازل بشكل همجي ولا إنساني.

عندما نقلوني إلى سجن المزة لحسن الحظ أن أحد العناصر الموجودين بالسيارة كردي من مدينة القامشلي، وسألني إن كان موجوداً في حقيبتي الصغيرة منشورات ممنوعة حيث أننا نتوجه للسجن.. طلبت منه أن يخلي حقيبتي من كل شيء، و بعد ذلك طلب مني المعذرة، وقال لي بأنه لا يستطيع الإفلات بي لأنه سيواجه بعد ذلك سجن تدمر العسكري، نظرت إليه وابتسمت له. وأما سائق السيارة فكان من مدينة دير الزور، وكان ينظر إلينا عبر مرآة السيارة ويستمع لحوارنا والدمعة تذرف من عينيه.. كان مشهداً مؤثراً… لا أستطيع التعبير عن هذه الصدفة ببساطة…..

استقبلنا الجلاد بالسياط، وكان السجن ممتلئاً تماماً. لا أدري من أين جاؤوا بكل هؤلاء البشر، كان مخصّص لكل واحد منا بلاطين ونصف بلاط للجلوس. ورأيت شيوخاً ونساءً وأطفالاً، وأصدقائي الطلاب والطالبات، وبالإضافة إلى ذلك الطبيب الذي كان يداوي جراحي في مشفى المواساة وهو نفسه الذي كان يعارض وجود الضباط وعناصر الأمن وهم مسلّحين داخل حرم المشفى.. كانت مدة التوقيف فرصة للتعرف على ناس شرفاء أمثال هذا الطبيب النبيل الذي غمرني بلطفه وإنسانيته.

أثناء مكوثنا في هذا السجن لليلة واحد طلبت لأكثر من 10 مرات للتحقيق، وذلك لأنني كنت من الطلبة الذين كانوا يتفاوضون مع أمين فرع حزب البعث والسيد عمار الساعاتي رئيس اتحاد طلبة سوريا. كان عدد الموقوفين في هذا السجن تقديرياً يتجاوز 300 موقوف.

في اليوم التالي تم نقلي مع سيبان والمرحوم  تمر مصطفى عضو المكتب السياسي لحزب التقدمي الكردي في سوريا مع ستة شباب آخرين، بعد أن أخذ منا بصمة الإبهام والصورة الشخصية من كل الجوانب، إلى سجن مديرية الأمن الجنائي. ولم يمر طويلاً إلا أن امتلأ السجن بالموقوفين الجدد الذين تحدثوا لنا عن آخر التطورات وكأنه حلم، لأننا لم نجد منذ سنين طويلة الثوران الشعبي بعد الصمت الطويل. أنا لا أعلم لماذا تم نقلنا إلى مديرية الأمن الجنائي مع أننا لسنا مجرمين أو من عصابات التزوير وما شابهها!

امتلأ السجن، ورأينا غرفاً مخصصة للنساء الكرد أيضاً، ومنهم زميلاتنا الطالبات.. في هذا السجن رأينا تحقيق روتيني وأخذ بصمة الإبهام والصورة الشخصية، وبعد مرور عدة أيام أُطلق سراح الجميع، ولكن بقيت مجموعتنا لوحدها في السجن (نفس الجموعة التي تمّ نقلها من سجن المزة إلى الأمن الجنائي)، ونحن لا نعرف المصير الذي ينتظرنا.. بعد ذلك تمّ تحويلنا إلى فرع الأمن السياسي في الفيحاء، حيث أن علي مخلوف كان بانتظارنا في ساحة السجن، وانضم إلينا بعد ذلك مجموعات تمّ فرزها من سجن المزة، حتى وصل العدد الإجمالي  إلى 120 سجين. كان مخلوف متعطشاً لرؤيتنا، وهو يحمل في يديه كبل رباعي، عند نزولنا من الباص العسكري ونحن مقيدين بشكل محكم. بدأ يستخدم لغته الخاصة، استقبلنا بضربات متتالية وعشوائية.. في هذا السجن كان المشهد مخيفاً، ولكن بعد ذلك أصبح التعذيب والكهرباء والإهانة شيئاً عادياً، وأصبح الكابل جزءاً من جسدنا العاري. كان سقف صالون التعذيب مفتوحاً حيث بإمكانك أن تشاهد ليلاً نجوم السماء، كان مغطى فقط بشبك حديدي، وأرضية الصالون كانت مليئة بالدم الأحمر، وصراخ الطلبة يملأ سماء الشام.. هنا الجلادون يتناوبون عن بعضهم البعض من أجل تسليم الضحية للآخرفي حالة تفتقدها وجدان الإنسان، التمتع بعذابات الإنسان مهنة يتقنوننها ويبدعون فيها، هناك من يُبدع للسلخ أكثر.. كأننا في عالم آخر..

كان السجن مكوّن من كتلتين بينهما ساحة كبيرة.. لسوء حظي إنني كنت أول اسم يقرأه المخلوف، وطلبني لمكتبه، بعد ذلك قال لي بلهجة عنيفة: (اركع يا ابن الكلب).. كنت مستاءً جداً، وإلى جانبي جلادان اثنان ينتظرون إشارة واحدة منه. طلب مني أن اعترف بكل شيء وفي المقابل سوف يتمّ إطلاق سراحي. لم يستطع المخلوف أن يخدعني بهذه الكلمات، وثم عن ماذا أعترف؟ قلت له بأنني شاركت بالمظاهرة وطالبت بإيقاف إطلاق الرصاص الحي الموجّه صوب المدنيين، وفجأة ركلني برجله، وطلب من جلاديه أن يسيطروا عليّ بشدة حتى أن دخل حذائه في فمي. كنت مقهوراً جداً، وداخلي بركان يلتهب.. نعم حتى في مكتبه تعرضت للتعذيب والضرب حتى أن شحطوني شحطاً إلى صالون التعذيب.. الكل تعرّض للتعذيب، ولكن كنت أخاف أن يصيب صديقي مسعود صحافة بنوبة عصبية أو بصدمة نفسية مزمنة.. كان يرتجف كالعصفور، وعلى الرغم من استخدام أشد أنواع التعذيب بحقه إلا أنه لم يصرخ أو يتلهف بكلمة (آخ).. للمرة الثانية أعجتبني صلابة هذا الشخص حيث أنه تعرّض بما فيه الكفاية للتعذيب في سجن المزة، كان جسده مغطى تماماً بالدم. لم يصرخ أبداً، وهذا ما أدخل الحقد أكثر في قلب جلاده الأرعن.. فجأة دخل طفل في ربيع عمره، فتى في الثانية عشر من عمره وهو يبكي.. هذا الطفل لا يتحمّل الضرب والكبل، فبدأ يعترف بأشياء لم يقم بها أصلاً، كي يتجنّب أدواتهم التعذيبية. كان صالون التعذيب لوحة مأسوية لا أستطيع أن أعبّر عنها بسهولة.. كان التعذيب يبدأ مع غروب الشمس حتى شروقها، كنا نتقاسم رغيف الخبز بيننا ونحن مرهقين. هل سنبقى هنا إلى أجل غير مسمى أم أنهم سيحولوننا إلى محكمة أمن الدولة العليا، هذا ما كان يخطر في بالنا آنذاك.

طلبوا مني أن أوقع على ورقة بيضاء، ولكنني رفضت ذلك مطلقاً. المطاليب التي قدمناها أثناء التفاوض مع أمين فرع حزب البعث في جامعة دمشق كانت موجودة على طاولة علي مخلوف، لا أدري هل ((عمار ساعاتي)) رئيس اتحاد طلبة سوريا عضو أمني استخباراتي أيضاً، وكيف حصلوا على هذه الورقة. قال لي المخلوف هل هذا خط يدك، قلت له نعم.. وماذا تطالب؟… أنا أطالب بحلّ عادل للقضية الكردية في سوريا.. وبدأ التعذيب يطالني بشكل غير معقول، واستُخدم بحقي الكهرباء لأكثر من 5 مرات وفقدت الوعي مرتين. بدأ يشتم مخلوف بكلمات بذيئة ويقول بصوت عالي: ماذا تريدون فأنتم تملكون أراضي خصبة كثيرة وأنا لا أملك شبراً واحداً. بشكل عفوي ابتسمت، اختطلتت ابتسامتي بدمي ينزف من فمي وهذا ما أثار غضبه أكثر. كان صراعاً انتحارياً مع الجلاد، ولكن في النهاية تعب الجلاد ولم تتعب أرواحنا المعلّقة. 

  قبل إطلاق سراحنا، أي بعد مرور أيام على التعذيب، تمّ جمعنا في ساحة السجن، وجاء غازي كنعان وهو يشتم الأحزاب الكردية وقياداتها، وقال لنا بالحرف الواحد: "لقد اكتفينا بفصل عدد من الطلبة لكي يكونوا عبرة للآخرين، والذي يشارك في أي عمل سياسي أو يعمل مع أي حزب كردي فسيكون مصيره محكمة أمن الدولة العليا، وأنتم تعرفونها جيداً"، وأضاف أيضاً: "إن سيادة الرئيس قرّر إطلاق سراحكم لأنكم أبناء هذا البلد".

من خلال كلام كنعان استنتجت بأن  قرار فصل الطلبة كان من قبل القيادة القطرية أو أية جهة حزبية، وأن هذا الحزب الشمولي يثبت باعتراف من غازي كنعان، تدخّل حزب البعث بشؤون الجامعة، وأن جامعاتنا ليست سوى أسيرة هذا النظام. أما الشق الثاني من كلامه فكان مضحكاً وسأترك التعليق لكم.

أُطلق سراحنا، وكنت أنا و سيبان سيدا حافي القدمين ونحن نمشي على جسر الرئيس مع لحية طويلة ورائحة مزيجة من الدم والعرق. جميعهم عرفونا من دون أن نلتقي معهم، عرفوا بأننا تخرجنا للتو من قبو التعذيب وكنا نقرأ ذلك في عيونهم. عرفوا بأننا لسنا بمجرمين.. لم نملك أجرة التكسي للعودة إلى المنزل لأن كل ما كنت أملكه اشتريت به سجائر في سجن المزة، وكل سيجارة كنا نشتريها ب 50 ليرة سورية. انتظرنا لبضع الوقت إلى أن أتى إلينا صديقنا المفصول أيضاً ابراهيم مراد الذي قال لنا بأننا فُصلنا من الجامعة، ولا يحقّ لنا دخول الحرم الجامعة بعد ذلك.

تحريض الطلبة العرب واللعب على الشعارات

 في أية مناسبة أو أية سيناريو قمعي يلعب البعث على الشعارات القومية، ويقوم بالعزف على الوتر الحساس. لم يستطع البعث القضاء على الحراك الطلابي في جامعة دمشق، وإنهاء اعتصام الطلبة داخل الحرم الجامعي بعد أن تعرضوا للضرب والتنكيل خارج الحرم. دخلت جماعات أمنية مدنية إلى حرم الجامعة وهم مسلّحين، وقاموا باعتقال الكثير من الطلبة داخل الحرم، على الرغم من ذلك استمر الاعتصام أربعة أيام، وبعد ذلك ضغط حزب البعث على أخوتنا من الطلبة العرب للنزول إلى ساحة المدينة والوقوف في وجه أخوتهم الطلبة الكرد، وترديد شعارات " بالروح بالدم نفديك يا بشار".. أما الطلبة الكرد فانسحبوا من الساحة كي لا تقع الفتنة التي يريدها حزب البعث وهم مرددين شعار "بالروح بالدم نفديك سوريا"، " بالروح بالدم نفديك قامشلي".. أغلبية الطلبة العرب انجبروا على النزول، وضُغط عليهم بشتي الوسائل لمواجهة الطلبة الكرد.

البعث لم يستطع إنهاء هذا الحراك المدني السلمي، بل قام بتحريض الطلبة العرب واللعب على مشاعرهم القومية واتهام الكرد مرة أخرى وفقاً لإيديولوجية شمولية.

تشكيل اللجنة الانضباطية وفصل الطلبة من الجامعة

كالعادة من أجل أن يعطي البعث صفة شرعية وقانونية، نجد بأن اللجنة الكرتونية تتشكّل، ويتم الاتفاق على قرار صادر مسبقاً من قبل قيادة هذا الحزب الذي احتل هذه الجامعات بكل معنى الكلمة.

فقد فُصل من الجامعة جرّاء هذا النشاط 11 طالباً جامعياً فصلاً نهائياً مع فصل 50 طالباً آخر فصلاً مؤقتاً ترواح بين الفصل لمدة سنة وستة أشهر والفصل من المدينة الجامعية، علماً بأن العديد من الطلبة فُصلوا وهم معتقلين، وعُلّق بعد ذلك قرار الفصل ونُشر في جميع  الجامعات، عُلّق في جامعة حلب واللاذقية، وكان هدف حزب البعث من ذلك تهديد الطلبة ثانية وتحذيرهم من أي عمل أو نشاط سلمي مستقبلي.

محاولة العودة إلى الجامعة

بعد صدور قرار الفصل طلبت الأحزاب الكردية من الطلبة تقديم طلب تظلّم علماً بأنه كان هناك أربعة طلبة مفصولين مازالوا محجوزين في سجن الفيحاء والأمن الجوي، وجميع الطلبة قدّم هذا الطلب باستثناء الصديق محمد بشار الذي رفض ذلك.

بعد إطلاق سراحي من السجن استغربت اقتراح الأحزاب الكردية حول تقديم طلب التظلّم، لأننا لم نرتكب خطأ ما ومارسنا حقنا الدستوري في التظاهر، وبالنتيجة تمّ إهانة أصدقائنا من قبل اللجنة وتوجيه اتهامات باطلة لهم والسخرية منهم كما قال لي البعض من الأصدقاء. ولم يعدل البعث عن قراره، ولم تكن اللجنة سوى واجهة.

كان هناك طرق أخرى للمطالبة بالعودة، قدّمنا رسالة لرئيس الجمهورية (بشار الأسد) عن طريق مفتي الجمهورية (أحمد كفتارو)، لكنه رفض إعادة الطلبة المفصولين إلى جامعتهم، وبعد ذلك رأينا حملات من قبل نشطاء سوريين ولكن دون جدوى.

تحدّي قرار الفصل

لم يكن هناك أمامنا خيرات كثيرة سوى المنفى، وذلك لأننا كنا نتعرض لتهديدات غير مباشرة، ونحن مشردون بين قرية وأخرى، وكان يتعرّض زميلنا المفصول محمد بشار إلى تهديدات يومية عن طريق الجهاز الخليوي من قبل عناصر أمن الدولة، وبعد ذلك طُلبنا للجيش والخدمة الإلزامية. قررنا نحن جميع الطلبة امنفصولين نهائياً أن نختار منفى لنا، حيث عبرنا الحدود السورية – العراقية في منتصف الليل متوجهين إلى كردستان العراق، وبعد تقديم الأوراق اللازمة، قُبلنا في جامعة السليمانية. والعديد من الأصدقاء أتمّوا تحصيلهم العلمي ومازل البقية في السنوات الأخيرة.

خلاصة:

منذ استلام حزب البعث للسلطة في سوريا عن طريق الانقلاب العسكري وحتى وقتنا الراهن، أصبحت الجامعات السورية أسيرة النظام البعثي والأجهزة الأمنية. لم يكن الحرم الجامعي سوى ملعباً لتلك الأجهزة وممارساتها اللاقانونية في ظل غياب الديمقراطية وحرية التعبير. ارتبطت تلك الجامعات بشكل مطلق بقرارات الحزب وتدخلاته بشؤون الجامعة، فقد أُقصي المئات من الطلبة وتمّ فصلهم وطردهم وحرمانهم من التحصيل العلمي، وذلك بسب نشاط سلمي أو معارضتهم للنظام وأساليبه القمعية والحالة الشمولية التي تعيشها البلاد منذ ما يقارب قرن من الزمن.
صدر في عام 1982 لائحة تنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، وكان الغرض من هذه اللائحة، قمع أي نشاط طلابي ومحاسبة كل من يخالف النظام البعثي. فقد نصّت المادة 134 البند السابع من هذه اللائحة على فصل كل من يشارك في أعمال ذات طابع سياسي، واعتُبر ذلك مخالفاً للقوانين والأنظمة النافذة في الجامعة. وأيضاً في المادة نفسها البند السادس يُعتبر أن تنظيم الجمعيات داخل الجامعة أو الانتساب إليها أو المشاركة في أعمالها دون ترخيص مسبق من الجامعة أو المنظمات الشعبية المختصة مخالفة تستوجب اتخاذ اجراءات تأدبيية انضباطية، وفي البند التاسع من المادة ذاتها يعتبر توزيع النشرات وإصدار جرائد حائط أو وضع إعلانات بأية صورة كانت أو جمع تواقيع داخل الجامعة والأمكنة الملحقة بها دون إذن مسبق من رئاسة الجامعة أو المنظمات الشعبية المختصة "جرم يستوجب العقوبة".. بنود هذه المادة كافية لفصل أي طالب جامعي بسب نشاط ما مخالف لأيدولوجية النظام البعثي فصلاً نهائياً من الجامعة وحرمان دخول الحرم الجامعي مرة أخرى.

مودتي لكم جميعاً

شكراً للصديقة العزيزة سهير الأتاسي التي لولاها ولو جهودها لما كانت هذه الورقة ولما كان منتدى جمال الأتاسي الذي كان منبراً لنا في سوريا، ولكن للأسف أُغلق.. وها نحن نعود مجدداً في فسحة افتراضية رائعة.

**************************************

محمد عبدو حمو (برادوست آزيزي): مفصول سابقاً من جامعة دمشق فصلاً نهائياً، وممنوع من دخول الحرم الجامعي. حالياً طالب في جامعة السليمانية في كردستان العراق / كلية العلوم الإنسانية/ قسم الإعلام.

ناشط مستقل ومذيع أخبار في راديو نوا، صحفي في جريدة المواطن، عملت سابقاً في قنوات فضائية عديدة  كمحرر أخبار ومعدّ تقارير.

للمشاركة في الحوار في منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي على الرابط:

http://www.facebook.com/topic.php?uid=396445105531&topic=11973

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.