الإشكاليات الست في علاقة مصر والقطاع

0
80

ثمة رؤية يروج لها المعارضون لمصر ونظامها تقول إن القاهرة تساند الحصار على غزة وتخنق الفلسطينيين شأنها شأن إسرائيل العدو الرئيس للأمة العربية، وأنها تأتمر بأوامر تل أبيب وواشنطن، ودورها هو ضد المصلحة الفلسطينية ومواقفها تتسم بالخزي والعار وبحاجة إلى صحوة ضمير، ويكفي أن نرجع إلى تصريحات بعض قادة «حماس» في اليومين الأخيرين لنكتشف المزيد.

 

وفي المقابل رؤية مصرية تقول إن من يحاصر القطاع هي إسرائيل وليست مصر التي فتحت معبر رفح لمدة مئة يوم في العام الماضي من أجل المساعدات الإنسانية وانتقال الأفراد وليس البضائع، وأن الضوابط المعمول بها من أجل الأمن واحترام السيادة لا بد من أن يحترمها الجميع، إذ أن ذلك عرف دولي لا فصل فيه ولا نية للتراجع عنه تحت أي مبرر.

 

الرؤية الأولى يصاحبها صخب إعلامي تقوده فضائيات وجهات عدة منها المدنية ومنها الدينية التي تفتي بحرمة ما تفعله القاهرة بل وتصل أحياناً إلى اعتباره في خانة العداء والخيانة، وتساندها جهات فلسطينية لا تتفق كثيراً مع المقولات المصرية وأطروحاتها سواء بالنسبة الى المصالحة الفلسطينية أو إدارة عملية التسوية. أما الرؤية الثانية فهي ذات طابع دفاعي غالباً، ولا تصل إلى الآذان لا في مصر ولا في خارجها إلا بصعوبة بالغة.

 

وبين الرؤيتين توجد تفاصيل كثيرة ومهمة، فالغالب الآن هو الصوت المرتفع والمتشنج قبل الصوت الهادئ، والعواطف الجياشة المتوترة قبل العقل الرزين والفعل المحسوب.

 

علي أية حال، فإن المشهد الذي جسدته المواجهات التي سبقت دخول قافلة «شريان الحياة 3» إلى غزة من معبر رفح يُعد تعبيراً دامياً عن المسافة الكبيرة بين الرؤيتين السالفتي الذكر، وتعبيراً عن إشكاليات عدة، أتصور أنها سوف تستمر لفترة من الزمن تحكم العلاقة بين مصر وغزة من جانب، وبين مصر والقضية الفلسطينية من جانب آخر. من بين هذه الإشكاليات ما يلي:

 

الأولى إشكالية الدولة والأمة، أو لنقل ثنائية الدولة والأمة. الدولة هنا في الأول والأخير تعني صلاحيات وإطاراً قانونياً وجغرافياً تُمارس عليه الجهة الحاكمة سيادتها. وبغض النظر عن رأينا في هذه الجهة الحاكمة، هل هي ظالمة ومستبدة أو ديموقراطية وتعبر عن قناعات شعبها، فهي في الأول والأخير صاحبة القرار على نطاقها الجغرافي. هذا عرف دولي معمول به، وهذه قاعدة راسخة من قواعد العلاقات الدولية على رغم تعرضها لضربات هنا وهناك باسم حقوق الإنسان وحقوق الشعوب. أما الأمة، لا سيما الإسلامية، فهي منطق يتجاوز نطاق الدولة جغرافياً وسياسياً، هي منطق افتراضي يعتقد فيه البعض وينادي أن تكون له الأولوية على منطق الدولة الواقعي.

 

مصر الرسمية بالتأكيد مع منطق الدولة بما فيه من سيادة لا يحدد نطاقها وصلاحياتها إلا النظام الحاكم والحكومة الشرعية. أما حركة «حماس» ومن يواليها فهم على الجانب الآخر، أي مع منطق الأمة الافتراضي الذي يتيح تجييش المشاعر من أجل هدف واحد وهو إدانة مصر ووضعها في خانة الأعداء والخونة بكل بساطة وكأن المئة ألف شهيد مصري الذين قضوا من أجل فلسطين في مواجهات عسكرية ضروس من 1948 وحتى 1973 كانوا مجرد ذكرى عابرة لا تستحق الذكر، وكأن تضحيات المصريين البسطاء لا تستحق التأمل والاعتبار. وآخرهم جندي مصري لم يتجاوز الثانية والعشرين سنة نالته إحدى الرصاصات الغادرة القادمة من القطاع يوم السادس من كانون الثاني (يناير) الجاري، وكل ذنبه أنه كان في خدمة وطنه وحراسة بلده.

 

الاشكالية الثانية هي إشكالية الالتزام القومي والالتزام التعاقدي، وهي امتداد آخر للاشكالية الأولى ولكن في شكل ومستوى مختلف. فالالتزام القومي يرتبط بالعروبة والقومية العربية وإلى حد كبير بالناصرية التي وضعت نصب أعينها أن تكون مصر في طليعة القيادة العربية، تضحي من أجل العرب وتخوض حروبها من أجلهم، وتجعل علاقاتها مع القوى الكبرى من أجل العرب. كانت تجربة لها وعليها الكثير والكثير من الأخذ والرد. ولكنها تركت في نفوس الكثيرين نموذجاً قوامه أن مصر ليس لها أي خيار إلا أن تضحي من أجل القومية العربية حتى ولو كفر بها كل العرب الآخرين.

 

في حين أن واقع الأشياء عربياً ومصرياً يضع في الأولوية وفي الجوهر الالتزام القطري مع وضع رقاقة من الالتزام القومي تُستدعى عند الضرورة، وغالبيتها لإدانة مصر وشعبها وإهانة تضحياتها. واقع الأشياء وواقع العرب يقول إن مصر لا تفعل شيئاً يختلف عما تفعله الدول العربية الأخرى، أي متابعة مصالحها العليا كما تحددها النخب الحاكمة، والالتزام بتعاقداتها الخارجية أياً كان موقف الآخرين منها.

 

حين تعمل مصر وفقاً لنظرية الالتزام التعاقدي، بما في ذلك الحرص على التطبيق الأمثل للمعاهدة مع إسرائيل وبما يحمي مصالحها الذاتية، تنطلق نظرية الالتزام القومي بصيغتها الناصرية مصحوبة بمسحة أممية لتضع الأمر في باب الخيانة والتراجع والتسليم للعدو وتصفية القضية الفلسطينية وضرب المقاومة وإجهاضها وكل ما شابه. إنها مسافة واسعة بين نمطين من التفكير والقناعات ترسخت بفعل عمليات تنشئة وتعبئة تكاد تكون يومية لتغطية فشل البعض وخروجه عن خط المعقول في إدراك حقائق النظام العربي والدولي.

 

الإشكالية الثالثة ليست بعيدة عن السابقة، وفي جزء منها امتداد لها، وهي إشكالية الأمن القطري والأمن القومي. الأمن القطري هو المعمول به في كل البلدان العربية، ولم نسمع أحداً يناهضه أو ينتقده أو يعتبره انتقاصاً من المقاومة الفلسطينية، بل ثمة دول وأطراف مشتبكة في عمق الصراع مع إسرائيل ولم تستخدم رصاصة واحدة طوال أربعة عقود لتحرير أرضها المحتلة، ومع ذلك ينظر إليها البعض كرمز للقومية المثالية والصمود والتصدي. وكما لا تطالب مصر أحداً من العرب بأن يفعل ما يفوق طاقته، فهي تنتظر أيضاً أن لا يطالبها أحد بما يفوق قدراتها وطاقاتها.

 

الاشكالية الرابعة تتعلق بالرأي العام المصري والرأي العام الخارجي. وليس هناك أدنى شك في أن جزءاً من الرأي العام المصري هو مع الانتقادات التي تشيع الآن في شأن سلوك مصر تجاه غزة تحديداً، ولكن هناك جزءاً آخر ومعتبراً يرى الأمر من منظور مختلف، ويعتقد أن سياسة حكومته وقيادته السياسية هي السياسة الأنسب في ظل الواقعين العربي والدولي الراهنين، وأن ما «يريده البيت يحرم على الجامع». وإذا كان الأمر كذلك فالمتصور أن الحاكم ليس عليه أن يتجاهل مطالب شعبه من أجل شهادة حُسن سير وسلوك من الرأي العام الخارجي لا سيما بعض العربي المعبأ خصيصاً لإدانة مصر أياً كان موقفها ودورها.

 

الإشكالية الخامسة هي إشكالية رفع الحصار عن أرض محتلة، فالأسهل هنا أن تتم المطالبة برفع الحصار وأن تكون مصر هي السباقة من أجل اثبات قوميتها والتزامها بأمتها الإسلامية. لكن الأصعب أن يدرك هؤلاء أن مصر هنا توازن بين التزامين، الأول هو وحدة القضية الفلسطينية باعتباره الموقف القومي الأصيل الذي لا يمكن التنازل عنه، وبين تقديم المساعدة الإنسانية الضرورية. وفي قناعة مصر أن رفع الحصار عن غزة بوضعها الراهن فيه تحقيق لهدف إسرائيلي رئيسي طالما سعى إلى الفصل الأبدي بين غزة والضفة وأضاع بذلك فرصة قيام دولة فلسطينية وفقاً لحدود الرابع من يونيو. الوضع الراهن في الرؤية المصرية هو أن غزة أرض محتلة وأن وجود سلطة أمر واقع فيها لا يعني أنها باتت محررة أو شبه دولة، ما يترتب عليه فتح دائم للحدود. وإن كانت هناك فترة أغمضت فيها العيون عن انفاق للتهريب، فقد ثبت أنها تأتي بالسلع كما تسمح بدخول الأسلحة والأفراد بطرق غير شرعية ولا يمكن قبولها، وبات مطلوباً حل الأمر جذرياً. صحيح أن المهربين سيتضررون أولاً والناس ثانياً، لكن الحل بسيط وواضح، فالمصالحة مطروحة ولا بديل عنها. وبعدها سيكون لكل حادث حديث.

 

أما قبول تحول قوافل المساعدات الإنسانية إلى تخريب ومشاغبات ومواجهات واختطاف للجنود ومحاولة إجبار السلطات على الخضوع لمطالب غير قانونية كإدخال سيارات خاصة لا علاقة لها بالمساعدات الإنسانية، كما حدث مع قافلة النائب البريطاني جورج غالاواي فهذا يتجاوز كثيراً رفع الحصار. وإن كان هؤلاء خائفين من العبور من أحد المعابر الإسرائيلية، ويتصورن أنهم سيفرضون إرادتهم على مصر، فهو مما يدخل في باب الابتزاز السياسي المرفوض جملة وتفصيلاً. فأمر غزة يتطلب ناشطين من أجل السلام وليس مخربين وفوضويين كما رأينا عند الحدود المصرية مع غزة.

 

الاشكالية السادسة من قبل ثنائية الحب والكراهية، وهذه بدورها بات يشعر بها كثيرون من المصريين البسطاء الذين خبروا الحياة في عدد من الدول العربية من أجل لقمة العيش، والذين يشاهدون في الفضائيات المختلفة سيولاً من الإدانة والتشويه لبلدهم ومواقفه المختلفة. هؤلاء يشعرون بشيء من الازدواجية في تقييم مشاعر بعض العرب تجاههم، خصوصاً حين توجه الإهانات للمصريين في شكل عام ويجري وصفهم بكلمات غير لائقة ولن نزيد على ذلك، بل نحيل إلى عمل فني قامت به مجموعة من شبان دولة عربية شقيقة في صورة أغنية قصيرة تهين كل ما هو مصري، ووضعوها على الانترنت ويتداولها الشباب المصري في ما بينه بكل غضب وقرف. والمؤكد أننا لن نكون سعداء إن قام شبان مصريون بعمل فني مضاد يهيل التراب على كل ما هو عربي، ولكن بالقطع سيكون هناك من يتفهم ويبرر العمل.

 

أظن كما يظن عاقلون كثر أن العرب الواعين بالتاريخ يدركون قيمة مصر والمصريين، وأظن أيضاً أن هؤلاء الحانقين على مصر لم يقرأوا التاريخ ولا يعرفون إلا هوامش الأشياء. لكننا في زمن الصورة الزاعقة المبتسرة وليس الثقافة العميقة والوعي المتقد. وحين يقال إن مصر ليست أقل عنفاً وحصاراً من العدو، فهل يعتقد هؤلاء أنهم يسدون خدمة لأنفسهم، أو أنهم بذلك سوف يفرضون على مصر الرسمية أن تفعل ما يحلمون به؟ انظروا يا سادة إلى تعليقات المصريين على خبر استشهاد الجندي المصري برصاصة غادرة من قطاع تسيطر عليه «حماس» وحكومتها لتعرفوا الرد الشعبي المباشر.

 

* كاتب مصري

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.