ألبير كامو ليس ساعة رولكس يلبسها ساركوزي

0
92

في مثل يوم الإثنين الماضي، المصادف 4 يناير/كانون ثاني، وقبل خمسين عاماً، في عام 1960، وبالضبط في الساعة الثانية إلا خمس دقائق بعد الظهر، إصطدمت على الطريق المحلي بين "شامبيني سور يون" و"فيلانوف لا غويارد"، سيارة فارهة غالية الثمن في زمنها، من موديل "فاسيل بيغا"، بشجرة دُّلْب، في مكان لا يبعد كثيراً عن باريس. سبب الحادث المشؤوم، كما جاء في تقارير الشرطة وفي أوراق الطب العدلي، هو إنفجار أحد إطارات السيارة تلك، السيارة الممتازة الطراز، والتي تُستخدم عادة في المسابقات الرياضية بسبب قدرة محرّكها. الإطار المصنوع من المطاط تحول إلى خيوط مفتتة علقت في النهاية على سطح السيارة. كانت صدمة كبيرة، عندما شاع الخبر، بأن أول ضحايا الحادث ذلك، لم يكن غير الفيلسوف والكاتب الفرنسي، صاحب النوبل (1957) البير كامو، والذي جلس وقت الحادث في مقدمة السيارة إلى جانب السائق. لم تكن الصدمة كبيرة بسبب مكانة البير كامو، بل كانت أكثر بسبب موته في هذا العمر المبكر، إذ لم يبلغ السابعة والأربعين من عمره. أما سائق السيارة، صديق كامو الشخصي، ميشائيل غاليمار، الناشر المشهور، ناشر كامو أيضاً، فقد سقط متأثراً بجراحه البليغة بعد ذلك بوقت قصير في مستشفى قريب من مكان الحادث.

زوجة ميشائيل غاليمار وإبنته اللتان جلستا في المقعد الخلفي نجتا من الحادث بأعجوبة، لدرجة أنهما خرجتا من السيارة دون تعرضهما حتى لخدوش بسيطة. ولحسن حظ زوجة البير كامو، فرانسواز ان طفليها، التوأمين، جان وكاترين، كانا قد سافرا قبل يوم من وقوع الحادث بالقطار من مدينة أفينيون حيث كانا أقاما سوية لمدة ايام، في باريس.

أنها إحدى أكبر المفارقات العبثية، أن ينتهي فيلسوف العبث إلى هذه النهاية العبثية: أن يموت بطريقة لا تختلف عن طريقة موت شخصياته الروائية. ألبير كامو، الوجودي الكبير، الصديق "اللدود"، لمنافسه جان بول سارتر، ومؤلف كتاب "الإنسان المتمرد"، الذي إستنكر الإنحياز "الأعمى" لليسار في وقته ورفض السباحة مع التيار "اليساري" العام الذي سيطر على المشهد الثقافي آنذاك ولعقود طويلة لاحقة في فرنسا. كان كامو في ذلك الوقت بالنسبة لأغلبية المثقفين الفرنسيين الذين كانوا نتاجاً للحرب الباردة آنذاك، مجرد فيلسوف "يميني"، منحاز للطبقة الرأسمالية المسيطرة، ليس في حياته وحسب، بل في موته أيضاً، ألم يمت في سيارة غالية الثمن، من الطراز النادر؟

ليس من الغريب إذن أن تُهمل أعمال كامو لعقود طويلة، وتضيّع تحت ظلال أعمال جان بول سارتر، الذي سيطر في كل ما كان يقوم به ويدعو إليه على المشهد السياسي العام، بل واحتل في أكثر من مناسبة العناوين البارزة للصحافة العالمية ونشرات الأخبار. حصيلة ذلك، النظرة الدونية لكامو من قبل مثقفي الصالونات "اليسارية" المسيطرين على المشهد، الذين وجدوا فيه مثقفاً ساذجاً. حصيلة ذلك أيضاً السخرية منه بصفته فيلسوفاً مدرسياً لاغير، يقرأه طلاب المدارس الثانوية في مناهجهم، وهذا ما شكل بالنسبة لهؤلاء دليلاً لما أرادوا الذهاب إليه بمواقفهم المسبقة، التي تقول، إن أبناء الطبقة البورجوازية وجدوا فيه المنقذ المناسب لمحاربة الملل عن طريق قراءة بعض من أعماله.

ما لم يتكهن به أحد، حتى البير كامو نفسه، أن عليه الإنتظار عقوداً أخرى، إلى حين ظهور كتابه الذي إقترب من السيرة الذاتية "الإنسان الأول" في عام 1994، لكي يلقى نجاحاً متأخراً وإعادة بعث لروحه، للإعتراف بفلسفته الوجودية بكل ما حوت عليه من تمرد وإستقلالية. حتى ذلك الوقت، أي بعد 34 عاماً من وفاة أبيها، رفضت كاترين، إبنة البير كامو الوحيدة، الموافقة على نشر الكتاب هذا، والذي عُثر عليه على شكل مخطوطة غير مكتملة في السيارة التي مات أبوها فيها. بالنسبة لكاترين أصبح من الواضح بعد سقوط جدار برلين أولاً، وبعد إنطلاق نقاش فكري حر بعيد عن إشكالية الحرب الباردة بين معسكرين أيديولوجيين يطالبان المثقفين بإتخاذ مواقف متحزبة مسبقة، أصبح من الواضح أن الوقت بات مناسباً لصدور طبعة منقحة من الكتاب، أو بكلمة أخرى، بدا لها الآن الوقت مناسباً لقراءة أبيها بصورة متميزة، بصفته صاحب منهج ورؤية خاصة غير متحزبة.

لكن ما لم تحسب البنت حسابه هو أن الإعتراف بأبيها هذا سيصل الآن إلى القمة، إلى أعلى مستويات السلطات الحكومية الفرنسية، وهو أمر لم تخف إمتعاضها منه، رغم أنها لم تعلن ذلك بصورة مدوية، كما فعل أخوها التوأم، جان الذي أعلن مباشرة وبعد سماعه الخبر عن إعلان رفضه القاطع. فعلى عكس أخته الذي بدا صوتها وجلاً في تعليقاتها على ما بدأت الصحافة والدوائر الرسمية الفرنسية في تداوله عن نية قصر الإليزية بإقتراح من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بنقل بقية رفات جثمان أبيه وبالضبط بمناسبة مرور خمسين عاماً على وفاته، إلى المقبرة الفخمة، إلى معبد المجد الخاص بالجمهورية الفرنسية، "بانتيون باريس"، لكي يجد الفيلسوف الفرنسي الوجودي مثواه الأخير إلى جانب كل الشخصيات التاريخية التي تركت علامة فارقة في تاريخ فرنسا "البورجوازية"!

لم يكن ولدا البير كامو وحدهما في موقفهما الرافض للمجد "المتأخر" الذي لم يخل من إحتفالية سياسية مبالغة وزائفة، بل وقف إلى جانبهما عدد كبير من قراء كامو والمعجبين به في فرنسا وفي بقية العالم، الذين لم يخفوا خوفهم من مصادرة نيكولا ساركوزي لتراث الفيلسوف الوجودي بكل ما حوى عليه من إستقلالية. أفضل ما عبر عن ذلك هو الجملة التي خُطت على إحدى اللافتات التي إرتفعت في قاعة ضخمة وأمام جمهور كبير جاء إلى باريس لمناقشة إقتراح الرئيس المحافظ اليميني نيكولا ساركوزي: "البير كامو هو ليس ساعة رولكس"، خُط على اللافتة بشكل واضح! لم تكن تلك الجملة غير تلميح ذكي ولاذع لساعة "رولكس" الذهبية اللامعة التي يبرزها نيكولا ساركوزي دائماً على معصم يده في الصور المأخوذة له بتباه.

ومن المفارقات التي لم يخف البير كامو حبه لها، تلك التي شكلت في الحقيقة لب فلسفته العبثية المتمردة، إن هناك إعتقاداً سائداً الآن يتداوله الرأي العام، يتحدث عن إحتمال نقل بقية رفات أم البير كامو أيضاً، الأم التي لم تعرف في حياتها القراءة والكتابة، الأم "الأمية" المدفونة في الجزائر، من المحتمل أن يُنقل جثمانها إلى المثوى الباريسي الفخم مع إبنها، لأن تسريبات قصر الإليزية تقول، إن ساركوزي يريد إعادة الاعتبار للأم أيضاً، لكي يخفف من موتها غريبة في الجزائر!

إحدى الجمل التي يُستشهد بها غالباً لألبير كامو تتحدث عن "عدم المبالاة الرقيقة للعالم". وذلك ما يمكن تطبيقه على ما يجري الآن. لكن ما هو ثابت يظل أن البير كامو، وبشكل لا يدعو للشك، كان قد أعلن إستقلاليته الفكرية وبوقت مبكر عن كل مجد "رسمي". ومن تحدث مثله عن إستقلالية المثقف "المتمرد"، أو عن موقف الإنسان "المتمرد"، فإن دفن بقية رفات عظام متآكلة له في ضريح ضخم، لن يغير من قدره الذي قارنه ببطل الأسطورة اليوناني سيزيف، سيزيف الذي يجد سعادته الوحيدة التي لا تنافسها سعادة، في تقبل مصيره ذلك، وهو يحمل الصخرة إلى فوق دائماً، من غير المهم، أنها ستتدحرج مرة أخرى إلى الأسفل!

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.