من ابرهيم باشا الى صدام حسين النقد الذاتي للمشروع القومي العربي

0
99

– الرباط

يبدأ فهم "جدي" وصحيح لظاهرة الاخفاق المتكرر للمشروع القومي العربي، في شقيه المتلازمين: النهضوي والوحدوي، من نقطة صدق مع النفس وتوافق مع ادوات التحليل العلمي هي – في ما يعنينا هنا – التفكير في ما كان لذلك الاخفاق من مقدمات واسباب داخلية. وهذه قد تكون اجتماعية (او مجتمعية) عامة: من طبيعة التكوين الاجتماعي القائم او من مواريث التاريخ التي تستمر تأثيرا ومفعولا، وقد تكون شديدة الاتصال بالتجربة السياسية القومية واخطائها. لكنها – في الحالين – المقدمات والاسباب التي لا سبيل الى تجاهلها او التستر عليها لفهم "نازلة" الاخفاق فهما صحيحا: حتى وان كان السعي في عدم التشديد عليها مقصودا لتنمية الشعور القومي – والجمعي العربي – بالخطر الاجنبي ومسؤولية الاستعمار والامبريالية والصهيونية في الحاق الاذى بمطلب عربي مشروع في الانتهاض والتوحّد.

قلنا ان ذلك الفهم المستقيم لظاهرة الاخفاق يبدأ من الصدق مع النفس ومن التسليم بفرضيات التفكير العلمي في الظواهر الاجتماعية والتاريخية. وليس معنى ذلك ان كثيراً مما قيل وكتب في شأن "النازلة" ما كان صادقا مع النفس ولا كان منسجما مع فروض التفكير الموضوعي، وانما معناه ان اسقاط فرضية الاثر السلبي للعوامل الداخلية (والذاتية) من الحسبان – حين تحليل حال الاخفاق المتكرر للمشروع ذاك – انما يعزز الاعتقاد بأن الخطاب القومي العربي يكابر من جهة، ويحيد عن التزام تقاليد التفكير الموضوعي من جهة اخرى. وليس يعنينا – ولا يفيدنا – ان نتبين وجوه الصحة من الخطأ، والحيف من العدل، في هذا الاعتقاد (الذي لا يحمله خصوم فحسب، وانما وحدويون وعروبيون ايضا)، وانما يهمنا ان نشدد على ان مجرد انتشاره وفُشوّه في المجتمع الثقافي العربي وفي المجتمع المدني – حتى وإن كان منسوب الدقة فيه ادنى من المتواتر والمشهور – لا يخدم صورة المشروع الوحدوي والنهضوي اليوم وفي المستقبل المنظور، خاصة ان اخذنا في الحسبان تأثيرات ظرفية الاخفاق في المدارك والنفوس، وانبعاث خطابات التحبيط والتيئيس التي غالبا ما تجد في مثل هذه الحال السوداوية بيئة مثالية للانتعاش والفتك، فتكون حجتها في الجمهور افعل وإن كانت في قوتها الذاتية اهزل وأوهن…

ما الذي نقصده بالصدق مع النفس والتوافق مع منطق التحليل العلمي؟

ليس الصدق مع النفس فعلا اخلاقيا رفيعا فحسب، انه فوق كونه فضيلة محمودة فعل فكري – وسياسي بالتبعية – تتجاوز نتائجه النطاق الفردي المحض وتستقيم بممارسته الجماعات الاجتماعية والحركات التاريخية. وهو، في السياق الذي نحن فيه، يرادف التحلي بالشجاعة الادبية في الاعتراف بالاخطاء التي وقع فيها القوميون – نظما وحركات سياسية ومثقفين – والاقدام على ممارسة نقد ذاتي جهير ومصارحة الناس (الجمهور) بما وقعوا فيه وكان يمكنهم تجنبه لو حسبوا الامور على نحو آخر مختلف. وليس يضير القوميين والمثقفين منهم على نحو خاص – ان يأتوا مثل هذا النقد الذاتي الشجاع، ذلك ان عائداته مجزية الى حد بعيد، ليس في جوانبها الاخلاقية المتصلة باعادة بناء صدقية القوميين في وعي جمهور اهتزت ثقته فيهم – ولو ان هذه في حد ذاتها مسألة في غاية الاهمية – وانما لحيوية مثل هذا النقد، وحاجة اي حركة تاريخية (والحركة القومية العربية حركة تاريخية بالمعنى الدقيق للكلمة) الى ممارسة في افق تجاوز اخطاء الماضي وتصويب مسار الحركة والمشروع.

يميل كثير من خصوم التيار القومي العربي الى الجزم القاطع بأن مثل هذا النقد الذاتي مستحيل الامكان والتحقق في اوساط القوميين لأن هؤلاء – في نظر خصومهم – دوغمائيون وايمانيون يأبون التسليم بالواقع والتكيف مع متغيراته. ولأننا لا نسيء الظن بهم – كهؤلاء – بل نحسنه، نفترض ان العائق في الخطاب القومي ليس فكريا ولا اخلاقيا، وانما هو نفسي في المقام الاول. ذلك ان كثيرين – من القوميين العرب – يخشون من ان يُستغل اي نقد ذاتي ضدهم، فيتخذ قرينة على بطلان ما ذهبوا اليه، او يخشون من ان يكون في الاقدام عليه تبرئة للعدو الخارجي من مسؤوليته الثابتة في ضرب المشروع القومي وتخريبه. وقد تكون الخشية هذه مشروعة، خاصة حينما لا يكون مطلوبا من احد آخر غير المثقف القومي ان يقدم مثل ذلك النقد الذاتي! غير ان هذه الخشية، وعلى ما فيها من شرعية لا نملك ان نجادل فيها، لا تعفي القوميين من اداء واجب النقد الذاتي لسبب وجيه الحجة هو انه اذا كان من الثابت ان لذلك العدو الخارجي مسؤولية مباشرة في اجهاض المشروع النهضوي والتوحيديّ، فإن مسؤوليتهم تقع في النطاق الذي يؤكده السؤال النقدي التاليّ: لماذا جرى تمكين العدوّ الخارجي – بأخطائنا القومية – من فرحة الانقضاض على ذلك المشروع؟ أليس حرياً بالخطاب القومي العربيّ مساءلة النفس عما كان له من سهم في ما جرى ولو من طريق غير مباشر؟

وقد يكون مفيداً، في هذا المعرض، أن يسوق المرء منا عينة من الأسئلة التي كان – وما زال – على الفكر القوميّ العربيّ أن يطرحها على نفسه في سياق مساءلته أخطاءه وممارسته النقد الذاتيّ الشجاع للأخطاء التي ارتكبها منذ قرابة القرنين. ولعل أربع أسئلة من هذا النوع تكفي لتمثيل غيرها مما ينبغي ان يُطرح اليوم، ويفكر فيه، على سبيل تصحيح أخطاء الماضي وترشيد فاعليات المستقبل، والأسئلة التي ننتخب هي:

– هل كان على ابرهيم باشا، لكي يحقق حُلمه وحلم والده محمد علي باشا في توحيد مصر وسوريا، أن يزحف بجيشه الى حاضرة الدولة العثمانية؟ هل كان لمثل هذا الخيار الرامي الى تغيير التوازنات الاستراتيجية على الصعيدين الاقليمي والدولي ان يُمر ن دون عقاب استعماري (بريطاني – فرنسي) على تحدي إرادة القوى العظمى وخرائط النفوذ؟ وهل كانت مصر تملك من القوى الذاتية ما يسمح لها بتحطيم الامبراطورية العثمانية من جهة، وبالردّ على التهديد البريطاني – الفرنسي لصعودها من جهة اخرى؟ ثم: ألم تكن هذه الأخطاء والحسابات الدقيقة مما هيأ الشروط للانقضاض الخارجي على التجربة النهضوية والوحدوية المصرية المبكرة؟

– ألم يكن تصديق الشريف حسين لوعود "مكماهون" وتحالف قوى "الثورة العربية" مع بريطانيا والحلفاء ضد تركيا، أثناء الحرب العالمية الولى، وبالا على فكرة "الاستقلال القومي" العربي عن الدولة العثمانية في دولة عربية مستقلة؟ أَلم يكن تعبيراً جهيراً عن غباء سياسيّ للقيادات العربية قاد إلى انتحار سياسيّ كامل لحلم الاستقلال القومي على نحو ما كشف عن ذلك "اتفاق سايكس – بيكو" و"وعد بلفور" وسقوط المشرق العربي في قبضة الاحتلال الأجنبي؟

– هل كان على عبد الناصر، كي يردّ على الانفعال وانفراط عقد الوحدة المصرية – السورية أن يرسل جيشه الى اليمن للدفاع عن "الثورة" كي يتعرّض جيشه وتتعرض قواه للإنهاك؟ وهل كان عليه – كي يدافع عن سوريا في وجه الخطر الصهيوني – ان يطلب من قوات الطوارىء الدولية الانسحاب من خطوط المراقبة في البحر الأحمر، وأن يُغلق مضائق تيران في وجه الملاحة الدولة؟ ألم يكن ذلك منه تسويغاً للعدوان الصهيوني على مصر في 5 حزيران 1967، وتوفيراً مجانياً لذريعته؟

– وأخيراً، هل كان على الرئيس صدام حسين أن يعالج خلاف العراق مع الكويت بإرسال الجيش العراقي الى الكويت وإقامة حكومة بديلة موالية؟ ألم يكن في ذلك توفير للذريعة أمام عدوان كان يتحيّن فرصة الخطأ للإنقضاض على دولة خرجت منتصرة من حرب كبرى مع إيران؟

هذه ليست كل الأسئلة التي يمكن – بل يجب – ان يطرحها القوميون على انفسهم اليوم. إنها مجرد عيّنة، وثمة الكثير من أمثالها يحتاج الى تفكير مثل الأسئلة التي تدور حول الموقف الخاطىء للنظم القومية العربية من الديموقراطية والحريات وما جرّه على صورتها وسمعتها من نتائج سيئة.

يقتضي الصدق مع النفس – كما قلنا – هذا النوع من الشجاعة الفكرية والأخلاقية في مواجهة الأخطاء ونقد الذات. وليس الهدف "التطهُّر" من "الخطيئة"، ولا إجراء "حمام نفسيّ" لتنظيف الموقف السياسي مما علق به من غبار الالتباسات، كما قد يذهب الى ذلك من يحسبُ المسألة في عداد الأخلاق، ذلك أن النقد – في مفهومنا – ليس إبراء ذمة، وإنما هو آلية من آليات إعادة البناء. ولأن الخطاب السياسي العربي حول مسألة الوحدة العربية – ومجمل المسائل القومية العربية – يحتاج الى اعادة بناء، فإن النقد الذاتي أمر لازب لا غناء عنه ولا مهرب. لكنه لازب، أيضاَ، لأسباب معرفية صرف، ذلك أن الوعي الذي يروم ان يكون تاريخياً ومنتجاً وفعالا لا يسعه أن يكون على مثال  ما رام إن هو جافى منطق النظر العلمي الى الأشياء والظاهرات. والمنطق هذا إنما يقرر قاعدة لا سبيل الى إطراحها من الحسبان، أو معاملتها بالنكران، ومقتضاها ان التحليل العلميّ لظواهر المجتمع والتاريخ يُسلم بأن للعوامل الذاتية أثراً عظيم الشأن في وجودها: تكويناً وتطوراً ومآلات، وأن إسقاط تلك العوامل من عدة التحليل والفهم يرقى الى فعل التعمية الايديولوجية التي لا صورة لها ولا مصير سوى الإجهاز على عملية الفهم الصحيح للظاهرة موضوع التحليل.

تفعيل هذه القاعدة في عمل المثقفين القوميين بات في حكم الفرائض الفكرية والسياسية… والأخلاقية. الى متى يستمر الركون السهل الى مؤامرات العدو الخارجي لـ"تفسير" نكبات مشروع النهضة العربي المتلاحقة وتعليقها على شمّاعته؟ الى متى الجبن والتردد في مصارحة الناس بما فعلته القوى السياسية القومية العربية – الحاكمة منها خاصة… وليس حصراً – بهذا المشروع النهضوي والتوحيدي الكبير بسيل الأخطاء والخطايا التي ارتكبت: في حقه وفي حقوق جمهوره؟ الى متى الاستمرار في المنطق التبريري الايديولوجي منطقاً حاكماً للتفكير والدعوة؟ الى متى الاعتقاد بأن التستر على الأخطاء الذاتية حماية لصورة القضية من استغلال الأعداء والخصوم، وأن تبرئة ساحة من ارتكبها منا أقل كلفة من الإيحاء بأن المسؤولية عما أصاب أهداف النهضة والوحدة العربية ليست للعدو الخارجي حصراً؟ الى متى الظن بأن النقد الذاتي تراجع عن الثوابت، وأن محاسبة النفس إسقاط لشرعية الفكرة القومية؟!

الصدق مع النفس، والآخرين، لا يكون إلاّ في تلازم عضويّ مع هذه القاعدة العلمية الذاهبة الى أن تفسير الظواهر الاجتماعية (كما الطبيعية) لا يكون صحيحاً إن كان أوحدياً، أي يٌغلّب العوامل الموضوعية على الذاتية أو العكس وصدقية الخطاب القومي العربيّ اليوم أمام امتحان عسير: أن يرتق الفتوق ويُرمم الشروخ فيعيد لشرعيته بعض ما فقدته في أوساط جمهوره، أو أن يُمعن في ما هو فيه فتزيد أزمته استفحالا.

 

كاتب مغربي   

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.