مقاربة أميركية للدرع الصاروخية وإيران

0
121

يهدّد التغيير الدراماتيكي في السياسة الخارجية الأميركية، والذي اقتضى التخلّي عن مشروع الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، بإبعاد الدول الحليفة للولايات المتحدة والتي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق، ولكنه سيرضي روسيا التي عارضت خطط نشر الدرع بشدّة.

فقد تخلى الرئيس الأميركي باراك أوباما عن الخطط بنشر درع صاروخية دفاعية في جمهورية تشيكيا وبولندا وسط أوروبا، واستبدلها بمشروع معدّل بعد إعادة تقويمه للتهديدات الإيرانية. بعدما كانت إدارة الرئيس السابق جورج بوش تخطّط لنشر صواريخ معترضة في بولندا، وقاعدة رادار في تشيكيا بحلول العام 2012.

وكانت الادارة الأميركية السابقة قالت إنها ستنشر الدرع الصاروخية لصد أي تهديد من دول "مارقة" مثل إيران.

ورحّب الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف بالقرار "المسؤول" لنظيره الأميركي، معتبراً أن الظروف باتت مواتية لقيام تعاون ضد الخطر البالستي. برغم أن الناطق باسم الخارجية الروسية نفى التوصّل الى أي اتفاق مع الولايات المتحدة مقابل تخلّيها عن درعها الصاروخي.

ويعتبر أوباما أن "هذه المقاربة الجديدة ستوفّر قدرات بشكل أسرع، وستكون مبنيّة على أنظمة راسخة وتوفّر دفاعات أكبر ضد تهديد أي هجوم صاروخي، مقارنة مع برنامج الدرع الصاروخية الأوروبية" التي تم اقتراحها العام 2007.

ويأتي هذا القرار بعدما قلّلت الولايات المتحدة من أهميّة التهديد بالصواريخ البعيدة المدى التي كان يعتقد أن إيران تمثّله استناداً الى معلومات استخباراتية. كما يستند القرار الى التقدّم في تكنولوجيا الصواريخ الدفاعية الأميركية وخصوصاً الصواريخ المعترضة الأرضية والبحرية.

ويكشف أوباما أن تركيز الإدارة الأميركية الواضح والمتواصل كان على الدوام على "التحدّي الذي يمثّله برنامج إيران للصواريخ البالستية"، وسيبقى هذا التركيز أساس البرنامج الذي تعلنه. غير أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أوضح الخطط الجديدة، وقال إن الصواريخ المعترضة ستنشر في البداية على سفن لتسهيل نقلها من منطقة الى أخرى. ويقدم رؤية لمرحلة أنتشار الصواريخ قائلاً: أن "المرحلة الثانية، التي ستتم تقريباً في العام 2015، ستشتمل على صواريخ "إس إم ـ3" متطوّرة وتنشر على الأرض".

وأضاف أن "المشاورات بدأت مع الحلفاء بدءاً من بولندا وجمهورية تشيكيا حول استضافة نسخة جديدة من صواريخ "إس إم ـ3" الأرضية وغيرها من أجزاء النظام الصاروخي.

وكانت إدارة أوباما أمرت بإجراء مراجعة في وقت سابق من هذا العام، للاتفاقات التي وقّعتها إدارة بوش في آب من العام الماضي، لبناء محطة رادار في تشيكيا ونشر 10 صواريخ معترضة في بولندا. وهذا كان قد أكده رئيس الوزراء التشيكي يان فيشر أن الرئيس الأميركي، أبلغه أن واشنطن عدلت عن مشروع نشر الدرع المضادة للصواريخ في تشيكيا، وأن الرسالة نفسها أبلغت الى بولندا. وتابع قائلاً إن "الرئيس أوباما اتصل بي… ليبلغني أن حكومته تخلّت عن نيّتها بناء قاعدة للرادار على الأراضي التشيكية".

ويذكر أن الولايات المتحدة تستخدم تهديد الدول "المارقة" مثل إيران لتبرير نشر الدرع. إلا أن تلك الخطط أدّت الى اندلاع توتّر بين موسكو وواشنطن دفع موسكو الى توجيه صواريخها البالستية في تشرين الثاني نحو منطقة كاليننغراد في بحر البلطيق.

هذه التحولات التي أسس لها أوباما شكلت أرتياحاً في الجانب الروسي الذي رحّب مسؤولوها بتخلّي الولايات المتحدة عن الدرع الصاروخية. وفي هذا الصدد أعتبر كونستانتين كوساشيف رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الروسي، إن "إدارة أوباما بدأت تفهمنا (…)، لقد انتظرت روسيا هذا منذ وقت طويل".

إلاّ أن خطوة واشنطن تسبّبت بانتقادات واسعة في بولندا وتشيكيا، اللتين كانتا من الكتلة السوفياتية السابقة، إذ إن أهميّة الدرع بالنسبة إليهما تتعدّى التهديد الإيراني. وقد صرّح ميريك توبولانيك الذي كان رئيساً للوزراء عندما وافقت براغ على نشر الدرع على أراضيها، أن القرار الأميركي للتخلّي عن الدرع "ليس بالخبر الجيد بالنسبة الى الدولة التشيكية وحرّيّة واستقلال تشيكيا". أما في بولندا، قال الرئيس السابق الحائز جائزة نوبل للسلام ليخ فاونسا، إن على بولندا إعادة التفكير في علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة. وأكد إنه بعد مراقبتي لسياسة أوباما، كنت "أتوقّع" هذا القرار.

غير أن ألكسندر شيغلو رئيس الأمن القومي في الرئاسة البولندية، رأى أنه "إذا تأكد ذلك، فسيكون بمثابة إخفاق في التفكير البعيد المدى للادارة الأميركية في شأن هذا الجزء من أوروبا". وقال إنه بالنسبة الى بولندا فإن لهذه الدرع أهميّة "سياسية واستراتيجية" وكذلك عسكرية.

ولكن أوباما سعى الى تهدئة مخاوف حلفاء بلاده بالتعهّد بالعمل معهم بشأن هذه الاقتراحات الجديدة، وقال إن قراره سيجعل من دول الحلف الأطلسي أكثر أماناً الآن. وأضاف "لقد تحدّثت الى رئيس وزراء كل من جمهورية تشيكيا وبولندا حول هذا القرار وأعدت تأكيد علاقاتنا العميقة والوثيقة". وقال أوباما في بيان من البيت الأبيض "ببساطة، إن هندستنا الجديدة للدفاع الصاروخي في أوروبا ستوفّر دفاعات أقوى وأسرع وأكثر ذكاء للقوّات الأميركية ولحلفاء أميركا".

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.