مأزق الثورة على الثورة في جمهورية الخميني

0
53

قبل ان يتوجه الى واشنطن للقاء الرئيس السابق جورج بوش، حرص الرئيس العراقي جلال طالباني على زيارة طهران بهدف استكشاف آخر مواقفها السياسية. وقال له مرشد الثورة علي خامنئي "ان كل المشاكل مع الولايات المتحدة قابلة للحل، شرط ان تكف عن التآمر على نظام الجمهورية الاسلامية".

ويستدل من طبيعة المراحل التي قطعتها الثورة الايرانية ان هاجس التآمر الأميركي ظل يهيمن على سياسة مطلقها آية الله الخميني وعلى الاوفياء لخطه العقائدي من امثال مرشد الجمهورية علي خامنئي.

ومع ان الرئيس علي اكبر هاشمي رفسنجاني حاول خلال فترة حكمه ان يدجن متطرفي الثورة ويخضعهم لضوابط المؤسسات الرسمية، الا ان القيادة الجديدة رفضت هذا التوجه، وحجتها ان الثورة تبقى صاحبة رسالة ثقافية ايديولوجية، وان تصالحها مع ماضيها يقودها حتما الى تبرير سلوك الشاه، صديق القوى الامبريالية الغربية. كما يدفعها الى الانحراف عن خطها المستقيم والانجرار وراء تاجر مثل رفسنجاني لقب في اوساط "البازار" بملك الفستق ووكيل السيارات اليابانية.

وكان من المتوقع ان تقود هذه السياسة المتشددة الى تقليد الثورة البولشفية الملحدة، والى استنساخ النموذج الستاليني في عمليات تطهير العناصر الفاسدة وتصفية المنافسين على القيادة. وقد مورست عمليات التطهير في عهد الرئيس محمد خاتمي على نحو غير مألوف، خصوصا ضد الكتاب والصحافيين ودعاة التيار الاصلاحي. وشعر في حينه المرشد علي خامنئي ان احتفالات ايران بالذكرى العشرين لثورتها، ربما تقود البلاد الى انقسام داخلي. والسبب ان التيار الشعبي وفي طليعته طلاب الجامعات، اوصل خاتمي الى الرئاسة بغالبية 70 في المئة من الناخبين. ومن هذا المنطلق حمل خاتمي شعار "الثورة لتطوير الثورة"، مع وعد باخضاع كل المؤسسات بما فيهاولاية الفقيه، لأحكام القانون. كما تعهد بتطبيق برنامجه السياسي وعماده "بناء المجتمع المدني في ايران". كذلك طالب بالانفتاح على المحيط العربي من موقع المصالح المتبادلة لا من موقع تصدير الثورة. وفي الأمم المتحدة طرح شعار "حوار الحضارات" بدلا من "صدام الحضارات" الامر الذي فسرته القيادة الدينية بأنه جسر التواصل مع الشيطان الاكبر، الولايات المتحدة.

وعندما بلغ خط الاصلاح في عهد خاتمي هذه النقطة الخطرة، تدخل المرشد علي خامنئي باعتباره الولي الفقيه ليحرك وسائله الامنية عبر الجيش والحرس الثوري والباسيدج والدرك والاستخبارات. يومها ازدادت موجة الاغتيالات التي طاولت عددا كبيرا من الكتاب والصحافيين ودعاة الديموقراطية والانفتاح على الثقافات الخارجية. وقد استخدم المحافظون المؤسسات التي تخضع لارادتهم من اجل تبرير اعمال العنف، مثل: مجلس الشورى (البرلمان) ومحكمة رجال الدين التي تملك مفاتيح السلطة، ومجلس الخبراء المؤلف من 86 مجتهدا ورجل دين، والذي تشمل صلاحياته مهمة نزع الثقة من ولاية الفقيه.

خشية اختيار غورباتشيوف ايراني قد يدمر كل ما بنته ثورة الخميني، قرر على خامنئي انتقاء رئيس من قادة الحركة الطالبية التي احتلت السفارة الاميركية في طهران واحتجزت ديبلوماسييها لأكثر من سنة. وقد اثبت محمود احمدي نجاد انه الشخص المناسب الذي يطمئن خامنئي الى ادائه، بعكس رفسنجاني وخاتمي اللذين حاولا تعديل النظام بما يلائم طموحاتهما السياسية. خلال ولايته الاولى ركز الرئيس نجاد على توسيع صلاحيات الحرس الثوري واطلاق يده في الشؤون الامنية والسياسية، مقلدا بذلك تنظيم الحرس الثوري في جمهورية كوبا. وبدلا من تعزيز ترسانة الجيش بالصواريخ، حصر نجاد هذا السلاح بترسانة الحرس الثوري الخاضع لسيطرة خامنئي، وتضم هذه الترسانة كمية ضخمة من صواريخ روسية وكورية شمالية ومحلية الصنع بينها: شهاب (1) وشهاب (3) الذي يصل مداه الى ابعد من اسرائيل وشهاب (6) المعد لضرب مدن على سواحل الولايات المتحدة.

عقب الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطهران ذكرت الصحف الغربية ان الضيف الكبير اخرج ايران من عزلتها الدولية وقدم لها صفقة صواريخ كانت بمثابة مكافأة مجزية لقاء تجديد اسطولها الجوي بطائرات روسية حديثة. وعلقت الادارة الاميركية على الزيارة بالقول ان بوتين وعد احمدي نجاد بدعم برنامجه النووي، على رغم تهديد اسرائيل بتدمير المفاعلات. كذلك وعدته القيادة الصينية باستخدام حق الفيتو في مجلس الامن، كثمن لصفقة الغاز والنفط التي قُدرت بـ24 مليار دولار.

وفي مجال التعاون الروسي – الايراني، سلمت موسكو طهران انظمة دفاعات جوية من طراز "ثور – ام" لحماية المواقع الحكومية والعسكرية المهمة في طهران واصفهان وبوشهر حيث كثافة المفاعلات النووية. وبلغت قيمة العقد مليار ونصف المليار دولار. وقد حاولت واشنطن وتل ابيب الضغط على روسيا بهدف وقف تعاونها مع ايران، الامر الذي ادى الى تراجع البنتاغون عن نشر الدرع الصاروخية حول الفضاء الروسي.

في ضوء هذه التطورات السياسية الملائمة لترسيخ دعائم النظام، قامت قيادة الحرس الثورة بعرض مسلح لاختبار قوتها العسكرية من جهة، واخافة الدول الصناعية المعتمدة على نفط الخليج، من جهة اخرى. واستمرت المناورات مدة اسبوعين (ربيع 2006) بمشاركة مئة الف مجند يمثلون مختلف القطاعات. وعقد وزير الخارجية منوشهر متكي في حينه مؤتمراً صحافياً قال فيه ان بلاده ستقفل مضيق هرمز في حال الاعتداء عليها، وان الهدف من المناورات ليس اخافة الدول العربية المجاورة، بل افهام اسرائيل واميركا ان التهديد لا يثني ايران عن نشاطها النووي.

في الرد على تلك المناورات، زعمت واشنطن ان الخيار العسكري ما زال قائماً، وان العمليات قد تتخذ شكل ضربات عنيفة ومركزة ضد اربعين موقعاً استراتيجياً كالعمليات التي تعرضت لها يوغسلافيا السابقة. وذكرت الصحف البريطانية يومها ان ايران اقامت شبكة تجميع معلومات استخبارية في جنوب لبنان لتحديد اهداف في شمال اسرائيل في حال وقوع مواجهة عسكرية بسبب الأزمة النووية. وادعت صحيفة "هآرتس" ان ايران انفقت ملايين الدولارات لدعم صمود "حزب الله" وإعانته على اقامة شبكة من برامج السيطرة ومحطات المراقبة على طول الحدود اللبنانية – الاسرائيلية.

بعد انتخاب باراك اوباما، توقعت طهران ان يكون الحزب الديموقراطي اكثر تفهماً لمطالبها، خصوصاً ان اقتناء السلاح النووي لم يعد حكراً على الدول الكبرى.

واستخدم اوباما لغة الحوار لعله يقنع القيادة الايرانية بأن لغة التهديد باقتلاع اسرائيل من المنطقة، لن تساعد على تمرير مشروع صنع "القنبلة الشيعية". ولكن المنطق الاميركي لم يقنع ايران التي رأت في السلاح النووي لدى اسرائيل والهند وباكستان حجة لاتهام واشنطن بالانحياز ضدها. كما رأت ان استخدام قنابل اختراق العمق والصواريخ الموجهة لن يدمر برنامجها بالكامل لأن المنشآت النووية موزعة على مواقع متباعدة بين ناتانز واراك وبوشهر.

المستشارة الالمانية انغيلا ميركل ورئيس وزراء بريطانيا السابق طوني بلير، حذرا من خطورة المغامرة العسكرية لأن الرد الايراني سيكون قاسياً ومؤثراً على الاقتصاد العالمي. ذلك ان الدولة المستهدفة تُعتبر ثاني اكبر دول مصدرة للغاز الطبيعي، ولديها قدرات صاروخية وقطع بحرية يمكن ان تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتعوِّق وصول النفط الخليجي الى الاسواق العالمية. ومن الطبيعي ان ينتج عن ذلك الارباك ارتفاع اسعار النفط بشكل جنوني، خصوصاً اذا نجحت القوات الايرانية في بسط سيطرتها على انابيب نقل النفط من بحر قزوين. وتتوقع الدول الغربية ان تستخدم ايران صواريخ من طراز "سجيل – 2" و"شهاب – 3" لضرب اسرائيل وأجزاء من اوروبا. تعاونها في هذا المجال صواريخ ترسانة "حزب الله" الموجهة نحو مصانع الاسلحة الاسرائيلية ومفاعل "ديمونا".

يقول المعلقون ان المرشد علي خامنئي فقَد دور الحكم العادل المتوازن عندما اعرب عن انحيازه المطلق لمصلحة مرشحه المفضل محمود احمدي نجاد في الانتخابات الاخيرة. وبدلاً من ان يوافق على إعادة الانتخاب في بعض المناطق المشكوك بنتائجها، حسم الجدل بإعلان فوز نجاد الذي قبّل يده شاكراً امام عدسات المصورين.

وبسبب تظاهرات الاحتجاج التي استقطبتها حركة زعيم المعارضة مير حسين موسوي، ازدادت قوة المواجهة بين النظام ومعارضيه، الأمر الذي دفع خامنئي الى استنفار "الحرس الثوري" في طهران وسائر المدن المضطربة. ومع دخول الرئيسين السابقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي حلبة النزاع، اتسعت شقة الخلاف بين قادة النظام وحركة الاصلاحيين على نحو لم تشهده البلاد منذ 1979. وأمام تنامي موجة الاعتراض، شعر الرئيس نجاد بالحاجة السياسية الى توظيف العداء الخارجي من اجل تقوية مركزه الداخلي. لذلك أمر باجراء اختبار جديد للصاروخ الباليستي "سجيل – 2" على امل تهدئة الشارع الصاخب بحجة ان النظام يستعد لمحاربة اسرائيل ومقاومة العقوبات الدولية. ولما فشلت هذه المحاولة في لجم المتظاهرين، استغلت السلطة أحداث عاشوراء هذه السنة لتهاجم زعماء المعارضة لأنهم ينفذون سيناريو صهيونياً – اميركياً. وعليه طالبت بإعدامهم لكونهم "اعداء الله".

في جولته الاخيرة على محافظة "فارس"، حاول الرئيس نجاد إحياء المشاعر القومية الفارسية بغرض استمالة الشبان الذين يشكلون ثلثي المجتمع. ووعدهم في خطابه بنشر نظام الجمهورية الاسلامية كبديل من النظامين المنهارين في الاتحاد السوفياتي الشيوعي والغرب الرأسمالي. وقال "ان الجمهورية الاسلامية هي اهم دولة في الشرق الاوسط والعالم، وان الشعب الايراني يًعتبر مصدر الهام للعالم".

يُجمع المراقبون على القول ان ثورة الاصلاحيين على الثورة ستدفع قادة النظام الايراني على انتقاء حلين لا ثالث لهما: إما التراجع عن استخدام القوة وإجراء مصالحة وطنية مع زعماء المعارضة، وإما مواصلة المواجهة والعنف ولو ادى ذلك الى ملء السجون وتوسيع القبور. ومعنى هذا ان الحل الاول سيقود الى إضعاف النظام سياسياً… بينما يقود الحل الثاني الى ظهور ديكتاتورية سافرة ترفض التعددية ولو استظل دعاتها مظلة الدين والديموقراطية. وعندما تصل الحال الى هذا المأزق، يكون "الحرس الثوري" قد وضع يده على مصير البلاد والعباد، تماماً مثلما فعلت حركة التطهير في روسيا عقب وفاة لينين واستلام ستالين زمام السلطة المطلقة. عندها فقط يبدأ تآكل النظام من الداخل. وهذا ما يربك الولي الفقيه ويشغل السلطة بمضايقات المعارضة، الأمر الذي يشل نشاطها الخارجي في الخليج ومصر ولبنان وغزة واليمن والصومال وبلدان آسيا الوسطى.

هذا الأسبوع اكتشفت ايران في تصريح وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ثغرة يمكنها التسلل عبرها الى ساحة الحوار حول برنامجها النووي. وكانت كلينتون اعلنت عدم تحديد مهلة نهائية لمساعدة طهرات على الخروج من الزاوية التي حشرت نفسها بها. ومن اجل تبرير استدارتها السياسية، اعلن قائد الحرس الثوري الأميرال مرتضى صفاري ان قواته ستجري مطلع الشهر المقبل مناورات بحرية ضخمة في مضيق هرمز. والمؤكد ان النظام بدأ يشعر بدنو الحصار الاخير بواسطة العقوبات الدولية، وأن مناورات 2010 ليست اكثر من نسخة جديدة عن مناورات 2006 بهدف اخافة الدول الكبرى من عواقب عملها.

وفي رأي الدول العربية، ان مناورات الشهر المقبل ليست اكثر من قنابل دخان تخفي تحتها قرار تسوية الملف النووي. والمؤسف ان ثمن هذا القرار ربما يقابل بالصمت الدولي على سحق المعارضة الداخلية مثلما حدث في غالبية دول العالم الثالث!

 

 

(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.