شؤون الأقليّات وسواها

0
83

اليوم تنفجر أحداث عنف طائفيّ في مصر، وبالأمس انفجرت أحداث عنف طائفيّ في العراق، وأمس الأوّل اندلعت أحداث عنف طائفيّ في باكستان. الأخبار الأخرى تتحدّث عن احتمالات تفكّك السودان إثنيّاً وطائفيّاً بعد الاستفتاء الوشيك، وعن مخاطر تفكّك اليمن، وفي ذلك عنصر طائفيّ أيضاً. أمّا مسيحيّو لبنان فجدّدوا اكتشاف ذميّتهم وهم يتلقّون النصائح التي تعرّف المسيحيّ الجيّد والمسيحيّ السيّء. هذا فيما حروب التكفير وفتاواه تشتعل على الجبهات كلها.

 

لا داعي للإكثار من الشواهد التي تدلّ إلى أنّ المسألة ليست «أحداث عنف طائفيّ». إنّها أزمة عميقة تضرب العالم الإسلاميّ ليس صعود «القاعدة» غير وجه آخر من وجوهها. فـ»الآخر»، أيّ آخر، غير مقبول ممن هو «آخر» له. لكنّ رافضي هذا الواقع يميلون إلى أخذه بالتجزئة والتقسيط بدل أن يواجهوه بالشجاعة التي لا تزال غائبة.

 

فالمسألة لا نزال، تهذيباً جباناً أو تحايلاً على الحقيقة، نسمّيها نتيجة افتقارنا إلى الدولة أو إلى الحداثة أو إلى التنوير أو إلى التسامح أو إلى العلمنة، كما نردّها إلى الاستبداد والرقابات والكبت الذي ينجم عن هذا وعن تلك. كلّ ذلك صحيح، لكنّه يتهرّب من وضع اليد على الأصول مؤثراً وضعها على الفروع والنتائج.

 

والموضوع الفعليّ أنّنا في مشكلة مع الطرف الذي ينتج هذه القيم وتلك المؤسّسات، من الدولة والديموقراطيّة والعلمنة إلى الحداثة والتنوير والتسامح ومكافحة الاستبداد، أي أنّنا في مشكلة مع الغرب. والمشكلة المذكورة أوغلنا في شقّها السياسيّ وذهبنا بعيداً جدّاً بحيث لم يبق متّسع لقبول الغرب الثقافيّ، فيما الذين يسايرون الغرب سياسيّاً يبالغون في العداء الثقافيّ له نزولاً عند رغبات شعوبنا. لهذا فحين يزايد «معتدل» على «متطرّف» نراه يزايد على الأرضيّة ذاتها: واحد منحاز للمقاومة وآخر منحاز لمقاومة أجدى، وواحد يريد تحرير القدس الآن وآخر يريد تحرير فلسطين كلّها الآن. فكلّ واحد فينا أكثر عداء من الآخر لـ»التغريب» وأشدّ منه تمسّكاً بالموروث «الأصيل».

 

هذه العقليّة التي تستجدي الصراع أو تستدرجه هي المسؤولة الأمّ عن تعفّن أنسجتنا الوطنيّة، لأنّها هي ولاّدة الافتقار إلى الدولة والديموقراطيّة والحداثة والعلمنة وسوى ذلك.

 

وليس قليل الدلالة أن أوضاع الأقليّات ومثلها أوضاع حقوق الإنسان ساحات معركة متّصلة بينـ»نا» جميعاً وبين الغرب.

 

إنّ الحفاظ على الأقليّات يبدأ بمبارحة العداء للغرب. فمصلحتنا تقتضي تبريد جبهات المواجهة وتغيير الطريقة التي نبوّب فيها همومنا. وهذا يعني تحديداً نزع الأولويّة عن الصراعات الموصوفة بالمصيريّة، وإعطاء الأولويّة للقيم والمؤسّسات التي تعلّمناها من الغرب، والتي راحت تضمر وتتراجع منذ نيل الاستقلالات: بناء الأوطان، التعدّد، التسامح، احترام الأقليّات، الديموقراطيّة، العلمنة إلخ.

 

إنّنا اليوم مثل راغب في إحراق المتجر الذي لا توجد أدويته إلاّ فيه وحده.

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.