أي أوباما بعد ديترويت؟

    0
    70

    تكاد تسمع صرخة اليأس ترتفع من صوت باراك أوباما وهو يلقي خطابه الأخير، الذي عرض فيه مواقع الفشل التي منعت أجهزة الأمن والاستخبارات الأميركية من كشف خطة تنظيم «القاعدة» لتفجير الطائرة الأميركية. قال: لقد سعينا الى بدايات جديدة مع المجتمعات المسلمة حول العالم، لنتفاعل معها على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، ولنعمل معها على تحقيق طموحاتها. وكأنه يضيف: هل أستحق أنا باراك أوباما أن يردوا لي الجميل هكذا؟ لست جورج بوش. حاولت فتح صفحة جديدة، من إغلاق غوانتانامو الى وقف استخدام شعار «الحرب على الإرهاب» الذي كان شعار الإدارة السابقة. خضت معركتي ضد بوش على قاعدة التغيير في الداخل والخارج. أقسمت اليمين باسم «باراك حسين أوباما»، وأخذ ذلك عليّ كثير من الأميركيين ومن حزبي الديموقراطي ايضاً. ومع ذلك، ها هي حرب الطائرات تواجهني أنا ايضاً، وتسعى الى تحويل عهدي من عهد الانفتاح وإنهاء الصراعات والحروب الدينية الى عهد يعود فيه الخوف وهاجس الأمن الى المرتبة الأولى!

     

    لم تكن ضربة «القاعدة» التي كان مفترضاً أن تدمّر الطائرة في مطار ديترويت موجهة ضد ركاب هذه الطائرة او ضد المواطن الأميركي فقط. كان هدفها باراك أوباما نفسه وكل الشعارات التي أطلقها، والتي رد قادة هذا التنظيم وغيرهم من قادة الحركات الإسلامية المتشددة أنها شعارات جوفاء. كان المناخ الذي أطلقه أوباما مناخاً غير مؤات لأفكارهم. لأنه مناخ كان مقدراً له ان يقطع الطريق على موجات التعصب التي ضربت العلاقات الدولية وعلاقات الغرب مع العالم الإسلامي منذ ذلك اليوم المشؤوم في 11 سبتمبر. لكن «القاعدة» ومن يصفقون لها وجدوا ان الاستثمار في مناخ كهذا سيكون صعباً عليهم، وستنضب في ظله منابع تجنيد الانتحاريين الذين يشكلون الوقود اللازم لعملياتهم.

     

    كانت ضربة «القاعدة» موجهة ايضاً ضد كل مواطن عربي أو مسلم او أي شخص تثير سحنته السمراء ردود فعل الاشتباه خلف نوافذ الأمن في المطارات الدولية. مواطنو الدول الأربع عشرة الذين اعلنت ادارة أوباما أنهم سيخضعون لتشدد اكبر معهم اثناء القيام بتفتيشهم عند دخولهم الحدود الأميركية أو عبورهم مطاراتها. هؤلاء أيضاً هم ضحايا ارهاب «القاعدة» وهم الذين سيدفعون ثمن الإجراءات الجديدة التي ستتخذها السلطات الأميركية، وربما غيرها حول العالم ايضاً، في اعقاب المحاولة الأخيرة.

     

    هذا بالضبط ما تريده «القاعدة»، وبهذا المعنى فقد انتصرت من دون ان تقتل حتى راكباً واحداً. انتصرت بإعادتنا الى حيث كنا في عهد بوش. أجواء المخاوف الأمنية عادت تلقي الذعر من جديد، ليس فقط بين المسؤولين عن الأمن والمكلفين منح تأشيرات الدخول الى الدول الغربية، بل ايضاً بين المواطنين العاديين في هذه الدول، والذين تشكل ردود أفعالهم عادة الميزان الذي تقيس به السلطات إجراءاتها.

     

    من حق أوباما ان يدعو الأميركيين الى عدم الخضوع لما سماه «حالة الحصار» التي تقفل أبواب المجتمعات المنفتحة ونوافذ الحريات والقيم السائدة في العالم الغربي. لكن تشديد الإجراءات التي طالب بها، والتي كان لا مفر منها، سوف تؤدي تلقائياً الى حالة الحصار هذه، سواء من جانب المواطن الأميركي العادي الذي سوف يشعر ان إغلاق أبواب حدوده هو السبيل الأفضل لحمايته، او من جانب زوار أميركا المشتبه بهم، والذي سيتم التعامل مع كل منهم كعدو محتمل، مهما كانت نواياه او اهداف زيارته بريئة.

     

    ومن حق أوباما ايضاً ان يدعو المسلمين، كما فعل في خطابه اول امس، الى اعلان براءتهم من افكار «القاعدة» التي لا تقدم لهم سوى «رؤية مفلسة مليئة بالبؤس والموت»، على حد وصفه. ولكن هل المسلمون مسؤولون جميعاً عن ارهاب «القاعدة» لتتم محاسبتهم جميعاً على نواياها؟ أليس وضعهم جميعاً في سلة واحدة شبيهاً بتقسيم العالم الى أخيار وأشرار، على طريقة جورج بوش؟

     

    هنا يقع المأزق الذي يواجه اوباما: كيف يمكنه التوفيق بين حماية امن اميركا بإجراءات تستهدف مواطنين اكثرهم من دول عربية ومسلمة، وبين السعي الى «البدايات الجديدة» التي تحدث عنها، مع هذه المجتمعات؟

    "الحياة"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.