شعوب تنتظر الآلية

    0
    61

    غسان شربل

     

    اطل جاري البريطاني على الشارع وفتح يديه على شكل سؤال. كان وجهه مكفهراً ومتوتراً. وجاري مواطن صالح. لا يطلق النار في الأعياد الوطنية او الحزبية. او اذا اطل زعيم حزب المحافظين على الشاشة. ومن عادته ان يستأذن سكان الحي اذا أقام عشاء لأصدقائه وتخوف أن تبلغ الموسيقى مسامع القاطنين في البيوت المجاورة.

     

    خشيت ان يكون تبلغ في الليل نبأ مؤسفاً. او ان يكون سرح من عمله تحت وطأة الأزمة المالية. قلت: اسأله عن السبب من باب اللياقة لا الحشرية. وكانت المفاجأة انه ناقم على حكومة غوردون براون لأنها لم تتحرك سريعاً لمواجهة موجة الثلوج التي تضرب بريطانيا. وعلى عادة الوافدين من الشرق الاوسط قلت: اهون عليه. لفته الى مشكلة التغيير المناخي والتبدلات السريعة في الطقس. وقلت ان الحكومة قد تكون فوجئت ولم تتمكن من جمع الكميات الكافية من الملح والحصى لضمان إبقاء الطرق سالكة.

     

    قال ديفيد إن الأرصاد الجوية تحدثت عن عاصفة ثلجية مقتربة. وإن من واجب الحكومة توفير مستلزمات مواجهتها. وإن التقصير يعني عدم تجنيب الناس معاناة صعبة. وإن إغلاق المؤسسات وتعذر الوصول الى المكاتب يعني إهدار ملايين ساعات العمل. لا يحق للحكومة التسبب في إهدار وقت المواطنين. ولهذا الأمر ثمن اقتصادي باهظ سيضطر المواطن الى دفعه لاحقاً. وقال إنه كتب الى نائب المنطقة وطالبه بالتحرك لمحاسبة المقصرين. وإنه لن يقترع له في الانتخابات المقبلة ان لم يفعل.

     

    عدت الى البيت كاتماً ضحكة راودتني. لا يحق للحكومة إضاعة وقت المواطنين. قال. مسكين ديفيد. لجأت الى التلفزيون. وقلت اتفقد احوال الجمهورية الضائعة بين اتفاق الطائف واتفاق الدوحة. سمعت السيد النائب يقول إنه لا يجوز سلق التعيينات الإدارية. وإنه لا بد أولاً من الاتفاق على آلية التعيينات. ولا ضير إنْ استلزم البحث عن الآلية بعض الوقت. لأن مقاربة التعيينات من دون الاتفاق على الآلية ستدخلنا في اشتباك يصعب التكهن بنتائجه. وستسمم المناخ الذي تحسن بفضل آلية المصالحات الوطنية. وإن غياب الآلية سيطلق امواجاً من الشراهة غير مسبوقة. وسيؤدي الى تجاذبات طائفية وعنعنات مذهبية وتوترات داخل الطوائف والمذاهب بين قدامى البارونات ومن اقتحموا النادي حديثاً.

     

    منذ اسابيع أهاجر بين المحطات وتستقبلني المعزوفة نفسها. معالجة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات يحتاج الى آلية. طاولة الحوار الوطني ستنشغل بالعثور على آلية لبلورة استراتيجية دفاعية. التعايش مع سلاح المقاومة يحتاج الى آلية. وحل ازمة السير مرهون بالتوصل الى آلية. وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية يحتاج الى الأمر نفسه. والوقت يضيع. والبلاد تضيع.

     

    تجنيب اليمن خطر التفكك يحتاج الى جملة آليات. واحدة لمواجهة «القاعدة». وثانية لمواجهة تمرد الحوثيين. وثالثة لمحاورة دعاة الطلاق في الجنوب. والسودان يحتاج الى جملة آليات. واحدة في دارفور. واخرى لإقناع الجنوبيين بالبقاء داخل البيت السوداني. وثالثة لمنع أقاليم اخرى من الانزلاق نحو خيارات خطيرة. الصوماليون يتحرقون شوقاً لاستعادة دولتهم ووحدتهم لكن الخلاف على الآلية. و»فتح» و»حماس» تنقبان عن الوحدة الوطنية لكن الشيطان يكمن في الآلية. التعايش يحتاج الى آلية. وتنظيم الطلاق كذلك. ومثلهما الحرب الأهلية. والخيارات الانتحارية. وهذا يصدق ايضاً على البحث عن التضامن العربي. وترتيب البيت العربي. كله يحتاج الى آلية. والآلية ضائعة كأعمار المواطنين.

     

    من حق ديفيد ان يغضب. لا تستطيع حكومة بلاده التذرع بالبحث عن آلية. اما نحن أبناء هذا الجزء المنكوب من العالم فلا عزاء لنا. مجتمعاتنا تتمزق. دولنا تتفكك. مؤسساتنا تتآكل. اقتصادنا ينهار. جامعاتنا فضيحة. نقف عراة امام العالم ولا نملك غير لعبة البحث عن آلية وسط الدول الفاشلة والأعمار المهدورة والبلدان المهدورة.

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.