افتتاحية جريدة الوحدة:عام آخر من المعاناة، وآمــال تتجدد كل عــام.

0
103

كأن الوقت يمر ببطء، والحياة تسير بصعوبة، في المناطق الكردية.. ويمضي عام 2009 كغيره من الأعوام تاركاً وراءه ندوباً جديدة على جسد مجتمعنا المتهالك بفعل التناوب بين شراسة السياسات الشوفينية، وقساوة الطبيعة.

 

فالتطبيقات المؤلمة للمشاريع تفاقمت آثارها، والمراسيم العنصرية وجدت تعبيراتها الفاضحة هذا العام، لتطيح بأبسط متطلبات العيش الكريم بالنسبة لسكان هذه المناطق، التي تتحكم سياسة الاستبداد، تحت غطاء التميز القومي، بكل شؤونها، حيث تكاد أبواب دوائر الدولة ومؤسّسات القطاع العام، تكون مغلقة في وجه طالبي التوظيف من المواطنين الكرد، الذين يضيفون، كل عام، طوابير جديدة إلى قافلة العاطلين، الذين يبحثون عن فرص عمل، ويلهثون وراء لقمة العيش، سواء في ضواحي دمشق المحفوفة بمخاطر الانحراف وبآلام الانسلاخ، أو إلى أوروبا، وما يتعرضون فيها لحالات الضياع والاغتراب، أو إلى دول الجوار، وما تنتظرهم من ملاحقات وتحقيقات على طريق العودة.. وتتحول هذه الهجرة الاضطرارية إلى هاجس يسكن آلاف العوائل المهدّدة بالتفكك، لأن آلاف الآباء يتركون ورائهم أطفالا تلتهمهم عذابات الحاجة وآلام الحرمان. وعندما تكون هذه الهجرة إلى المجهول الأوروبي فإنها، أي تلك العائلات، تبيع كل ما تملك لإرضاء المهربين الذين يغامرون بحياة هؤلاء التائهين الذين يحرقون مراكب العودة إلى الوطن، بعد

أن فقدوا إحساسهم بالانتماء له، وطحنتهم عجلات العــالم الجديد، الذي يمنحهم، مع عمـــليات الصهر والاحتواء، جنسية بلدانه خلال وقت قصير، ليشكل ذلك مفارقة عجيبة، تدعو للاستغراب والمقارنة، بين وطن تركوا فيه ملاعب الطفولة، وموطن احتضنهم بلا تاريخ وذاكرة، يجدون فيه سبل العيش.

وفي الوطن الأم تتوالى الأعوام على الرابضين في ديارهم، حباً بها، أو عجزاً عن الرحيل. ويتعمق الشعور بالاغتراب والمعاناة المريرة، لكن تظل فيه آمال تنتظر التحقيق، ويظل شعبنا الكردي، القابض على الجمر، موعوداً بحياة أفضل بعيداً عن القهر والظلم والاضطهاد، مثلما يظل شعبنا السوري عموماً يحلم بالتغيير الديمقراطي، ويتطلع إلى يوم تعبّر فيه صناديق الاقتراع الحر والمباشر عن إرادته، وتعلو مصلحة الوطن فوق أي اعتبار، ويستعيد الجميع إحساسه بالانتماء له، ويتجدد إيمانه بضرورات التضحية في سبيل سيادته ومواجهة كل التحديات في الداخل والخارج من أجل صيانة استقلاله، لكي يبقى وطنهم عزيزاً، يكبر به أهله على اختلاف مناطقهم الجغرافية ومنابتهم الاجتماعية وانتماءاتهم الدينية والقومية، ويتابعوا فيه طريقهم الطويل نحو البناء، مهتدين بشرعية حقوق الإنسان دليلاً لهم من أجل تحقيق أهداف التغيير الديمقراطي السلمي، الذي يراهن عليه شعبنا لإيجاد حل عادل لقضيته الوطنية، التي تتطلب أيضا انخراط الحركة الكردية في النضال الديمقراطي العام لتسهم بفعالية في التصدي لمهامها الوطنية، وتطل منه كشريك وطني تؤكّد من خلاله بأن الشعب الكردي في سوريا لا يشكل حالة طارئة، وأن قضيته لا تستمد شرعيتها فقط من عدالتها، بل كذلك من قدرتها على توحيد مواقف أطرافها، وعلى التمييز بين ما هو حق وعادل وما هو ممكن وقابل للتحقيق، وذلك في إطار الاعتراف المتبادل بحقيقة الشراكة الوطنية بين العرب والكرد والأقليات القومية القادرة على التعايش المشترك، والمتفهمة لعدالة القضية الكردية، باعتبارها إحدى المقاييس الأساسية الدالة على جدية الممارسة الديمقراطية لأي طرف أو نظام.. وبالمقابل فإن ما تقدّم يستوجب تفعيل الخيارات الممكنة من جانب الحركة الكردية المطالبة كذلك بإرادة سياسة صلبة وواقعية، وبقدرة كبيرة على التوحّد والالتقاء، وعلى إدارة الإمكانات الذاتية المتوفرة بشكل منظم، والتعامل مع الواقع كما هو، لا كما تتخيلها الايديولوجيات السياسية، أو الشعارات المسلوخة عن الواقع، وتنظيم قدراتها من خلال البحث عن أشكال متقدمة من الآليات الكفيلة بالاستخدام الأمثل، ورفد النضال الديمقراطي العام القادر على بناء وطن لا مكان فيه للظلم، ونظام قائم على العدل والديمقراطية، ينهي معاناة شعبنا من الاضطهاد والتمييز والحرمان.

وإلى ذلك الحين، ليس أمامنا سوى مواصلة النضال بانتظار عام جديد نحتفل فيه جميعاً بالمساواة والكرامة الوطنية، وتدخل عنده سنوات القهر تاريخ النسيان. فالمستقبل لن يكون لسياسات الاستعلاء والتمييز.

 

*-(yekiti) العدد 197

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.