إيران والتغيير من داخل النظام

0
124

في إحدى الحلقات البحثية حول تطور المجتمعات المدنية العربية اعتبرت إحدى الزميلات من إيران أنني أميل للتحليل الثقافي في طرح فرضية «قابلية» المجتمع الإيراني للتغيير وللإصلاح وللتحول الديمقراطي بشكل أكبر بالمقارنة مع المجتمعات العربية الخاضعة لأنظمة الحكم الشمولي على مختلف أشكالها.

 

وفى مسار دفاعي حينذاك أمام هذه «التهمة» العلمية التي أنفيها قلبا وقالبا، توقفت أمام التجربة الإيرانية منذ بدايات القرن العشرين والتي عرفت فيها إيران دفقا من الأفكار الإصلاحية والتنويرية تمخضت عنها كتابات الإمام النائينى، التي دحضت أسس الاستبداد السلطوي والديني وترابطهما العضوي في بعض بقاع العالم الإسلامي إن لم يكن في مجملها، وما أتى بعدها في 1905 من ثورة الدستور (ما يسمى بثورة المشروطة)، والتي أسست لتيارات دينية ويسارية فاعلة في المجتمع الإيراني وضعت أسس الدور المحوري للحركات الاحتجاجية على مختلف ألوانها في إنجاح صعود حكومة محمد مصدق التقدمية إلى السلطة بالطرق الديمقراطية، والتي ما لبثت مخابرات واشنطن ولندن أن ساعدت الشاه على إجهاضها خصوصا بعد تأميم النفط واستثماره من قبلها. أعمل الشاه قمعه المدعوم من القوى الغربية في أوساط المجتمع الإيراني طوال عشرات السنين، لكن ذلك لم يمنع من نمو الأفكار الاحتجاجية يسارا ودينا، فطورت الحركات السياسية الشيوعية من طبيعة نشاطاتها وعلى رأسها حزب توده الشيوعي، وكذلك، ازداد تأثير رجال الدين في جموع العامة المتعطشة إلى التغيير والتخلص من الحرمان والقمع، وكان الشعار السائد حينها هو الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية. ولقد تعاملت سلطات الشاه مع هذه الحركات الاحتجاجية بسلاحين فعالين تستعملهما بعض الأنظمة العربية حتى يومنا هذا وهما القمع حتى الثمالة والدعم الغربي غير المشروط، والذي يحمل عباءة حقوق الإنسان ولكنه يخفى رغبة أصيلة في استقرار الحلفاء مهما تعنتوا في قبول التغيير والإصلاح ومهما عاثوا فسادا وقمعا ما داموا قادرين على الحفاظ سياسيا واقتصاديا على مصالح حماتهم الديمقراطيين.

 

ولقد نجحت الثورة الإيرانية في إسقاط الشاه لتقاطع عدة أسباب من أهمها تخل جزئي عن الحماية العمياء له من قبل الغرب إضافة إلى وجود قيادات كاريزمية للتحركات الاحتجاجية استطاعت بلورة مسار واضح للتغيير إضافة إلى لعب العامل الديني دوره في تحفيز بعض الهمم التي يرتبط وعيها بالخطاب الديني، وكذلك، دور أساسي ومهم لعبه اليسار الإيراني في أوساط العمال والطبقة الوسطي، وتراجع تجار البازار عن دعمهم الأعمى لسلطة الشاه وربما لإحساسهم بدنو أجله ورغبتهم في الحفاظ على مصالحهم بركوب الموجة المقبلة، وعوامل عديدة أخرى أدت كلها في النهاية إلى عودة الإمام الخميني بعد منفاه الكسرى في فرنسا وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

ولم تلبث هذه الثورة بأن بدأت في قتل أبنائها انطلاقا من تصفية الحزب الشيوعي، والانفراد بالسلطة السياسية المستندة إلى الشرعية الدينية، وتعميق مقولة ولاية الفقيه على الرغم من معارضة جزء لا بأس به من الأئمة لهذه الولاية ولكن الجناح المتشدد هو الذي فرض نفسه، وأما الجناح النقدي، وأقصد من رجال الدين، فقد احتفظ بالهامش الفعّال ولم ينكفئ تماما عن الإنتاج الفقهي مما أتاح وجود صوت موازٍ لم ينقطع يوما عن الاجتهاد.

 

ومن هذا المخاض كله، حفلت التسعينيات من القرن الماضي بحراك اجتماعي لا مثيل له في الدول العربية المجاورة أو حتى البعيدة، وامتلأت الصحف بالتيارات كافة نسبيا مع قيود اشتدت لفترات وتهاونت لأخرى، وأنتجت السينما الإيرانية أعظم أفلامها في ظل «الجمهورية الإسلامية» وكانت غالبيتها تعبيرا عن المعارضة الهادئة، والتي قدمت للعالم صورة غنية عن مجتمع غنى ثقافيا وروحيا بعيدا عن الصور النمطية، التي ساهم بعض الملالى في ترويجها. إن الذي يقرأ ما احتوته الصحافة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة ويشاهد ما عرضته أو لم تعرضه صالاتها من فن بصري، ويجتمع بباحثيها المنهمكين في مجال العلوم الاجتماعية، لا يمكن له إلا أن يذهب بالمقارنة إلى الدول العربية وحال الصحافة في مجملها والفقر البصري في منتجها السينمائي، وقحط البحث بالمجمل وفى العلوم الاجتماعية بالتحديد. لكن الحياة ليست وردية كما يقول الفرنسيون، بل ساهم أفول التوجه الإصلاحي المتردد من على قمة الهرم السياسي بعد انتخاب الرئيس أحمدا نجاد في تطور الممارسات الزجرية والقمعية تجاه المعارضة الوطنية وإصلاحيا النظام نفسه. وأثبتت «الثورة» الخضراء، والتي يسمها الإيرانيون الآن «قوس قزح» لشمولها على تيارات سياسية وإيديولوجية مختلفة، أن الإصلاح بات أمرا ملحا ولن تسكت هذه الجموع التي قامت بثورتين في تاريخها الحديث على الأقل عن القيام «بثورة» ثالثة تعيد ما ضاع من أحلامها مع تطور التيولوجيا السياسية سلبا وعلى العكس من الآمال، التي ساعدتها في الوصول إلى السلطة. وبالطبع فالمعارضة الإصلاحية ليست في أفضل حالاتها، فهي تفتقد إلى التنظيم وإلى القيادة الكاريزمية على الرغم من بعض الرموز ككروبي وموسى وخاتمي. ويبدو بالمقابل، أن تواصلهم مع القواعد الشعبية ليس كافيا ليشكلوا أملا قياديا بديلا. وفى تطور جدير بالاهتمام، وهو بنظري يعتبر الأخطر بالنسبة لقيادات سياسية لا تعي مصالح مواطنيها، تمثّل بانضمام بعض المجموعات العمالية إلى الحركات الاحتجاجية من خلال شعارات مطالبية وليست سياسية تأتى لتعطى بعدا اقتصاديا واجتماعيا إلى جانب البعد السياسي مما يجعل من هذا الحراك شاملا.

 

إن التغيير في إيران سيعتمد على عناصر النظام ذاته ولن يكون من خارجه، وذلك لما للثورة الإيرانية من شرعية حتى إشعار آخر رغم انحرافاتها وإقصائيتها وقتلها لأبنائها. وفى هذه السياق، وفى أبريل الماضي، أتاحت لي إحدى الندوات التعرف على نائب رئيس الجمهورية السابق السيد محمد على الأبطحى، والذي كان يفيض ودا وابتساما وإيجابية خلال حوار لم يكن بالسهل، وقد دافع عن الثورة وإسلاميتها أمام بعض الانتقادات التي أشارت عن حق إلى قيام هذه الثورة بخيانة بعض من دعاماتها وبعض من مبادئها. وها هو السيد الأبطحى الدمث يدفع ثمنا غاليا لانتمائه إلى التفاؤل ويحاكم بصورة مهينة ويدفع إلى التصريح بما لا يعتقد به أمام محكمة صورية تذكر بالمحاكم الستالينية. وبالتالي تتم إضافته إلى قائمة طويلة من ضحايا الثورة، الذين كانوا في صلب شرعيتها. ولكن يبقى ضمن السلطة الحالية إصلاحيون وحتى في الإطار المحافظ هناك إصلاحيون نسبيون، وفى القوات المسلحة هناك نوع من التذمر المحدود ولكن ذي الدلالات. وأهم ما يساعد التغيير في إيران، هو عدم الرهان على التدخل الخارجي وهو الموجود فعلا لدى فئة محدودة تعمل على دعمها بشكل يسيء إليها وإلى كل معارضة وطنية حتما، قوى أجنبية خصوصا بريطانية وأميركية. ولكن ما شهدته طهران من احتجاجات، وكذا المدن الأخرى، هو تعبير داخلي عن تأجج التذمر والذي تقوده إن صح التعبير جهات داخلية لا تهدف إلى قلب النظام حتى إشعار آخر، بل إلى إصلاحه وفرض منطق دولة القانون والتداول على السلطة في إطار ممارسة العملية الديمقراطية دون اللجوء إلى تزوير الانتخابات. إنه تغيير من الداخل ومن لدن المنظومة التي شاركت، بل أسست للثورة، وقادت حراكها الاحتجاجي. وهنا ترد إلى الذهن عبارة الإمام الخميني أمام صحفي فرنسي قبل أن يعود إلى طهران ليقود الثورة وجوابا على سؤال حول طبيعة النظام الإيراني، الذي سيلي إسقاط الشاه، إذ لم يتردد الإمام الراحل من القول بأنه «سيكون كما في فرنسا»! لكن النتيجة اليوم لا تبعث على تأكيد هذا الحلم من الجانب الحاكم، ولكن المجتمع يتحرك وينشط ويجرئ ويتظاهر ويتذمر، وكلها إشارات إيجابية خصوصا أن ترافقت برغبات سلمية وإصلاحية لدى البعض من العقلاء في قمة الهرم.

 

يا صديقتي، ثقي بأنكم السابقون ونحن، ربما… اللاحقون والمتأخرون دائما

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.