إيران 2010: ليست أزمة نظام بعد

0
76

عاشت إيران أياماً ساخنة مع نهاية 2009 حيث تكررت التظاهرات التي أعقبت انتخابات الرئاسة في حزيران 2009 مرة أخرى في المدن الإيرانية الكبرى طهران وأصفهان وتبريز وشيراز وزنجان، والتي تزامنت مع مناسبة تشييع المرجع الديني الإيراني آية الله حسين علي منتظري المعارض للحكومة، ومع مناسبة تاسوعاء وعاشوراء، أي التاسع والعاشر من شهر محرم وهي ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي ثالث الأئمة عند المسلمين الشيعة.

اندلعت التظاهرات المعارضة للحكومة والمؤيدة للتيار الإصلاحي بقيادة مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي، فجددت حيوية المجتمع الإيراني وأظهرت تناقضاته في آنٍ واحد. وإذ نظمت الحكومة الإيرانية تظاهرات ضخمة هي الأخرى لإظهار مدى التأييد الشعبي لها، فقد بدا المشهد السياسي الإيراني ساخناً ومفتوحاً على احتمالات عدة. وبالتوازي مع التظاهرات الساخنة والحراك الواضح الذي يشهده المجتمع الإيراني فقد انتهت المهلة الزمنية التي حددها الرئيس الأميركي باراك أوباما لإيران كي تقبل العرض الغربي بمبادلة الوقود النووي خارج أراضيها، وإيران لم تقبل العرض – ولا تستطيع قبوله في الواقع؛ وبالتالي فقد أصبحت الأبواب مشرّعة على جولة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران في الشهور القليلة المقبلة. وضع هذان التطوران الداخلي والخارجي النظام السياسي الإيراني في موقف صعب مع نهاية العام، وبشكل جعل إيران تدخل العام الجديد وهي في بؤرة المشهدين الإقليمي والدولي ومن المرجح أن تبقى في هذه البؤرة حتى نهاية العام على الأقل.

يريد الغرب انتزاع تنازلات من طهران بخصوص حقوقها النووية وسلوكها الإقليمي، وبالتالي شكّلت التظاهرات وسيلة مناسبة للضغط عليها ليس لتأييد "الديموقراطية" و"حقوق الإنسان" في إيران، ولكن لضمان المصالح الغربية فيها وفي المنطقة. وبالرغم من أن التظاهرات تعبر عن إرادة قسم من الشعب الإيراني، فإن الغرب حاول استغلاها لتحقيق أهدافه التي عجز عن الوصول إليها بالضغوط السياسية والاقتصادية. وهنا يبدو بوضوح أن العامل الخارجي لا يصنع الأحداث في إيران، بل يلهث وراءها والدليل انطلاق التظاهرات في أكثر من مدينة وفي توقيت واحد، وهو نفوذ لا يملكه الغرب في إيران على أية حال. ولا ينفي ذلك بالضرورة احتمال أن تكون أطراف ضالعة في التظاهرات مدفوعة من الخارج بالفعل.

يقول التقدير الموضوعي لما جرى في شوارع طهران إن المتظاهرين أظهروا تصميماً على الاستمرار بالتظاهر في مواجهة الأذرع الأمنية، بالرغم من القتلى الخمسة عشر – حسب الأرقام الرسمية الإيرانية – وعلى الرغم من إعلان الرموز العليا للنظام الإيراني وفي مقدمهم مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي عن مساندتهم حكومة الرئيس أحمدي نجاد. استمرت التظاهرات لأيام ثم انتهت بفعل القوة القهرية التي واجهتهم من الشرطة، وبسبب عدم انضمام شرائح اجتماعية أخرى إليها، فظل المتظاهرون محدودين ضمن فئات اجتماعية بعينها. وهنا يبدو الفارق كبيراً بين الإحراج الذي تسببه التظاهرات للرئيس أحمدي نجاد وتياره في الحد الأدنى، واستنتاج أن هذه التظاهرات هي مقدمة لتغيير أعمق وأكثر جذرية في المستقبل القريب، وهو تفكير بالأماني لا يعكس واقعاً سياسياً على الأرض.

وقد مثّل تلويح قوات الحرس الثوري بالتدخل في التظاهرات لقمعها بالقوة الجبرية علامة فارقة في التصعيد، لأن الحرس الثوري هو قوة النظام الضاربة ومجرد انخراطه في قمع التظاهرات سيعني انها بلغت حداً خطيراً على مستقبل النظام. لم يحدث هذا الاحتمال على أرض الواقع ولم يتدخل الحرس الثوري، لأن التظاهرات استمرت تحت سقف منخفض نسبياً، وإن كان التوتر بين التيارات السياسية الإيرانية قد بلغ حدوداً غير مسبوقة مع نهايات 2009.

تقول التجربة التاريخية لأعمال الاعتراض إن هناك شروطا يلزم وجودها كي تتحول مظاهر الاعتراض ثورات شعبية وبالتالي تؤدي إلى تغيير في شكل الحكم. حيث تبدأ الثورات بأن تقوم فئة اجتماعية ما برفع صوتها للاحتجاج، وتنزل إلى الشارع في المدن الكبرى والعاصمة. في المرحلة التالية تنضم إلى التظاهرات شرائح اجتماعية أخرى، بحيث تتوسع الاحتجاجات إلى مدن أخرى ثم تصبح أكثر عنفاً. وفي المرحلة الثالثة تنتشر المقاومة ضد النظام في المدن المختلفة، فيضطر الأخير إلى نشر قواته وأذرعه الأمنية لقمع التظاهرات. وتتمثل المرحلة الأخيرة في تأثر القوات الأمنية بالمتظاهرين بحيث تمتنع عن إطاعة أوامر النظام، فيتمكن المتظاهرون من الشارع ويغيّرون من شكل السلطة. هذا السيناريو حدث بالضبط في إيران عام 1979 عند سقوط الشاه السابق، ولكن التقدير الموضوعي للموقف الآن يقول إن التظاهرات لم تبلغ هذه القدرة بعد لأنها اقتصرت على شرائح اجتماعية محدودة، وبالتالي فالمقارنة بين الحدثين غير ممكنة تحليلياً.

تقف إيران في العام الجديد 2010 في قلب أعاصير داخلية وخارجية، حيث أعادت التظاهرات –من حيث لم تحتسب- الكرة إلى الملعب الإيراني الداخلي في صورة ضغوط آتية من الداخل وليس الخارج هذه المرة. تأسيساً على ذلك تتجه إيران إلى إعادة اصطفاف النخبة السياسية المعارضة للرئيس أحمدي نجاد حول شخصيتين هما: هاشمي رفسنجاني، محرك الأحداث الحقيقي في النخبتين الاقتصادية والدولتية أولاً، ومير حسين موسوي ثانياً باعتبار أن التظاهرات تلتحف ب"مظلوميته" في الانتخابات الرئاسية الأخيرة غطاءً لتظاهراتها واحتجاجاتها. والملاحظ على مجموعات المتظاهرين أنها أكثر راديكالية من رفسنجاني وموسوي ولا ترتبط بنسق ما من المصالح مع نظام جمهورية إيران الإسلامية مثلهما، وبالتالي خطوات المتظاهرين لم تكن محسوبة كثيراً مثل خطواتهما.

يبدو أن تيار الرئيس أحمدي نجاد اختار الحل الأسهل وارتاح إلى وصم المتظاهرين بالعمالة للغرب، وازداد الموقف تأزماً عند تأمل الطريقة التي ينظر بها التيار المحافظ إلى الموقف الحالي. يقول تقدير موقف هذا التيار إن التظاهرات تعبر عن قسم صغير من الإيرانيين سكان المدن الكبرى والمنتمين إلى الشرائح العليا للطبقة الوسطى ولا امتدادات شعبية حقيقية لهم، وبالتالي يعتقد التيار المحافظ أن استعمال القبضات الأمنية ومواجهة المتظاهرين سينهي الأزمة. ولكن عودة التظاهرات إلى شوارع المدن الإيرانية الكبرى بعد مرور أكثر من ستة اشهر على انتخابات الرئاسة يعني أن الوسائل الأمنية لم تفد كثيراً في حل الأزمة التي تتطلب حلولاً سياسية في المقام الأول.

من ناحيتهم استثمر المتظاهرون، الذين يعانون من التضييق على تحركاتهم، الفرصة التي واتتهم أثناء تشييع آية الله منتظري وذكرى عاشوراء، لأن هذه الذكرى هي مناسبة لتظاهرات رسمية في جمهورية إيران الإسلامية وهو ما حدث بالفعل. وساهمت الطريقة التي أدارت بها الحكومة الإيرانية في تفاقم الأزمة السياسية، بعد أن دمغت مخالفيها بالعمالة للخارج وأوقعت قتلى في صفوف المتظاهرين، في تشديد الضغط على النظام بدلاً من تخفيفه.

انتهت التظاهرات مرحلياً بأن تركت شروخاً متداخلة على مباني النظام السياسي الإيراني، لكنها إن كانت قد عبرت عن أزمة لتيار الرئيس أحمدي نجاد وبوضوح، الا ان تعميم الوصف واعتبار أنها تشكل أزمة لكامل النظام الإيراني يبدو أمراً متعجلاً بعض الشيء. ربما كانت موافقة السلطات الإيرانية على الحوار مع المتظاهرين لو حدثت ستفتح الطريق لتكريس التباينات في صفوفهم، لأنهم لا يشكلون كياناً سياسياً موحداً ولا يلتفون حتى حول برنامج سياسي مرحلي. ولكن حكومة أحمدي نجاد فضلت الحل الأمني الذي لا يحل المشاكل من جذورها، وإنما يقود على الأرجح إلى تدهور صورة إيران في الخارج وتسهيل مهمة الغرب في تضييق الخناق على إيران تحت عنوان ملفها النووي.

لا يمكن المنصف إلا أن يلاحظ القدرات الإيرانية العالية على مراوغة الضغوط الدولية والنفاذ من الثغر الإقليمية، ولكن وفي الوقت نفسه لا ينبغي التقليل من شأن الضغوط الآتية على إيران من الداخل بشعارات الإصلاح ومن الخارج تحت عنوان الملف النووي، بحيث سيشهد العام الجديد 2010 ومن بداياته مقارعات ساخنة محورها إيران.

 

 

( مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.