عضّ الأصابع بين تركيا وأوروبا!

0
149

حقّقت تركيا ثلاثة أهداف كانت مستحيلة حتى وقت قصير. الهدف الأول هو استئناف العلاقات مع أرمينيا والتوسط بينها وبين أذربيجان حول تقرير مصير منطقة ناغورني كاراباخ المتنازع عليها بين الدولتين، وهو النزاع الذي أدى الى وقوع حرب أودت بحياة الآلاف من الضحايا من الجانبين.

والهدف الثاني هو تسوية العلاقات مع سورية وإعادتها الى طبيعتها. ويتمثل ذلك في تحويل الحدود بين الدولتين من حدود مزروعة بالألغام الى حدود مفتوحة يمكن لمواطني البلدين اجتيازها من دون الحاجة الى تأشيرة.

أما الهدف الثالث فهو اعتمادها وسيطاً لا يُستغنى عنه من قبل كل من ايران والولايات المتحدة حول القضايا المختلَف عليها وفي مقدمتها قضية الملف النووي الايراني. فالوسيط التركي يتمتع بثقة طرفين يصف كل منهما الآخر بأنه الشيطان الرجيم.

أفرز تحقيق هذه الأهداف وضعاً جديداً يحمل المجموعة الأوروبية على إعادة النظر في موقفها الرافض حتى الآن طلب انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي.

ومما يعزز من هذا الوضع الجديد الموقع الاستراتيجي لتركيا بين مجموعة دول آسيا الوسطى والقوقاز من جهة أولى والمجموعة الأوروبية من جهة ثانية. فالمجموعة الأولى تعتبر اليوم أحد أهم مصادر الطاقة وبخاصة الغاز. اما المجموعة الثانية فهي أحد أهم مستوردي الطاقة وبخاصة الغاز، وهي تعتمد حتى الآن والى درجة كبيرة على المصدر الروسي. الا ان تنويع المصادر تحتمه مقتضيات الأمن الأوروبي الاستراتيجي. ولقد تعلمت أوروبا من الدرس القاسي الذي تعرّضت له رومانيا في شتاء العام الماضي عندما أوقفت روسيا ضخ النفط اليها وبالتالي عبرها الى أوروبا على خلفية الاختلاف على الاسعار. فعانت رومانيا في عزّ الشتاء القارس على الصعيدين الانساني والاقتصادي معاناة شديدة.

ويجري في الوقت الراهن العمل على مدّ ثلاثة خطوط لأنابيب الغاز من آسيا الى أوروبا، يمرّ اثنان منهما عبر تركيا، مما يعزّز من مكانتها ومن دورها لدى الاتحاد الأوروبي.

الخط الأول ويدعى "المجرى الجنوبي" وتعمل على تنفيذه منذ عام 2007 شركتان روسية وايطالية. وسينقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود الى تركيا.. ومن ثم الى أوروبا. وقد سمي بالمجرى الجنوبي لأن هناك خطاً آخر الخط الثاني يحمل اسم "المجرى الشمالي" يمرّ عبر بحر البلطيق ويربط مباشرة الحقول الروسية في سيبيريا بألمانيا. اما الخط الثالث والذي رُسمت خريطته منذ عام 2002 فيدعى " نابوكو" وهو يمتد من القوقاز الى تركيا فأوروبا. ويبلع طول هذا الخط حوالي ثلاثة آلاف كيلومتر. أما نفقاته فتصل الى 11،4 مليار دولار. وستتولى مجموعة شركات كونسورتيوم من تركيا وبلغاريا والنمسا وهنغاريا وألمانيا ورومانيا تنفيذ المشروع، والذي يفترض ان يكتمل في عام 2014. وقد وقّّع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على اتفاق في شهر تموز الماضي مع أربع دول أوروبية يتعلق بشؤون ضخ الغاز عبر هذا الخط في الأراضي التركية.

تبلغ في الوقت الحاضر طاقة الاستهلاك الأوروبي من الغاز 17،7 تريليون قدم مكعب (حسب احصاء 2005). غير ان هذه الطاقة الاستهلاكية سوف ترتفع في عام 2030 الى حوالي 28،8 تريليون قدم مكعب. وتتطلب هذه الزيادة المقدرة تنويع مصادر الاستيراد، كما تتطلب تالياً تنويع خطوط الأنابيب. ومن هنا التركيز الأوروبي على منطقة القوقاز وآسيا الوسطى من جهة، وعلى المنطقة العربية في شمال افريقيا والشرق الأوسط من جهة ثانية. ولتركيا علاقات وطيدة بدول المنطقتين، الأمر الذي يعزّز من موقعها التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي.

وبذلك تتكامل العناصر الثلاثة في اللعبة السياسية الجديدة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. العنصر الأول أمني. وهو ان تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي تحتلّ المرتبة الثانية مباشرة بعد الولايات المتحدة من حيث عدد قواتها العاملة في اطار الحلف. والعنصر الثاني اقتصادي. وهو ان تركيا أصبحت بحكم موقعها الاستراتيجي الممر الآمن لأنابيب النفط والغاز التي تمدّ الاقتصاد الأوروبي بالطاقة المستورَدة من الشرق الأوسط (العراق) والقوقاز (أذربيجان). أما العنصر الثالث فهو سياسي. ذلك ان تركيا التي استعادت دورها ومكانتها في الشرق الأوسط خاصة بعد موقفها الجديد من اسرائيل اثر عدوانها على غزة في عام 2008، استعادت ايضاً دورها ومكانتها في القوقاز وآسيا الوسطى بعد تسوية خلافاتها مع أرمينيا. حتى أن حكومة أنقرة وافقت على إعادة افتتاح كنيسة أرمنية في شرق تركيا، كانت مقفلة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى (؟!). وتلعب تركيا الآن دور الوسيط في العديد من الخلافات والتوترات القائمة بين بعض دول المنطقة الآسيوية.

غير ان مشكلة تركيا مع اليونان حول حقوق الملاحة في جزر بحر إيجه، وحول تقرير الوحدة في قبرص بين الجزء الشمالي التركي والجزء الجنوبي اليوناني لا تزال تشكل عقبة كأداء ليس من السهل حلّها أو تجاوزها.

فقد اصبحت قبرص عضواً في الاتحاد الأوروبي، وبموجب ذلك يطالب الاتحاد تركيا الاعتراف بقبرص وبحقوقها كما تعترف بأي دولة أوروبية اخرى، وهو ما ترفضه انقرة الى ان تحل مشكلة العلاقة بين جزئي الجزيرة.

ثم ان تركيا يزيد عدد سكانها على السبعين مليوناً اكثريتهم الساحقة من المسلمين. ويشكل انضمامها بهذه الكثافة السكانية وبهذه الكثافة الاسلامية ايضاً، كابوساً يقضّ مضاجع المسؤولين الأوروبيين، وخاصة الرئيس الفرنسي ساركوزي والمستشارة الألمانية انجيلا ميركل. فالدول الأوروبية بصورة عامة، بدأت تضيق ذرعاً بتنامي الحضور الاسلامي فيها، فكيف اذا أصبحت تركيا عضواً في اتحادها ؟.

من هنا تأخذ اللعبة السياسية (بين تركيا والاتحاد الأوروبي) طابع عضّ الأصابع. فالجانبان يدركان انه لا غنى لأحدهما عن الآخر، غير ان كلاً منهما يحاول ان يفرض شروطه على الآخر. لم تتراجع قوة الضغط الأوروبية.. غير ان قوة الضغط التركية تزداد فعالية باستمرار.. وقد لا يمرّ وقت طويل حتى يعلو الصوت الأوروبي مستسلماً للأمر الواقع.

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.