مفاوضات الشرق الأوسط والموقف العربي الواحد

0
165

شهد الأسبوع المنقضي حركة سريعة في المشرق العربي في أربعة اتجاهات: الاتجاه الأول: الدأب السعودي في توحيد الصف العربي، سواء في حركة الزوار الآتين للمملكة، أو في حركة وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل باتجاه الكويت ودمشق ومصر. والاتجاه الثاني: مجيء خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إلى الرياض، وإعلانه في جلسته مع الأمير سعود الفيصل عن الخيار العربي النهائي لحماس، كما الإعلان عن رغبته أن تساعد المملكة في الوصول إلى اتفاق مع فتح بالقاهرة على أساس الوثيقة المصرية. والاتجاه الثالث: تمثل في زيارة الملك الأردني عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني لمصر ولقائهما بالرئيس مبارك. والاتجاه الرابع: تمثل في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لمصر وتقديمه «عرضا جديدا» لبدء المفاوضات مع الفلسطينيين.

 

والمفهوم أن المصريين عرضوا على الملك الأردني والرئيس الفلسطيني أمرين اثنين: الخطوط الرئيسية لأفكار الرئيس الأميركي التي يعتزم أن تضمها مبادرة له يعلنها قريبا بعد أن تأجلت أكثر من مرة. والأفكار «الجديدة» التي طرحها نتنياهو على مصر من أجل بدء التفاوض. وسيمضي وزير الخارجية المصرية والوزير عمر سليمان إلى واشنطن حاملين الملاحظات العربية على الأفكار الأميركية. ورغم أن الرئيس الفلسطيني ما بدا متحمسا لما عرضه نتنياهو، لكنه قال إنه يؤثر أن ينتظر حتى يعود الوفد المصري من واشنطن.

 

أما الحركة من السعودية وإليها (وقد زارها الرئيس مبارك أيضا للمرة الثانية خلال أقل من أسبوعين)، فلها فيما يبدو هدفان: إنجاز الاتفاق بين فتح وحماس تحت مظلة مصر، كما إعادة التواصل بين سورية ومصر. والملفان كما هو معروف متصلان. فالقاهرة تربط بشكل من الأشكال بين سورية وتردُد حماس في التصالح، والمملكة ترى أن سورية تستطيع المساعدة في إنجاز المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، فيكون ذلك سبيلا للقاء المصري – السوري المرتقب.

 

إن المعروف أنه حتى الشهر العاشر من هذا العام، ساد جو من عدم الرضا لدى العرب عن خطوات واشنطن البطيئة والمترددة تجاه سلام الشرق الأوسط ومفاوضاته. فقد أصرت واشنطن أن يمضي العرب باتجاه القيام بإجراءات «لبناء الثقة» تتضمن نوعا من التطبيع مع إسرائيل. ثم بادر الرئيس الأميركي في الاتجاه نفسه إلى جمع عباس ونتنياهو لبدء التفاوض دونما وقف للاستيطان، ولا تحديد للهدف من التفاوض، الذي لا ينبغي أن يشمل القدس، في مراحله الأولى على الأقل. وكان هناك من العرب والأوروبيين من نصح الفلسطينيين بالموافقة على سبيل التجربة على الأقل، وبضمانات أميركية وأوروبية، مُراعاة «لظروف نتنياهو»، وأن الأمور ستتطور إيجابا في سياق الدينامية التي ستخلقها المفاوضات. لكن الفلسطينيين والعرب ما مشوا في الأمرين. إذا ما رأوا أن من واجبهم هم أن يطمئنوا الإسرائيليين، وإنما على العكس من ذلك، فإن المحتلين هم الذين يكون عليهم أن يطمئنوا المصابين باحتلال الأرض، بالاستيطان، والحصار، والجدار، وانتهاك الحقوق. ثم المفروض أن مفاوضات «الوضع النهائي» على رأس موضوعاتها الخلاص من الاستيطان، فكيف يمكن المضي إليها والاستيطان قائم على قدم وساق، والقدس ليست على خارطة التفاوض؟!

 

وهكذا فإن الشهرين الأخيرين شهدا – تحت ضغوط الموقف العربي المتقارب – إعلان نتنياهو عن وقف جزئي للاستيطان، ثم الذهاب إلى القاهرة لتقديم عرض جديد. كما شهدا تخلي الأميركيين عن طلب التقدم بإجراءات الثقة، والإعلان عن أن المبادرة الأميركية تأتي أخيرا لتوضح أن إدارة أوباما ليست متحيزة لإسرائيل، وإنما لا تزال تعتنق أطروحة الدولتين، والقرارات الدولية. وقد أعان على ذلك الموقف الأوروبي الذي بدا في القرار الذي تقدمت به السويد بشأن الإسراع في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة التي عاصمتها القدس. وصار على العرب التزام لا يستطيعون الخروج منه، أو أنه ضروري لإعادة الأمور إلى طبيعتها بعد سنوات الضياع والتمزق والهوان: ضرورة توحيد الصف العربي. فبعد مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز للمصالحة في قمة الكويت، ذهب الملك إلى دمشق، وها هو الأمير سعود الفيصل يتابع الأمر لجمع حماس وفتح بمصر، ولإعادة المياه إلى مجاريها بين مصر وسورية.

 

ولا تزال هناك عدة أمور ينبغي إنجازها إذا أصغى الفلسطينيون والسوريون والمصريون لضغوط «المودة والتضامن» التي تقوم بها المملكة، قبل الوصول إلى بدء التفاوض. فالمساعي التي بدأت منذ مطلع عام 2009 في ظل الآثار السلبية الهائلة للحرب الإسرائيلية على غزة، التي زادت الانقسام بين الفلسطينيين، واستطرادا بين العرب، وأوقفت المفاوضات غير المباشرة بين الإسرائيليين والسوريين، وفوزت اليمين الإسرائيلي في الانتخابات هناك – تلك المساعي والجهود كان هدفها القريب إعادة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى طاولة التفاوض على أساس «خارطة الطريق» العتيدة. وعندما استحال ذلك لانتفاء شروط الحد الأدنى لدى الطرفين، عاد الحديث عن المؤتمر الدولي، الذي كان الروس قد دعوا إليه، ثم تسلم زمام تلك الدعوة الفرنسيون. وما بدا الإسرائيليون مهتمين كثيرا بذلك، كما أن العرب كانوا يريدون التأكد من حضور الولايات المتحدة له، أو استمرار رعايتها لعملية السلام. والذي يبدو الآن أن الأميركيين عادوا للتفكير بعملية واسعة الأفق تشبه عملية مدريد. وهذا يعني أن المفاوضات إن كانت فستشمل المسارين الفلسطيني والسوري، وليس الفلسطيني فقط. وهذا «إغراء» للعرب لأنه أقرب إلى طبيعة القرارات الدولية. والإغراء الآخر يتصل بتحديد مدة التفاوض (الانتهاء آخر عام 2011 مثلا). والإغراء الثالث يشمل «التزامن» بين الجلاء الإسرائيلي عن سائر الأراضي العربية المحتلة، وبدء التطبيع أو تنفيذ المبادرة العربية. وأحسب أن ذلك كله إن كان فهدفه تسهيل بدء التفاوض على العرب، بحجة أنه لا يمكن الضغط أكثر على نتنياهو أو تتفكك حكومته! لكن الواقع أن بدء المفاوضات بأي شروط يستلزم خروج اليمين المتطرف من الحكومة الإسرائيلية، بمجرد القبول بالتفاوض على القدس والمستوطنات فمسائل اللاجئين، بل والجلاء عن الجولان. وإذا كان الأمر سوف يبدو مؤلما لليمين والمستوطنين من الجهة الإسرائيلية، فإنه مؤلم أكثر للجانب العربي. ذلك أن التصالح بين فتح وحماس يقتضي شراكة تشمل أيضا المشاركة في المفاوضات على أساس حدود عام 1967. وحماس تعتبر أرض فلسطين كلها وقفا إلى قيام الساعة لا يمكن التصرف فيه. وهذا يعني أن التشققات الحاصلة لدى الطرفين الآن، لن تختفي داخل أي منهما، وقد تزداد حدة، تشمل الدمويات والنزاعات العلنية والاغتيالات، ليس بين المعسكرين أو المعسكرات وحسب، بل وداخل كل معسكر. ثم إن الإيرانيين وامتداداتهم، وكذلك الإسلاميون بمختلف تلويناتهم – وشأنهم في ذلك شأن المتطرفين اليهود – لن يدعوا الأمر كله يمر على أفكارهم وممارساتهم وتنظيماتهم ومصالحهم، بسلاسة وسلام.

 

ولننظر في الموقف والموقع السوري في المسألة كلها بشيء من التمعن. فقد دعمت سورية – ومن موقعها المختلف – حركات المقاومة ضد العدو. لكنها منذ عام 2007 دخلت في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطة تركية. وكان الهدف ولا يزال إنفاذ «وديعة رابين» بالجلاء شبه الكامل عن سائر الأراضي السورية. وقد أعلنت مرارا عن تفاؤلها بقرب الاتفاق على كل شيء، وإنما حال دون ذلك عمليا الإعراض الأميركي أيام الرئيس بوش – في حين كانت سورية مستعدة للمضي في المفاوضات المباشرة إن حظيت برعاية أميركية. إنما الذي أوقف المفاوضات ليس المعارضة الأميركية، بل حرب غزة التي اشترك الطرفان الإسرائيلي والحمساوي في المسؤولية عنها. والمطلوب من سورية الآن عربيا قد تسارع دمشق للقيام به، أي التواصل مع مصر، ودفع حماس باتجاه المصالحة. إنما ما الذي سوف تحصل عليه سورية – في مقابل التحول – إضافة للمظلات التركية والفرنسية والعربية؟! المفروض أن تحصل – وبالدعم العربي والتركي والفرنسي والتطبيع الأميركي معها – ومن خلال التفاوض، على جلاء إسرائيلي من أراضيها المحتلة، وموقع محترم ومرعي في ثمار عملية السلام. لكن ما الذي يسبق الآخر: التحول أم «السلام العادل»؟ وماذا لو لم تستطع سورية «التحول» رغم أنها ما عادت في مكانها الذي كانت فيه عام 2005، وما عاد من صالحها العودة إليه في عوالم عام 2010!

 

ولنعد إلى المشهد الأوسع: هناك مساران تفاوضيان في المنطقة، المسار الإسرائيلي/ الفلسطيني والعربي، والمسار الإيراني/ الدولي. أما المسار الأول فيشهد استعدادات واسعة قد تؤدي إلى انطلاقه إن لم تحدث عقبات ومعيقات، ونحن نتحدث عن التفاوض وليس عن السلام – بينما يشهد المسار التفاوضي الثاني توترا متصاعدا وتهديدات متبادلة. والأقصى فيما سيصل إليه الغرب في عام 2010 تجاه إيران هو تشديد العقوبات. إنما ما الذي ستجيب به إيران على هذا التحدي، سواء في نطاق المسار نفسه، أو في نطاق المسار الأول، والذي كان مجالها الأوسع للتأثير في حقبة ما بعد احتلال العراق؟!

"الشرق الاوسط"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.