آثار الأزمة المالية والاقتصادية في أحوال المدن

0
146

خلفت الأزمة المالية والاقتصادية في مدن الولايات المتحدة، حيث كان مبتدأ الأزمة، أثراً عميقاً. والأثر هذا مزدوج: في الإطار المديني، وفي الدور المحلي. وأصابت الأزمة ثلاثة أنواع من المدن أو الكتل والأقاليم السكنية. والنوع الأول يجمع مدناً شهدت تعاظماً في بناء المساكن من غير اعتبار الحاجات الفعلية. وصدر الطلب عن مستثمرين لم يلبثوا أن أنقلبوا مضاربين. وجعلت التسليفات «النهائية» (تلك التي تسدد مرة واحدة في نهاية مدة القرض ولا تسدد في الأثناء إلا الفوائد) وعزوف شركات الوساطة عن طلب ضمانات متينة وموثوقة، في الولايات المتحدة، أسراً متواضعة من المستثمرين. وانتشر هذا النهج في التسليف والتملك في فلوريدا وكاليفورنيا. واسبانيا هي مضماره الأوروبي. وفي ثلاثة أعوام، من 2005 الى 2007، شيد في اسبانيا مليونا مسكن، وهذا مجموع ما شيد في بريطانيا وألمانيا وفرنسا معاً.

 

والسمة الغالبة على النوع الثاني من المدن الهشة هي تردد نتائج الأزمة، أي تباطؤ النمو، في نسيجها الاقتصادي. وأشد المدن تعرضاً للتباطؤ تلك التي يقود نشاطها قطاع واحد منتكس. وعلى هذا، ألحقت انتكاسة السياحة وصناعة السيارات والقطاع المالي الضرر بلاس فيغاس، وديترويت ونيويورك. وفي ديترويت، على سبيل المثال، كان بلغ عدد السكان في ذروة ازدهار المدينة، في 1950، 1.8 مليون نفس، وهو اليوم 900 ألف، ما خلف 20 في المئة من المساكن من غير إشغال، وتدخل في الباب نفسه المدن التي تعتاش جزئياً من تحويلات نزلائها الأجانب، شأن مانيلا الفيليبينية، أو المدن التي تستضيف جنات ضرائيبية، وعلى خلافها المدن المتنوعة الأنشطة، أو تعد مرافق عمل حكومية كثيرة، هذه تلافت الأزمة أو نمت واشتد عودها، ومثالها المدن الإدارية: بروكسيل وواشنطن وبرازيليا.

 

والأقاليم والأحياء والضواحي الفقيرة تنضوي في النوع الثالث، وفي الولايات المتحدة، معظم القروض العالية المخاطر حصل عليه مقترضون يقيمون في أحياء يأهلها أصحاب المداخيل الضعيفة أو المتواضعة. وعوّض مغامرة المقرضين ارتفاع الفوائد، وجواز تحويل المخاطر من طريق التسنيد والأوراق المشتقة. والاستثمار في دوائر معرضة للمخاطر أتاح التوسع الى أسواق جديدة وعالية العوائد، وغداة الأزمة، آثر المستثمرون الأسواق الراسخة والأقوى سيولة والأكثر شفافية وعلانية، وتركوا مناطق التمدين المتجدد والبلدان النامية.

 

وتمتحن الأزمة، رابعاً، أقاليم تعتال على مساعدات الدولة ومخصصات التضامن بين المدن الغنية والفقيرة، وصناديقها المشتركة. واضطرت الأزمة الدولية الى التخلي عن الإسهام في وكالات تجديد مديني، على شاكلة الوكالة الفرنسية، ومدن البلدان النامية هي من هذا الصنف. فتنامي سكانها هو ثمرة هجرة فقراء، وجزء من غلبة الضواحي على السكن العالمي.

 

وفي مقابل هذا، هل ولدت من الأزمة أشكال مدينية خاصة؟ أو هل تلاشت أشكال مع انفجار الأزمة، فالحق أن الأزمة تُغيِّر شكل المدن ورسمها، وذلك على أربعة أنحاء أو أوجه:

 

– نحو التغير الأول يطول المدن أو أجزاء المدن المتحدرة من منطق المضاربة الذي تقدم تناوله، ولعل أحياء المدن الأميركية التي مولتها القروض العالية المخاطر هي مثال هذا التغير، وخلفت قرارات المصادرة منازل مهجورة في قلب أحياء تركتها هجرة بعض أهلها السابقين نهباً للسرقة والحرائق والتآكل والخراب، وجعلتها أطياف مدن، ومعظم المساكن خلا من سكانه. وفي ديترويت، ينفق 16 مليون دولار، أي 30 في المئة من مساعدة الدولة الاتحادية، على تدمير الخرائب.

 

وأصابت الأزمـة نـمـوذج ضـواحـي سـكن الأجنحة البعيدة من المدن، وجزء من القروض العالية المخاطر كان يفترض فيه تمويل منازل فردية في الضواحي البعيدة، وأدى تـوزيـع هـذه القروض الى نـمو مناطق أجنحة، وأمتحنت الأزمة عيوب هذه المناطق. ففرض بعدها استعمال السيارة الفردية. وهذه يدينها أمران: سـعر النـفـط ونشـوء إدراك بيئي. وأما العيب الثاني فهو هشاشة الجوار. فإذا عجز 3 الى 4 في المئة من المقترضين في حي من الأحياء عن سداد قرضهم، تردى سعر المساكن الى أقل من المتوسط. وعليه، أدت مصادرة مليوني مسكن الى عدوى هبوط أسعار أصابت 40 مليون مسكن في الجوار.

 

– وترتب نحو التغير الثاني على المدن الكبيرة جداً، بمنأى من المدن الفقيرة. والأرجح أن الأزمة آذنت بنهاية سيطرة المرافق المالية على التمدين. وعلى خلاف التنافس على استضافة دورات الألعاب الأولمبية، على نحو ما شهد العالم في العقدين الأخيرين، لا تدري لندن كيف تمول دورة 2012. وأدى التسابق على خط ناطحات السحاب الأعلى والأعظم الى بناء الأبراج العالية التي يعلو واحدها الآخر ويشمخ عليه، وترجع مدن كثيرة اليوم في خططها الطموحة. وكانت دبي تنوي تشييد برج علوه ألف متر، وأعلنت تخليها عن خطتها. وتخلت موناكو عن ردم 15 هكتاراً من البحر، ومدينة شيكاغو عن شيكاغو سباير، أعلى برج في الولايات المتحدة.

 

– وسببا التخلي، أو التعليق، هما تردي العائد المتوقع جراء هبوط الأسعار وإطالة مدد التسويق، وانفضاض أصحاب الخطط. والمساحات المبنية في فرنسا تقلصت 20 في المئة بين 2007 و2008. ونجم هذا عن انقباض الطلب على المساكن والمكاتب. وهو بدوره نتيجة ضعف الأسر والشركات، وضعف طاقة الاستثمار. وهناك مدن عليها التكيف مع حالها الاقتصادية والسكانية الجديدة، انفجرت الأزمة أم لم تنفجر. فثلث مدينة ديترويت لا حاجة منذ اليوم لشغله. ويتوقع أن تبلغ طوكيو ذروة عدد سكانها في 2010 (12.2 مليون)، على أن يعقب الذروة تناقص بطيء ليبلغ العدد 11.8 مليون في 2025.

 

– ومنذ اليوم تظهر قرائن على تكيف السكان مع الأزمة وعواملها. والمقاولون العقاريون والمستثمرون حين يمضون على البناء يسعون في تقليل المخاطرة. فيقدمون أغراضاً على أخرى، ويؤثرون تحويل المساكن الحرة (الى) مساكن اجتماعية، ويحلون محل بعض المساكن الفردية دوراً طالبية أو مباني لإقامة المتقاعدين. وبعض المجمعات التجارية ينقرض. ومثال المخازن الكبرى يتراجع، وأعراض تقلص حصة المخازن الكبرى من السوق ظاهرة. وعليه، تشهد مراتب الأحياء تغيراً غير خاف. والشقق الجديدة، في فرنسا، أضيق مساحة من تلك التي سبق بناؤها 2008 بـ 1.6 مترٍ في المحافظة الباريسية، وفيما يعود الى الشقة المؤلفة من 3 غرف. وبعض المساكن الرخيصة الثمن يسلمها المقاولون والمتعهدون من غير طلاء ومن غير مرافق، على أن يتولى مشتروها تجهيزها لاحقاً.

 

والنزعات هذه تضعف دور المدن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فمدينة نيويورك تتوقع خسارة 300 ألف مرفق عمل أو وظيفة بين منتصف 2008 ومنتصف 2010، 15 في المئة منها في القطاع المالي. وتعد المدينة 8.3 ملايين نفس، ونصف عوائد الضريبة البلدية والعقارية يجبى من 40 ألف أسرة، ثلاثة أرباعها يعملون في القطاع المالي. وبعض المراقبين يرى نذر إفلاس المدينة بعد بعض الوقت. ويترتب تقليص النفقات على الأزمة، فتردي حال المدن في الولايات المتحدة يستتبع زيادة نفقات الشرطة والخدمات الاجتماعية. وتقضي زيادة أسعار المواد الأولى بإضعاف قوة الجماعات المحلية والبلدية على مفاوضة أقطاب المصالح الخاصة. ويصيب عسر التسديد الجماعات المحلية والبلدية، وذهبت وكالة التقويم والترتيب الماليين الأميركية، موديز، للمرة الأولى الى التحذير من مخاطر إقراض الجماعات المحلية.

 

وبعض نتائج الأزمة قد يكون إيجابياً، مثل تضييق توسع المدن وانبعاث وسطها، ونهاية «مدن الرأسمالية الهاذية» (مايك ديفيس)، وربما استئناف الابتكار في بناء المدن وتخطيطها. وفي المقابل، تبدو حال الضواحي حرجة، ويحكم فيها بالأفول فقر سكانها ونكوص المستثمرين وضعف الهيئات العامة والأزمة في نهاية المطاف، دعوة الى الابتكار والاستنباط وإعمال الفكر والمخيلة.

 

* أستاذة محاضرة في معهد العلوم السياسية بباريس ومستشارة تخطيط مديني، عن «إسبري» الفرنسية، 11/2009، إعداد و.ش.

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.