جدلية التنمية والديموقراطية وآفاق تحققهما في الوطن العربي

0
91

تصنف هذه المقولة بين الموضوعات الثقافية الأكثر أهمية وخطورة في السجال الثقافي الدائر اليوم على الساحة العربية. فهي ليست مجرد مقولة علمية تشغل الباحثين المهتمين بتاريخ الوطن العربي بل تطول أيضا حاضر العرب ومستقبلهم على ضوء التطورات الدولية المتسارعة في عصر العولمة. علما أن جدلية تلك العلاقة لم تحسم، لا على المستوى الأوروبي ولا على مستوى دول جنوب وشرق آسيا. فهي مقولة ذات أبعاد عالمية. وقد شارك في دراستها باحثون من ذوي الخبرة الأكاديمية المعمقة. ونشروا دراسات علمية رصينة شكلت مصادر معرفية ذات أهمية استثنائية في مجال التنمية والديموقراطية. وهناك باحثون جدد أثبتوا كفاءة عالية في تقديم أبعاد جديدة لمشكلات التنمية والديموقراطية في مجال التواصل، والإعلام، والتنمية المتوازنة، والحكم الصالح وغيرها. وخصص المفكرون النهضويون العرب لهذه المقولة مؤتمرات وندوات لا حصر لها طوال أكثر من نصف قرن. فاعتبرها بعضهم إشكالية جوهرية تؤكد على ارتباط الديموقراطية بالتنمية المستدامة، وشددوا على أن الديموقراطية هي العامل الحاسم في تنمية الشعوب العربية لأن التنمية المستدامة تبدأ أولا بالإنسان، من دون فصلها عن التنمية الاقتصادية المستدامة. لكن مثقفين آخرين، ومن أوساط الأنظمة العربية المسيطرة تحديدا، ذهبوا في الاتجاه المعاكس. فرأوا أن التنمية الاقتصادية هي التي تفتح الباب أمام تحولات جوهرية تمهد لقيام الديموقراطية والتنمية المستدامة.

المسألة إذاً سجالية بامتياز، وقد حظيت باهتمام الباحثين من مختلف الجنسيات والمدارس الفكرية والسياسية. وكتبت أبحاث كثيرة، وطرحت تساؤلات منهجية لا حصر لها حول جدلية تلك العلاقة وأهميتها في بناء مجتمع حرّ وقادر على مواجهة تحديات العولمة.

تجدر الإشارة إلى أن تجارب التحديث الأوروبية أكدت على جدلية العلاقة بين الديموقراطية والتنمية، وقدّم مفكروها إجابات واضحة وصريحة عن التساؤلات المنهجية التي تبرز أهمية هذه المقولة التي تنير الطريق أمام الباحثين، وأصحاب القرار السياسي في مختلف دول العالم لبناء الحكم الصالح، والتنمية البشرية المستدامة. لكن الدول الغربية، بجناحيها الأوروبي والأميركي، ودول الشرق الأقصى قدمت نماذج متناقضة في هذا المجال. فقد أعطت تجارب التحديث الأوروبية الأولوية للحريات الفردية والعامة، وأقامت دولا ديموقراطية عادلة ترعى شؤون التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة. في حين وضعت اليابان والصين ودول النمور الآسيوية مسألة الديموقراطية في مرتبة أدنى من التنمية المستدامة، ولم تربط التنمية بالديموقراطية إلا بعد أن أنجزت خطوات متقدمة على طريق بناء مجتمع المعرفة. وتبعتها في ذلك دول أميركا اللاتينية، وبعض الدول الأفريقية والآسيوية. في حين أعطت الهند مسألة الديموقراطية الأولوية التي تستحق في بناء مجتمع حر يسير بخطى ثابتة لنشر المعرفة، والعلوم العصرية، والتكنولوجيا المتطورة، وبناء التنمية المتوازنة. وشددت أوراق بحثية مهمة قدمت مؤخرا إلى المؤتمرات والندوات الثقافية العربية على العلاقة الجدلية بين التنمية والديموقراطية ووضعتها في سلم أولويات النهوض العربي الذي طال انتظاره. فالدول العربية، لم تحسم خيارها في هذا المجال. ولم تتبن مسارا واضحا للتنمية الشاملة وما إذا كانت تسبق الديموقراطية، أو تتزامن معها، أو تعقبها. ومع أن غالبية المتنورين والنهضوين العرب شددوا على أن التزامن بينهما هو المدخل السليم لتحقيق حداثة حقيقية، فإن أيا من الدول العربية لم تتبن تلك المقولة النظرية، فبقيت جميعها تصنف في عداد الدول العاجزة عن بناء المجتمع المستقر، والحكم الصالح، والتنمية المستدامة.

بعبارة موجزة، لم تعط الدول العربية، هذه المسألة الأهمية التي تستحق. ولم تنجح في بناء ركائز التنمية المستدامة والدولة الديموقراطية العادلة. وفشلت في بناء دولة القانون والمؤسسات العصرية، وعجزت عن ضمان المساواة والعدالة بين جميع المواطنين، وعن الاستفادة من ثورات العلوم والتواصل والمعلومات. وهي تعاني اليوم أزمات حادة في مختلف القضايا السياسية، والإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، والثقافية وغيرها. ومع فشل سياسات التنمية الشمولية زاد التوتر بين الحاكم والمحكوم في الدول العربية، واشتدت وطأة القمع على الشعوب العربية التي تعاني اليوم نقصا فاضحا في مجال اكتساب المعارف العلمية المتاحة بسبب ارتفاع نسب البطالة، والأميّة، والفقر، وتلوث البيئة، والهجرة الكثيفة إلى الخارج، خاصة في أوساط الشباب المثقف، والعمال المهرة. ويبرز فشل السياسات التنموية العربية السابقة في مواجهة ثقافات عصر العولمة وتكتلاتها الجغرافية والسياسية والاقتصادية والإعلامية العملاقة، وأزماتها الدورية خاصة الأزمة الراهنة التي انفجرت في خريف 2008 وما زالت تداعياتها السلبية تلف جميع الدول العربية.

ختاماً، إن تحليل جدلية العلاقة بين الديموقراطية والتنمية المستدامة على المستوى العربي تتطلب إنجاز أبحاث أصيلة لمعالجة المشكلات الحادة. وذلك يتطلب تقديم أبحاث أمبيريقية تظهر مسار التنمية في الدول العربية مقارنة بما هي عليه الآن في الدول المتطورة. وهي مقارنة مؤلمة للغاية وليست لصالح العرب. ومن أولى واجبات الباحثين العرب تقديم رؤية عربية واضحة المعالم والأهداف حول جدلية العلاقة بين التنمية والديموقراطية وكيفية بناء التنمية المستدامة على أسس علمية وعقلانية. ومع أن رؤية الواقع العربي على حقيقته لا تشير إلى أن الدول العربية تسير في الاتجاه السليم لبناء التنمية الشمولية المستدامة، فإن تقديم الحلول الإستشرافية حول مستقبل الوطن العربي يشكل مساهمة علمية جدية للخروج من الأزمة الراهنة التي باتت تهدد حاضر العرب ومستقبلهم. وذلك رهن بقدرة الباحثين العرب على إعداد أبحاث علمية تساعد على إطلاق ورشة عمل للتنمية المستدامة، وتقدم إضافات نوعية لتوضيح مفهوم التنمية من حيث النظرية والتطبيق، وتحلل مصادره وتجلياته في أوروبا وما أدخل عليه من إضافات نوعية في دول الشرق الأقصى، وذلك بهدف إطلاق تنمية مستدامة بخصائص عربية، وعبر مقولات ثقافية من إنتاج المتنورين العرب، ولأهداف استراتيجية تطول حاضر العرب ومستقبلهم.

" المستقبل "

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.