من يربح الحرب؟

    0
    82

    حسان حيدر

     

    الصفوف الطويلة في مطارات العالم، وخصوصاً تلك التي تسيَر رحلات الى الولايات المتحدة، والوقت المهدور كل يوم في تفتيش مئات آلاف الأشخاص بحثاً عن جسم مشبوه أو سائل مقلق، والتسابق على شراء أجهزة الكشف الجديدة التي تكلف الملايين، والهلع الذي يسود رجال الشرطة والجمارك وحرس الحدود الأوروبيين والأميركيين كلما أطل راكب مختلف السحنة أو يرطن بلغة غريبة… كل ذلك يؤكد أن «القاعدة» تربح «الحرب على الإرهاب» التي كلفت مئات بلايين الدولارات حتى الآن ولا تزال في بداياتها.

     

    يكفي أن ينجح شاب مغسول الدماغ والإرادة وموعود بالجنة، يحمل كمية من المتفجرات غير مضمونة النتائج – لحسن الحظ – وتذكرة سفر ثمنها بضع مئات الدولارات، في الوصول الى طائرة ما، لإثارة الذعر في العالم كله، وتعطيل مسار الحياة العادية للدول وسكانها، واستنفار الحكومات وأجهزة الأمن وشبكات الإعلام. صحيح أن حياة المسافرين الذين كانوا على الطائرة الأميركية أغلى بكثير من أن تقاس بالكلفة العالية، مادياً وإنسانياً، لتشديد إجراءات التفتيش، لكن من الواضح أن العالم لا يزال يتخبط عاجزاً عن وضع خطط فاعلة لمواجهة قلة من الإرهابيين يستطيعون تنغيص حياته بالقليل من الجهد، وتعطيل سفاراته ومؤسساته لمجرد الشبهة، حتى أن مطاراً أميركياً أغلق ليوم كامل بعد العثور على زجاجة من العسل أخضعت لاختبارات وفحوص علمية وجنائية، بينما كان يكفي موظف الأمن المذعور أن يشمها ربما ليكتشف براءة محتواها وصاحبها.

     

    هذا الشاب الذي لا تساوي حياته الكثير عند الذين أرسلوه الى الموت بموافقته، كان يمكن أن يكون «الضحية» الوحيدة لعمله، بحسب باراك أوباما، لو أن وكالات الاستخبارات الأميركية أحسنت التنسيق في ما بينها وتبادلت المعلومات في شكل فاعل. لكن عمله قد يودي برؤوس كبيرة في هذه الأجهزة بعدما أخذ الرئيس الأميركي على عاتقه مسؤولية معالجة الإخفاقات وتصحيح الخلل. وهو «انتصار» لم تكن «القاعدة» تحلم به.

     

    غير أن الأهم لا يتعلق بتغيير هذا المسؤول أو ذاك، بل في اعتماد مقاربة أكثر دراية وثباتاً في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، لا أن يتذكر الأميركيون انه يفترض بهم مساعدة اليمن على مواجهة فقره ومتطرفيه فقط عندما يكتشفون أن إرهابياً هددهم كان تدرب على ارضه، مثلما لم يدركوا الخطر الذي يشكله حكم حركة «طالبان» في أفغانستان إلا عندما اصطدمت الطائرات ببرجي نيويورك.

     

    والأهم أيضاً ضبط ردود الفعل العصبية التي تنتهجها دول بأكملها بعد كل محاولة إرهابية، فلا يشعر الناس بأنهم يتعرضون للتمييز لمجرد انهم يشاركون القاتل المفترض لونه أو هويته أو دينه، أو حتى وجهة سفره، ولا يتشكل لديهم احساس بأنهم صاروا ضحايا مرتين، في بلدهم وفي الخارج.

     

    مع «النجم» النيجيري الجديد، جاء الدور على الأفارقة ليدخلوا دائرة الشبهة بالإرهاب، بعدما عانوا طويلاً من العنصرية، وبعدما كان جيرانهم العرب والشرق أوسطيون هم الذين يحتلون المرتبة الأولى في قائمة «الأعداء» الطويلة. لكن ماذا ستفعل أجهزة الأمن الغربية إذا تمكنت «القاعدة» يوماً من تجنيد أوروبي أو أميركي أشقر، أو عربي أبيض ملون العينين من أحفاد الحملات الصليبية، لتنفيذ عملية انتحارية؟

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.