ليس دفاعاً عن محمود عباس

0
101

إذا ما استثنينا موقف محمود عباس المتشدد من "حماس" ومن الحوار الوطني الفلسطيني، وهو موقف سلبي للغاية، فإن أداءه السياسي التفاوضي ظل على الرغم من رهانه المبالغ فيه على التفاوض عند الحدود التي لم تفرِّط بالثوابت الوطنية الدنيا المتعلقة بالدولة المستقلة ضمن حدود أراضي الـ67، والقدس الشرقية عاصمة لها، وحق العودة.. وهو تمسك طيب ويطمئن هواجس غزيرة خشيت على نحو مشروع من ان يندفع "أبو مازن" نحو أي حل كما أوحت بذلك تحركاته السياسية منذ انتخابه رئيساً للسلطة.

قلنا إننا نستثني موقفه المتشدد من "حماس" وانقلابها في غزة، لأن ذلك الموقف لم يأخذ في الحسبان على نحو متوازن ونزيه الأسباب التي دفعت "حماس" إلى ممارسة ذلك الحسم العسكري غير المرغوب فيه، على ان الامانة تقتضي القول ان "حماس" بادلت محمود عباس التشدد و التجاوز ذاته في مناسبات عدة، وانبرى منها مَن انبرى للتشكيك بوطنية الرجل! أما اتهامه من قِبَل "حماس" بمهادنة إسرائيل ومناهضة المقاومة فهو اتهام لا يستقيم مع مهادنة إسرائيل ووقف أعمال المقاومة على جبهة غزة لعام كامل ولا مع تصريحات وزير داخلية غزة حول وجوب وقف إطلاق الصواريخ. وفي الأحوال كافة، ثمة مسؤولية متبادلة عن انهيار العلاقة بين "فتح" و"حماس"، بين رام الله وغزة، بين شركاء الحوار الوطني، لا تقبل وضعها على فريق واحد وتبرئة آخر.

بالعودة إلى موضوع المفاوضات، يحمد الرئيس محمود عباس انه على عميق انغماسه في التفاوض وشدة رهانه عليه خياراً وحيداً لاستعادة الحقوق الوطنية ما نزل عند الشروط والإملاءات الصهيونية، وما تراجع عن الحد الأدنى الوطني، فبدا في سلوكه بعض من بصمات سياسات القائد الشهيد ياسر عرفات: المرونة في الأداء السياسي والتمسك الثابت بالحقوق مع اختلاف في التفاصيل. وفي الظن ان هذه الخاتمة الوطنية لسياسات محمود عباس تنصف الرجل وتعيد إليه بعض الاعتبار بعد أن أصابه حيف شديد كان هو نفسه وفريق مستشاريه مسؤول عنه إلى حد كبير.

ليس هناك أفضل من محمود عباس لينعى المفاوضات مع الدولة الصهيونية، فهو رجل المفاوضات بامتياز، وهو رمز الاعتدال بامتياز، ولا أحد من الأميركيين أو الإسرائيليين يملك أن يتهمه بعدم إيمانه بالتفاوض وباتخاذه هذا ذريعة لرفع الضغط عنه كما فعل ياسر عرفات. لقد خاض فيها أبو مازن حتى عندما لم يعد لها من معنى أو أفق، وحتى عندما نصح بعدم الاستمرار فيها، وظل يمنح التفاوض وحكومات العدو الفوهة تلو الأخرى وإلى درجة كاد ان يبدو فيها التفاوض عنده عقيدة في السياسة لا مجرد خيار من خياراتها المتعددة، ومع ان ذلك غرّمه كثيراً من صورته وهيبته في أعين خصومه والجمهور، ونال من رصيده التاريخي كواحد من الرعيل الفتحاوي الأول ومن رفاق قادة الثورة الكبار (ياسر عرفات، أبو جهاد، ابو اياد، كمال عدوان، خالد الحسن، فاروق القدومي..)، ووضع في حوزة "حماس" ادلة إضافية على ان رئيس السلطة حادَ نهائياً عن خيار المقاومة..، إلا ان تعويله الاستراتيجي على التفاوض سبيلاً لاستعادة الحقوق يفرض الاعتراض بأن نعيه للتسوية مع إسرائيل هو اليوم أصرخ شهادة فلسطينية على ان التسوية مع العدو مستحيلة لا لشيء إلا لأن هذا العدو لا يريدها، لأنه بكل بساطة يريد فلسطين "كاملة غير منقوصة".

ربما تأخر "أبو مازن" كثيراً ليدرك ان خيار الرهان على التفاوض مع إسرائيل مسدود الأفق وغير ذي نفع أو فائدة، وان الشهيد ياسر عرفات كان على حق حين أغلق باب الوهم هذا بعد مفاوضات كامب ديفيد الثانية (يوليو 2000) وتوجه نحو خيار الانتفاضة والمقاومة المسلحة. نعم، نحن لا ننتظر من محمود عباس أن ينهج خيارات ياسر عرفات، لكننا نأمل ان يظل متمسكاً بموقفه وأن لا يصغي إلى "نصائح" بعض المحيطين به من فرسان "اوسلو" و"جنيف" وما شاكل. بل يحسن به ان يختار نهاية وطنية مشرفة لعهده اسوة بياسر عرفات وأحمد الشقيري والحاج أمين الحسيني. وحبّذا لو استكمل موقفه الجديد: بالتوجه نحو خيار الوحدة الوطنية وتسهيل شروط انجاح الحوار الوطني وإنهاء الانقسام الداخلي كي يمنح موقفه شرعية مضاعفَة…

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.