سنة للإرهاب ؟

0
100

في أواخر السنة الأولى لولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما عادت أجواء الحرب العالمية على الإرهاب، بالرغم من اصرار الرئيس على تجنب استعمالها، واصرار خصومه الجمهوريين على أنه لا يقوم بدوره المفترض فيها.

محاولة اسقاط الطائرة الاميركية، والفشل الاستخباري المعلن في مواجهتها أشار الى أمرين: هشاشة كل ما قيل عن أن استهداف "الأرض" الأميركية بات مستبعداً، وهشاشة الاصلاحات التي خضعت لها أجهزة الأمن والاستخبارات الأميركية منذ عملية 11 أيلول.

لا بل إن السيناريوات التي تنشر حول المعلومات التي كانت متوافرة عن مرتكب العملية تضعنا تماماً في الاجواء التي رافقت كشف سهولة تحرك عناصر "القاعدة" في الولايات المتحدة قبل تنفيذهم عملية "11 أيلول".

النظرية الأميركية الأصلية كانت أنه لتجنب الاعتداءات لا بدّ من نقل المعركة الى أرض الخصم، أي الى افغانستان والشرق الأوسط عموماً.

بوش خاض حربيه الشرق الاوسطيتين وفقاً لهذا التصور، وأوباما اعتقد أن المزاوجة بين التركيز على أفغانستان واليد الممدودة للآخرين، في المنطقة، كفيل بالاستغناء عن شعار الحرب على الارهاب وما رافقه من حروب استباقية أو حروب مطولة تليها.

بعد تسع سنوات تقريباً وفي ظلّ ادارتين مختلفتين جذرياً، لا تبدو الصورة بمثل هذا الاختلاف.

"العراق" الذي تسلّمه أوباما من بوش بانجازات أمنية ملموسة ها هو اليوم يعود الى مستوى العنف الذي عرفه منذ أن أعلن بوش نجاح غزو العراق.

أفغانستان التي بدا في السنوات الأولى للحرب العراقية أنها مكان "هادئ" نسبياً، تكتسي اليوم صورة "عراقية" كلاسيكية، حيث الخسائر البشرية الأميركية عنصر أساسي من المشهد.

استراتيجية مطاردة "القاعدة" الى ملاذها الآمنة في باكستان، لم تنتج حتى الآن إلا توسيعاً لمساحة المعركة المشتركة التي تخاض في البلدين. ولا يبدو أنه بقليل من استشراف المستقبل سنكون أمام طرفين متراجعين متمثلين بـ"القاعدة" و"طالبان"، بفرعيها، في مقابل طرفين صاعدين متمثلين بالحكومتين الباكستانية والافغانية مضافاً اليهما الدعم الأميركي على أنواعه.

التركيبة المحلية الباكستانية – الأفغانية، وتجاربها السابقة، توحي بأن "البقاء" هو في المعركة المطوّلة ليس لمصلحة وجود عسكري أميركي يحصي له الأميركيون أيامه، أو للديموقراطيتين الباكستانية والأفغانية المعوّقتين في حضور الراعي، فكيف يكون الأمر إذا بدا رحيله قريباً؟

في السنوات الأخيرة لرئاسة جورج بوش كانت هناك بذور تواجد لـ"القاعدة" في اليمن والصومال، وبعد كل الانجازات الأميركية في مكافحة الارهاب، في ظلّ شعارات الحرب أو "اليد الممدودة"، تزدهر هذه البذور اليوم، ويبدو اننا على مشارف ثنائية جديدة يمنية – صومالية، قد تنافس يوماً الثنائية الباكستانية – الافغانية، من دون نسيان أن "القاعدة" لم تجتث بعد من العراق.

كل هذا لا بدّ أن يعني عدم حساسية المكوّن الأساسي لـ"القاعدة" واشباهها، لاختلاف السياسات والشعارات بين إدارة اميركية وأخرى، وإذا كان أوباما يفضل عدم اللجوء الى صيغ الحرب العالمية على الارهاب، فإن خصمه لم يعدل في رؤيته للحرب نفسها، والتكيف الشديد لنشاط "القاعدة" وفروعها يوحي بأننا أمام ظاهرة لن تلفظ أنفاسها في مستقبل قريب.

يعقّد هذه الصورة بالنسبة الى الادارة الأميركية، أن ما تعتبره الشق الآخر من المواجهة من الارهاب، والذي كرّست له شعار مدّ اليد والاستعداد للانخراط في علاقات سياسية جديدة، هذا الشق يتدهور هو الآخر بتدهور العلاقات الاميركية – الايرانية.

لم نعد في مرحلة جسّ النبض، ولا في مرحلة انتظار ظهور النيات الحقيقية. فالعلاقة بين أوباما وإيران، أشهر التفاؤل المدروس لتدخل في مرحلة المواجهة، وإن كانت ملطفة ومطوّلة على طريقة أوباما الخاصة.

وما يزيد من تعقيد العلاقة الاميركية – الايرانية أن حسابات جديدة دخلت في اعتبار الطرفين نظراً الى الدور المحسوس الذي تؤديه المعارضة الايرانية والتي اثبتت أنها لم تعد ظاهرة مرهونة بحدث الانتخابات الرئاسية، مثلما لم يعد جمهورها مقتصراً على الاسلاميين الرافضين لنهج الولي الفقيه.

ولما كان للسياسة الايرانية، كما يراها الأميركيون، أوجه ارهابية بارزة، نووية واقليمية، فإن هذا الفرع يمكن ان ينضم الى الفرع الآخر في إثارة مناخ من الخطر الارهابي العام الذي سعى أوباما منذ البداية الى تحجيمه،

كمشهد قبل تحجيم قوته الواقعية.

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.