2010: عام الغموض والمفاجآت

0
83

في مثل هذه الأيام من عام 2009 كان باراك أوباما، الفائز في انتخابات الرئاسة الأميركية، يستعد لدخول البيت الأبيض في مستهل ولايته الأولى كرئيس للولايات المتحدة. ولأنه بدا مختلفاً عن كل من سبقه من الرؤساء الأميركيين، بالنظر إلى أصوله الإفريقية والإسلامية والظروف الاستثنائية التي أسهمت في صعود نجمه على مسرح السياسة الأميركية عقب تعثر مشروع المحافظين الجدد واندلاع أزمة مالية كادت تعصف بالنظام الرأسمالي كله، كان من الطبيعي أن يفجر انتخابه رئيساً لأقوى دولة في العالم آمالاً ضخمة داخل الولايات المتحدة وخارجها لإنقاذ العالم. غير أن هذه الآمال ما لبثت أن تبددت تدريجاً ليحل محلها شعور عام بالمرارة والقلق والخوف من المستقبل.

 

وعلى رغم قناعة الجميع بأن حقبة المحافظين الجدد ولّت إلى غير رجعة ولم يعد ممكناً العودة إلى ممارسة السياسات القديمة نفسها التي ارتكزت على القوة العسكرية كأساس وحيد لحسم الصراعات الدولية، إلا أن الثقة في قدرة أوباما على انتهاج سياسة بديلة اهتزت إلى درجة الانهيار، وهو ما يفسر غموض اللحظة الراهنة التي تبدو مفتوحة أمام كل الاحتمالات. صحيح أن أغلب المحللين السياسيين كانوا يدركون منذ البداية أن طريق التغيير لن يكون سهلاً، نظراً للتركة الثقيلة التي خلفها بوش والتي تحتاج إلى سنوات طويلة لمحو آثارها ولوضع أسس جديدة لسياسات بديلة أكثر فاعلية، غير أن النهج الذي سلكه أوباما في التعامل مع الملفات المختلفة للسياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً ما تعلق منها بقضايا الشرق الأوسط، لا يبشر بخير حتى الآن، ولا يوحي مطلقاً بحدوث تغير جذري في مضمون تلك السياسات.

 

ولا جدال في أن أوباما كان يدرك منذ اللحظة الأولى لدخوله البيت الأبيض مدى حاجة الولايات المتحدة لإدخال تغيير جذري على سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً ما يتعلق منها بالعلاقة مع إسرائيل التي حظيت على الدوام برعاية استثنائية جعلتها تبدو كطفل مدلل فسدت أخلاقه، وهو ما تأكد من إقدامه فور تنصيبه على تعيين جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً له ومطالبة إسرائيل بوقف كامل لأنشطتها الاستيطانية. غير أن وصول اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة نتانياهو إلى السلطة أربك خطط أوباما.

 

لم يتوقع أحد أن يدخل أوباما في صدام مباشر مع نتانياهو أو أن يطلب إشهار سلاح العقوبات الاقتصادية في وجهه، مثلما فعل بوش الأب مع اسحق شامير لإجباره على المشاركة في مؤتمر مدريد عام 1991. وكان هناك إدراك عام بأن للإدارة الأميركية الجديدة أولويات أخرى أهمها: الخروج من نفق الأزمة المالية والاقتصادية المظلم، وإقرار قانون جديد للتأمين الصحي، ووضع جدول زمني لانسحاب مشرف للقوات الأميركية المحاربة في العراق. لذا بدا كثيرون على استعداد لتفهم الأسباب التي دعت أوباما إلى الحذر والحرص على تجنب الدخول في صدام مبكر مع إسرائيل تجنباً لإثارة غضب الجماعات اليهودية النافذة في شرايين الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية للولايات المتحدة. ومع ذلك فقد اعتقد كثيرون أنه كان في إمكان أوباما اللجوء إلى وسائل أخرى كثيرة للضغط غير المباشر على نتانياهو، وذلك بالانفتاح على إيران وسورية، اللتين يحتاجهما لإنجاح خططه لانسحاب مشرف من العراق، والانفتاح على "حزب الله" و "حماس" أيضاً في إطار رغبته في تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي.

 

غير أن ما جرى بعد ذلك أثبت أن قدرة نتانياهو على توجيه الضربات الاستباقية أسرع وأكثر فاعلية من قدرة أوباما على ترتيب أوراقه الضاغطة. فما إن استشعر نتانياهو خطر العاصفة التي بدأ يستشعر رياحها تهب من ثنايا الخطاب الذي ألقاه أوباما في جامعة القاهرة حتى شرع على الفور في عملية تعبئة شاملة لجماعات الضغط اليهودية بهدف قطع الطريق على كل المحاولات الرامية الى تغيير مسار السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ويبدو واضحاً أن نتانياهو حقق نجاحاً فورياً منقطع النظير، بدليل تمكنه ليس فقط من إجبار أوباما على التراجع رسمياً عن موقفه المعلن من قضية الاستيطان وإنما أيضاً من عرقلة مساعيه الرامية الى الحوار مع إيران ومع "حماس". كما يبدو واضحاً أيضاً أن أوباما تعلم الدرس مبكراً وأصبح جاهزاً لرؤية الأمور بعقلية ومنطق الرئيس المنشغل ببحث السبل التي تكفل إعادة انتخابه لولاية ثانية، وليس بعقلية ومنطق الزعيم الباحث عن دور وعن مكانة في التاريخ.

 

لذا يبدو أوباما في موقف لا يحسد عليه. فهو، من ناحية لا يريد أن يُقدم خلال عام 2010 على أي خطوة من شأنها أن تؤثر سلباً في نتيجة الانتخابات التشريعية الجزئية التي ستجرى في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل أو في نتيجة الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في تشرين الثاني عام 2012، لكنه لا يستطيع، من ناحية أخرى، الاستسلام للأمر الواقع أو الاكتفاء برد الفعل تجاه ما قد يقدم عليه الفاعلون الإقليميون من خطوات أو مبادرات لتغييره.

 

والواقع أن تطور الأحداث في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن وغيرها فرض على أوباما زيادة الوجود العسكري الأميركي في بعض المواقع وفتح جبهات حربية جديدة في مواقع أخرى، ما جعل إدارته تبدو وكأنها تخوض "حرباً كونية أخرى على الإرهاب" ولكن بمفردات خطاب سياسي مختلف، وأغلب الظن أنه لن ينجح في تغيير صورة الولايات المتحدة. لذا تبدو قدرة أوباما على ضبط الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، ناهيك عن التحكم في مسارها، محدودة بالنظر إلى الأهداف المتعارضة التي يسعى اللاعبون الإقليميون الى تحقيقها، خصوصاً إسرائيل وإيران، أو إلى الخيارات التي يستطيعون اللجوء إليها.

 

فلا يوجد ما يشير، على سبيل المثال، إلى أن إيران ستغير من موقفها من المسألة النووية وربما يشتد إصرارها على التحكم في عمليات تخصيب اليورانيوم حتى لو لم تكن لديها أي نية لتصنيع أسلحة نووية. وعلى رغم أن النظام الإيراني بدأ يواجه تحديات داخلية حقيقية ومتزايدة، بسبب تداعيات أزمة الانتخابات الرئاسية التي عجز عن تصفيتها أو احتوائها، إلا أن هذه التحديات قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد من تشدده بل وقد تغريه باستخدام الأحداث الجارية كوسيلة لتصفية معارضة قد يسهل حينئذ وصفها بالعمالة، خصوصاً إذا راهنت إسرائيل والدول الغربية عليها وسعت لاستخدامها كأداة لتصفية النظام من داخله. ولأن المعارضة الإيرانية لم تبلغ بعد من القوة حداً يجعلها قادرة على إسقاط النظام بالاعتماد على قواها الذاتية، فقد يحاول النظام الاستفادة منها وتوظيفها كرادع نفسي وسياسي للحيلولة دون لجوء إسرائيل والولايات المتحدة الى استخدام القوة العسكرية. وأياً كان الأمر، ففي غياب عرض واضح من جانب الغرب يعترف لإيران بأهليتها في ممارسة دور القوة الإقليمية، وهو أمر لا يبدو وارداً حتى هذه اللحظة وترفضه إسرائيل بشدة، فمن المتوقع أن تمضي إيران قدماً في تنفيذ برنامجها النووي وأن تحرص على تمسكها بالمحافظة على حلفائها في المنطقة، خصوصاً سورية و "حماس" و "حزب الله"، مهما كانت التكلفة السياسية أو المادية.

 

أما إسرائيل، فمن الواضح أن حكومتها اليمينية المتطرفة بقيادة نتانياهو تنظر إلى إيران باعتبارها أكبر مصدر لتهديد أمنها الوطني وترى فيها خطراً ليس على أمنها فقط وإنما على وجودها ذاته، ومن ثم تميل بطبيعتها الى استخدام القوة المسلحة في مواجهتها. في الوقت نفسه لا تبدو إسرائيل راغبة في، أو قادرة على التقدم بعروض جادة لتسوية لأزمة الشرق الأوسط تسمح بتحقيق اختراق يساعد على تقوية السلطة الفلسطينية ومعسكر المعتدلين العرب. ولأن غياب التسوية يشكل بيئة مثالية لنمو وانتشار التطرف ولا يساعد الولايات المتحدة أبداً في حربها على الإرهاب، فليس هناك ما يمكن حكومة نتانياهو أن تقدمه سوى المماطلة وكسب الوقت. لذا نتوقع أن تبذل هذه الحكومة خلال المرحلة المقبلة كل ما في وسعها لدفع السلطة الفلسطينية للجلوس مرة أخرى على مائدة "التفاوض من أجل التفاوض"، أملاً في كسب وقت تحتاج اليه لتهيئة الظروف المواتية لضرب وتصفية إيران وحلفائها.

 

فإذا انتقلنا إلى العالم العربي، فسنجد أنه يعيش حالاً من فراغ القوة لا نظير لها في تاريخه. فلم تعد له قضية مركزية توحده بعدما دبّ الانقسام بين أصحاب القضية أنفسهم ورفعوا السلاح ضد بعضهم البعض، واندلعت حروب أهلية داخل معظم دوله، خصوصاً في العراق والسودان والصومال واليمن وغيرها. أما من نجا من أتون الحروب الأهلية فيعيش حالاً قاتمة من عدم الاستقرار السياسي أو الاجتماعي أو يبدو مشتبكاً في منازعات وتوترات مع جيرانه. لذا لا تبدو أي دولة عربية بمفردها، أو مجموعة منها أو الجامعة العربية ككل، في وضع يسمح لها بأخذ زمام المبادرة في أي من الأمور التي تهم المنطقة. وبينما فضلت أو اضطرت بعض الدول العربية الى الانطواء على نفسها والتفرغ لشؤونها ومشكلاتها الداخلية، راح بعضها الآخر يحاول تعويض عجزه بالتحالف الصريح أو الضمني مع دول غير عربية وأحياناً على حساب المصالح العربية العليا.

 

أما تركيا، فتحتل في المرحلة الراهنة موقعاً فريداً ومتميزاً جداً على المسرح الإقليمي إلى درجة أنها تبدو الدولة الوحيدة القادرة على التحرك المستقل في الاتجاهات الأربعة كافة، وترتبط بعلاقات ودية مع جميع الأطراف المتصارعة. ففي الوقت الذي تمكنت فيه من بناء علاقات متميزة مع كل الدول العربية، بما فيها سورية، لا تزال تركيا ترتبط بعلاقات قوية جداً مع الولايات المتحدة ومع إيران وإسرائيل، ما يؤهلها للعب دور الوسيط النزيه في أزمات كثيرة في المنطقة بما فيها الصراع العربي – الإسرائيلي. ولأن الأوضاع الراهنة في المنطقة غير قابلة بطبيعتها للدوام، يبدو عام 2010 مرشحاً ليصبح عام الحسم بالنسبة الى ملفات كثيرة مترابطة، خصوصاً ملف إيران النووي وملف الصراع العربي – الإسرائيلي.

 

لا جدال عندي في أن إسرائيل ستبذل كل ما في وسعها لدفع الولايات المتحدة لمشاركتها في توجيه ضربة عسكرية لإيران أو النزول بثقلها كله وراء ما يسمى بالقوى الإصلاحية لتغيير نظام "ولاية الفقيه". لكنها تدرك أن ذلك لن يكون ممكناً قبل أن تتمكن من حقن العالم العربي بحقنة مخدرة أخرى من خلال "عملية تفاوضية جديدة". وربما ينتهي أوباما بقبول هذا الخيار حفاظاً على فرصه بالفوز بولاية ثانية. ومع ذلك فليس من المستبعد أبداً، إذا تبينت على نحو قاطع استحالة توجيه ضربة عسكرية أو إسقاط النظام الإيراني من داخله، أن يضطر الفرقاء لإبرام صفقة مع إيران. وفي كل الأحوال فسيكون النظام العربي هو الخاسر الأكبر.

 

لذا يبدو الغموض هو السمة البارزة بالنسبة الى عام 2010 والذي قد يأتي معبّأً بكل أنواع المفاجآت حتى ولو كانت أكثرها جنوحاً.

 

* كاتب مصري

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.