مأزق قادة إيران الجديد

    0
    82

    مرة أخرى، تثير الاضطرابات التي اجتاحت إيران خلال الأيام القليلة الماضية الشكوك بشأن استمرار الجمهورية الإسلامية، حيث تبدو الأحداث الأخيرة في إيران مشابهة إلى حد بعيد الأحداث التي واكبت الثورة والإطاحة بالشاه. فعلى نحو مفاجئ واجهت الطغمة الحاكمة من رجال الدين، المنقسمة على نفسها والمفتقدة للشرعية، التي يقودها رجال متشددون ومترددون في الوقت ذاته معارضة لا يمكنهم فهمها على نحو تام. لكن لا يزال من السابق لأوانه الزعم بزوال فوري للنظام القائم. ربما تكون إيران قد دخلت في الوقت الحالي فترة ممتدة من الفوضى والعنف. بيد أنه في أعقاب الاضطرابات الأخيرة يبدو من الواضح أن عمر الجمهورية الإسلامية في تراجع كبير.

     

    وبالنظر إلى الأحداث السابقة، كان قرار النظام رفض أي محاولة للتسوية مع الجماهير الغاضبة في أعقاب الانتخابات الرئاسية المزورة أكثر قرارات النظام أهمية وكارثية، فالمطالب المتواضعة لرموز المؤسسة الحاكمة من أمثال علي أكبر هاشمي رافسنجاني التي تضمنت إطلاق سراح السجناء السياسيين واستعادة ثقة الجماهير (عبر وسائل كاحترام سيادة القانون وحرية الإعلام) تم رفضها من قبل النظام المتغطرس الذي يبدي ثقة كبيرة في قوته.

     

    أما النخبة التي تحررت من وهم الثورة والمتظاهرون الذين نزلوا إلى الشارع فكان بالإمكان توحيدهم وإخماد حدة غضبهم عبر تعهد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بأن تكون الانتخابات القادمة حرة ونزيهة لتشكيل حكومة أكثر شمولية أو لقيود تفرض على امتيازات الرئيس محمود أحمدي نجاد. واليوم سينظر لهذه الامتيازات على أنها نوع من الضعف تزيد من جرأة المعارضة ولم يعد للنظام مخرج من مأزقه الحالي. من المفارقة أن هذا الأمر ذاته كان مأزق الشاه، حيث قدم تنازلات في مرحلة متأخرة في محاولة منه لتعزيز سلطته وتوسعة القاعدة الاجتماعية لحكومته.

     

    المفارقة الأخرى هي أن الجمهورية الإسلامية اليوم يقودها سياسي متذبذب مثل الشاه السابق. فموقف التحريم الذي ينتهجه خامنئي يخفي وراءه شخصية مترددة،، فقد بدا الخميني مترددا في الأمر بفرض إجراءات تعسفية تتضمن إعدامات من دون محاكمات وإطلاق رصاص عشوائي على الآلاف من المحتجين. ومن غير المعروف ما إذا كانت قوات أمن النظام تمتلك العمق الاستراتيجي والرغبة في الاشتراك في مثل هذا الأمر. نتيجة لذلك فضل النظام اختيار سياسة الاحتواء، وأطلق ميليشيات الباسيج لضرب المتظاهرين والاعتداء عليهم مع اعتقال كثير من مناصريه السابقين. بيد أن ذلك لم يفشل في تهدئة المظاهرات فقط، لكنه قوض أيضا التماسك بين قوات الأمن الذين يضطلعون بمهمة تضعف معنوياتهم من المواجهات المستمرة مع أبناء بلدهم.

     

    ومع استمرار الحركة في تحدي السلطات، يتوقع أن تصبح أكثر راديكالية، وقد اتضح هذا التحول بالفعل، إذ تبدلت شعارات بعض المتظاهرين من المطالبة بنزاهة التصويت إلى رفض المؤسسة الإسلامية ككل.

     

    وعلى عكس عام 1979، امتلكت الدولة الدينية اليوم رفاهية مواجهة حركة المعارضة غير المترابطة والمفتقرة إلى قادة بارزين. ويبدو أن مرشحي الرئاسة أمام أحمدي نجاد مثل مير حسين موسوي ومهدي كروبي باتوا أشبه بمراقبين مثيرين للفضول أكثر منهم عقولا مدبرة للأحداث الأخيرة. بيد أن ذلك يجب ألا يكون مصدر ارتياح للنظام، لأنه كلما طال عمر المعارضة فمن المتوقع أن تنتج قادتها. الملمح الأكثر بروزا بشأن الأحداث الأخيرة في إيران هو قدرة المعارضة على دعم نفسها لتوليد مسيرات ضخمة على الرغم من عدم وجود شبكة عمل مؤسسي قومية أو قادة يتمتعون بالكاريزما وآيديولوجية واضحة.

     

    وبعبارة أخرى، فإن النظام الإيراني وقع في مأزق ولن يكون بمقدوره تهدئة المعارضة أو منعها من الوجود.

     

    وفي الوقت الذي تصارع فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها إيران بشأن برنامجها النووي، سيكونون من الحكمة بحيث يدركون التغير في السياق الذي ستصوغ به سياستها.

     

    يجب على إدارة أوباما أن تتعلم درسا من إدارة ريغان وتحديها الدائم لشرعية نظام الدول الدينية وإبراز انتهاكات حقوق الإنسان، فالانطباع بأن اللغة القاسية ستحول دون التوصل إلى اتفاق نووي أمر مجاف للصواب تماما. في هذه النقطة، فإن السبب الوحيد لإمكانية قبول طهران باتفاق حول البرنامج النووي هو تخفيف الضغوط الدولية عليها خلال تعاملها مع العصيان الداخلي. وحتى إذا ما توافق النظام مع المطالب الدولية بشأن برنامجه النووي، فيجب على الولايات المتحدة أن تقف بحزم لدعم حقوق الإنسان والضغط الاقتصادي ضد الحرس الثوري وأدوات القمع. ويجب على قادة طهران الدينيين أن يعلموا بوضوح أن إدارة ريغان لم تبد ندمها بشأن وصم الاتحاد السوفياتي بإمبراطورية الشر في الوقت الذي كانت تتفاوض فيه حول معاهدات الحد من السلاح مع الكرملين. والجمهورية الإسلامية مثل الكرملين. الجمهورية الإسلامية في مرحلة تحولية مثل الاتحاد السوفياتي. اعتناق أميركا للسيادة الفردية سيضعها على الجانب الصحيح من التاريخ لأن فرص التاريخ تتغير بصورة حتمية.

     

    * زميل بارز بمجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب «الحرس الثوري: إيران والعالم في عصر آيات الله».

     

    * خدمة «واشنطن بوست».

     

    خاص بـ«الشرق الأوسط».

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.