لا حلّ في "الإسلام هو الحلّ"

    0
    76

    في إطار التعليقات على مقالتي الأخيرة، (هل بقي لنا خيار غير الثورة) طرح أحد القراء سؤالا حول موقفي من الإسلام ملاحظا تناقضات بين النَفَس الوطني و"الغمز من قناة الدين".

    يمكن الالتفاف على السؤال المحرج، لكن أليس دور المثقف والسياسي، أمام الأخطار التي تتهدد الأمة، تحمل مسؤوليته ولو كان الثمن شعبية رخيصة ؟ نعم أنا من المؤمنين أن الموضوع ليس الذي طرحه صديق النضال الشيخ راشد الغنوشي، أي ما الشروط المطلوبة لكي يكون الإسلام هو الحل (ترافقه مع الحرية مثلا)، وإنما هل يمكن الإسلام أن يكون حلا أيا كانت الشروط… وردي بالنفي القاطع.

    فرصة إذاً لطرح أضخم إشكالية نواجهها في هذا العصرالمفصلي مع التنبيه على أنه وإن تعوّنا على النقد من الحاقدين على الأمة والخارجين من منظومتها، فإن علينا التعوّد على نقد قاس يأتي من داخل هذه المنظومة ومن باب الحب لها والغيرة عليها.

    لنبدأ أولا بالتنبيه أن هناك كلمة مسقطة في الشعار الشهير وأن الوضوح يقتضي كتابته "الإسلام السياسي هو الحلّ" حيث لا يمكن أسلمة المجتمع إلا بالتمكّن من السلطة بدءا بالجوامع في انتظار القصور. المقصود في المقال إذن ليس الاسلام بما هو دين وإنما مشروع تنادي به حركات عقائدية تجمع رغم طيفها الواسع تحت يافطة واحدة هي "الإسلاميون"، وتؤمن بوجود أجوبة في القرآن والسنة عن كلّ مشاكلنا وتنادي بتطبيقها لحلّها نهائيا

    لنبدأ بالتذكير بالأزمات التي تغرق الأمة يوما بعد يوما في مستنقعاتها وهي أربع:

    الأزمة الروحية والأخلاقية ومن أهمّ ظواهرها بروزالانتحاريين وارتفاع نسب الانتحار والجرائم البشعة والإدمان واستشراء اليأس وفقدان الثقة بالنفس والاحترام الذاتي.

    الأزمة الاقتصادية: هي التي تصف آثارها كل تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية من فقر وبطالة وجهل وهجرة الخ…

    الأزمة السياسية: إنها تتلخص في خصخصة الدولة من قبل عائلات وعصابات تدير الوطن كمزرعة.

    الأزمة البيئية: لا ننتبه إلا نادرا الى درجة تلوث مدننا وتبعاته. لكن اللاوعي بما تخبئه الأقدار أعظم حيث يجهل معظم العرب أنه نتيجة الاضطراب المناخي الخطير سيتفاقم الجفاف والتصحر وسيتزايد شح المطر وقد تنهار الزراعة تماما في أجل يقدّر بثلاثين سنة. وحيث لن تقبل أي من الدول المنتجة تصدير حبة قمح نظرا الى عالمية الأزمة، فإنها المجاعة المؤكدة. أضف إليها العطش وانفجار الحروب على الماء بين شعوب المنطقة والحروب الأهلية على موارد متصاعدة الندرة، ناهيك عن عودة الأوبئة في ظل انهيار النظام الصحي… كل هذا يعني ببساطة أن السؤال هو: هل مجتمعاتنا مهددة بالتفكّك؟

     

    • • •

    لنتناول الآن هذه الأزمات متسائلين كيف يمكن الإسلام – أي مرة أخرى المشروع السياسي للإسلاميين – أن يكون لها حلاّ.

    1- بديهي أن الأزمة البيئية المهددة للوجود البشري هي نتاج حزمة أسباب متداخلة كتكنولوجيا قديمة، ونظام اقتصادي مجنون، وعادات استهلاكية فرض نمطها غرب غني ومتعجرف يحاول الصينيون والهنود وبقية البشر تقليده وهذا فوق إمكانات الكوكب.

    يجب أن يكون للمرء قدر كبير من الفكر السحري لكي يتصور أن للإسلام أي دور في حلّ أزمة كهذه. هل ستحمينا إقامة الحدود في كل مكان من جفاف الأنهار وزحف الرمال؟ هل ستؤدي تغطية كل الرؤوس إلى انتهاء الاحتباس الحراري وتوقف نفث غاز ثاني أوكسيد الفحم في السماء؟ أليس المسلمون أضعف طرف في هذه القضية سواء تمسكوا بدينهم أكثر أم لم يتمسكوا لأنهم ليسوا من يلوثون وليسوا من القادرين على منع التلويث؟ أما القرارات المصيرية التي ستؤخذ في اتجاه أو آخر، فستكون، لا بدفع عقيدة أيا تكن وإنما نتيجة صراع المصالح بين الأمم الكبرى، وعلى كل حال فالوضع لا يقبل انتظار انتصار الإسلاميين في دار الإسلام وخارجها لأن الكارثة ستكون قد تمّت قبل ذلك بكثير.

    2 – للأزمة الاقتصادية التي نغرق فيها مستوى عالمي وهيكلي نتيجة مرور البشر من مليارين إلى ستة مليارات في أقل من خمسين سنة، وطبيعة نظام اقتصادي عالمي تحكمه ليبرالية مجنونة تكدس ثروات مخزية على حافة، وفقراً كافراً على الحافة المقابلة، والهوة تتسع يوما بعد يوم.

    يحدثونك هنا عن المصارف الإسلامية كحلّ لأزمة النظام المصرفي. يا للسخرية وهم يتناسون أولا أنها جزء هامشي جدا من النظام المجنون نفسه. إن شجرة منع الربا تحجب غابة مصدر الأموال، أو مراكز القرار في بورصات لندن وشنغهاي ونيويورك. في هذه الحالة كيف يمكن تصور قيام اقتصادات مستقلة وبأي عصا سحرية سيوفر الإسلاميون الشغل لملايين العاطلين بين عشية وضحاها ؟

    لقائل أن يقول بوسعهم الحدّ من الفساد وهو أكبر عوامل الفقر والتخلّف عندنا. هذا يتطلب أن يضعوا حدا لأنظمة الاستبداد التي نعيش في ظلها ومنع تكرارها إن وصلوا الى الحكم.

    لنتفحص قدرتهم على أن يكونوا الحلّ للأزمة الثالثة.

    3- خلافا للمستوى البيئي والاقتصادي حيث لا شيء غير أفكار ضبابية ووعود هلامية، فإننا نتوفر هنا على تجربة تاريخية ثمينة لنقوّم جدّية الشعار والمشروع.

    ليس لنا تاريخ موازٍ دون "صحوة" إسلامية لنقارنه بواقعنا الذي شهد الظاهرة، ومن ثم لا يحق لنا منطقيا القول إن هذه "الصحوة" شكلت كبوة أوقفت النمو الطبيعي لمجمعاتنا نحو الديموقراطية، لكننا نستطيع بالتأكيد القول إن الأخيرة لم تفشل فقط في استئصال الاستبداد بعد أكثر من نصف قرن من ظهورها بل هي اليوم من أكبر عوامل انتصاره ودوامه.

    كيف؟ بثلاث آليات.

    أ – لم تؤدِّ "الغزوات" الخارجية للشق المسلّح من الطيف الإسلامي كإعتداءات نيويورك ومدريد ولندن إلا الى تأليب الرأي العام الدولي على العرب والمسلمين وزيادة صعوبة عيش الملايين في الغرب. كما أعطت، هي والثورة المسلحة داخل الأوطان، شرعية داخلية وخارجية شكلت دعما هائلا للمستبدين ومكّنتهم من التواصل تحت ستار الدفاع عن الاستقرار ومقاومة الإرهاب.

    ب – بحجة الإصلاح والوسطية، قبلت أحزاب الشق المعتدل دخول بعض "برلمانات" الديكتاتورية دون أدنى نتيجة بخصوص تليين الاستبداد فما بالك بوضع حدّ له، بل أصبحت، شاءت أم أبت، جزءا من ديكور النظام البغيض.

    ج – يبقى الجزء الدعوي الرافض للسياسة. إنه يملأ المساجد بإفراغ ساحات التظاهر وهو الأمر الذي يتماشى تماما مع مصالح العصب الحاكمة ولسان الحال يقول صلوا وتعبدوا ما شئتم، لنا الدنيا ومرحى لكم الآخرة.

    هذا عن أداء الإسلاميين وهم في المعارضة، انظر الآن الى ما قدموه وهم في السلطة؟ هل قضى الحكم باسم الاسلام على الاستبداد وآفاته؟

    ما لا يقبله العقل العربي إلى اليوم أن الإسلام لم يروّض السياسة ولن يروّضها – بما هي صراع بين الأفراد والجماعات على النفوذ والثروة – وإنما السياسة هي التي روّضت الإسلام على الدوام واستعملته كغطاء (إنها الظاهرة نفسها التي اكتوت بها المسيحية). و القانون سارٍ مفعوله من معركة الجمل إلى معارك الميليشيات الإسلامية في أفغانستان التسعينات والكل يجذب غطاء الدين والنتيجة تمزيقه إربا إربا.

    4- أخيرا لا آخرا وبخصوص الأزمة الأخلاقية. بديهي أن التوجه الى الناس بالموعظة في الجوامع لإصلاح الأخلاق العامة والخاصة هو هروب من مواجهة حقيقة أن نظامنا السياسي هو أكبر مصدر للفساد والتواكل والمحسوبية ومن يتعهد الجبن والانتهازية ويحارب بلا هوادة الصدق والشجاعة والأنفة.

    بديهي أن المدخل للتغيير الجذري للأخلاق هو إعادة هيكلة الدولة وفق قواعد النظام الديموقراطي وقيم حقوق الإنسان وآنذاك يمكن الوعاظ أن يتدخلوا لتقوية التصرفات الجديدة وهم على ثقة أنهم يسبحون مع التيار لا يجدفون ضده كما هي الحال اليوم.

     

    • • •

    هنا يمكن القارىء الصراخ في وجهي: أي بضاعة تحاول تسويقها؟ ما الحل إذن؟ الديموقراطية؟ الشيوعية؟ العلمانية؟ القومية؟ الليبرالية؟

     الردّ: لا شيء من كل هذا ولا حتى أكل البصل بالعسل.

     ما يجب أن يقبله اخيرا العقل العربي أننا أمام وضعية اجتماعية ودولية تتسم بخاصيتين لا أمل ولا قدرة لأحد بالخلاص من أي منهما.

    1 – التعقيد المخيف للمشاكل: نحن أمام مجمّع الأزمات الأربع بكل عواملها وبتداخل هذه العوامل، كعميان الأسطورة الهندية الذين اعترضهم فيل، فقال الذي أمسك منه الأذن أن الحيوان ورقة ضخمة من الجلد الخشن والذي أمسكه من الناب أنه قطعة من الخشب الأملس ليصرخ كل ممسك بقائمة أن الحيوان عمود ضخم.كيف يمكن لمن لا يرى من أي مشكلة إلا جزءا بسيطا منها أن يحلها ؟

    2 – التعددية المتصاعدة: إن المجتمعات مكونة من قديم الزمان من شرائح وطبقات ومصالح ورؤى مختلفة. لكن الظاهرة بصدد التفاقم بحكم انتشار التعليم والوعي وتصاعد مطلب كل الفصائل الاجتماعية باحتلال مكان تحت الشمس. بديهي أن أي حزب عقائدي، أي أحادياً بطبيعته، غير مؤهل لقيادة مثل هذه المجتمعات. إلا بتجاهل أو قمع هذه التعددية أي بالعنف بكل مضاعفاته المعروفة. نعرف أن التداول على السلطة يكون عنفا في الديكتاتورية وسلما في الديموقراطية، لكنه حتى في هذه الأخيرة مبني على الوصاية والإقصاء. والحال أن طبيعة المشاكل والمجتمعات تتطلب اليوم وضع حد نهائي لأي صنف من الوصاية وأي نوع من الإقصاء لتتضافر كل الجهود في عملية المواجهة مع أخطار تجاوزت قدرة التعامل لأي طرف لوحده.

    المستقبل للتعددية الوطنية، إذا بقي مستقبل، لا للوحدة الوطنية المغشوشة على الدوام.

    المشكلة أن لنا أربعة تيارات سياسية (الإسلامية والليبرالية والقومية والاشتراكية) وكل واحدة تدعي أنها تفهم الأزمات أحسن من غيرها وتملك لها الحلّ الصحيح، وكل تيار يقصي بقية التيارات أو على الأقل يحاول تهميشها لكي تبقى الكلمة الأخيرة له. ما يفرضه التعقيد والتعدد هو عكس هذا تماما، حيث "الحلّ" أن تتواجه كل الأطراف السياسية، ومنها الإسلامية، لتقول لبعضها البعض: تعالوا نحلل موضوعيا الكوارث التي نتخبط فيها والكارثة العظمى التي تتهدنا، لنتبادل الرأي والخبرات وتكوين فكرة موضوعية عن طبيعة الفيل الذي نمسك كل طرف بطرف منه. تعالوا نبني معا جبهات سياسية لاجتثاث النظام الاستبدادي ومنع تجدده بما هو أسّ البلاء وبعدها نبني حكومات تعددية وطنية توفّر على المجتمع حكم الأجهزة وامتلاء السجون وهجرة العقول. بعدها نذهب الى العالم الواسع بكل أطيافه لنلعب دورنا مع كل الشعوب والأمم على اختلاف أديانها للبحث عن حلّ جماعي لتسارع غرق المركب الذي يحملنا جميعا. إنه بالضبط التوجه الذي اعتمدته حركة العدالة والتنمية التركية وهو سرّ نجاحها. لذلك يجب أن يثير فينا كل إدعاء بأن أحدا أو حزبا يعرف الحلّ ويملكه دون غيره الشك في مستواه الفكري وسلامته العقلية وحتى في نزاهته الأخلاقية.

     

    • • •

    والإسلام ليس فقط طريق الأمة إلى القمة وإنما الزاد الذي يعيننا على أحواله وأوحاله. هذا الزاد ليس وصفات سحرية يبيعها مغرورون لسذّج، أو سذّج لمخدوعين، وإنما قيم." إنا كرّمنا بني آدم "… "اعملوا وسيرى الله…"…"لا يغير الله ما بقوم…"، حدث ولا تسل عن صرخة عمر والأمر الذي تنضح به : "متى استعبدتم الناس"؟

    من أحرى منا بالتوجه الى الآخرين قائلين تعالوا ننقذ معا هذا الكوكب الجريح نحن الذين تعلمنا من الإسلام أن "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا". ألا تجعل هذه الآية الكريمة كل إنسان، مسلما أو غير مسلم، الممثل الشرعي والوحيد للإنسانية الجمعاء؟ هل ثمة ذهنية أسلم للتعامل مع كارثة بيئية لا تفرق بين مسلم وغير مسلم ولا حل لها إلا بتضافر جهود الأول والثاني.

    أما حل كارثة الاحتلال الداخلي فهو الآخر لا يكون إلا كمشروع جماعي لا يفرق بين إسلامي وعلماني. أن يكون لشيوعي مخلص مرجعيته العقائدية، لمَ لا مادام الهدف واحد والمصالح جامعة؟ المهم أن يكون للمسلم فهم أعمق لمرجعيته هو. قد تكون الفرضية مغلوطة أو جسورة لكنني لا أرى سببا للانتشار السريع للإسلام في بدايته غير شعائرذهبت بثوريتها إلى أبعد حدّ وربما أثارت تعجب وإعجاب من شاهدوها لأول مرة. تصوروا دهشة الفرس والهنود والصينيين أمام صلاة المسلمين: صفا واحدا الرؤوس مرفوعة تنبئ عن أنفة الإنسان. تخيلوا ذهولهم وهم يرونهم يخرون ساجدين لا لملك كما يجبرون عليه وإنما لملك الملوك ولفكرة ومبدأ…وصاحب الأمر واقف يخرّ معهم ساجدا.

    كم من مسلمين يسجدون بأجسامهم لله وبأرواحهم لطغاة تخلصت منهم معظم الشعوب.

    الحل إذن ليس في الإيحاء بوجود وصفات جاهزة يملكها طرف دون آخر وإنما في ثورة ذهنية تنقلنا من العقائدية إلى البراغماتية، من العقلية السحرية إلى العلمية، من التبسيط إلى الوعي بالتعقيد الهائل للعالم، من المحاولة البائسة لفرض الأحادية إلى القبول الصادق بالتعددية، من التكبّر إلى التواضع لكننا لسنا "روبوات" نتحرك فقط بالأفكار المجردة. نحن بحاجة لثورة روحية وهذه خزانها عندنا نحن المسلمين الأوامر والقيم لدين سنّ من بين ما سنّ من مكارم الأخلاق والتصرفات أنه لا إكراه في الدين.

    لا، الإسلام ليس الحلّ… هو الدعامة الروحية للوصول إليه.

    "النهار"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.