تركيا .. عام الانفتاح على الأكراد والأرمن

0
95

الانفتاح على الاكراد والارمن لا يزال جاريا في حين ان انقره تعزز علاقاتها، في ما يتعلق بالسياسة الخارجية مع الدول العربية في الشرق الاوسط. ويبدو ان حكومة رجب طيب اردوغان التي تتهمها المعارضة بأنها ذات توجه اسلامي، مصممة، على الرغم من تراجعها ثماني نقاط في الفترة الاخيرة، على نشر "الديموقراطية على الطريقة التركية" ضد العسكريين والانقلابيين وانصار كمال اتاتورك. وإذا اعتبر العام 2009 امتحاناً صعباً لأنقره، فإن تحديات العام 2010 لن تكون أقل صعوبة.

لم تكن بداية العام 2009 سهلة لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان. فالمحكمة الدستورية رفضت حظر الحزب الحكومي، الا انها فعلت ذلك بعدما وصفته في تموز (يوليو) 2008 بأنه "مركز النشاطات ضد العلمانية".

بدأت الحملة الانتخابية في كانون الثاني (يناير) 2009 تمهيدا للانتخابات في آذار (مارس) وحقق "القائد الكبير" اردوغان مشهدا سياسيا اعلاميا في دافوس في سويسرا خلال المنتدى الاقتصادي العالمي حين ألقى مداخلة غاضبة ضد الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس، متهماً بيريس علنا بأنه قاتل اطفال غزة. وسرعان ما تحول أردوغان بفضل حملته المركزة على السياسات الإسرائيلية الى بطل كبير في العالم الاسلامي.

هذه الشعبية في مدن وقرى الشرق الاوسط كان لها الكثير من الاصداء في عواصم الدول الاسلامية وكذلك في صفوف الناخبين الاتراك. وإن كان حزب العدالة والتنمية تراجع ثماني نقاط بعد الانتخابات في اذار (مارس) 2009.

واتهمت المعارضة البرلمانية المؤلفة من الاشتراكيين الديموقراطيين القوميين (الحزب الجمهوري الشعبي) والقوميين المتطرفين (حزب العمل القومي) بدعم غير مباشر من القوات المسلحة، الحكومة بارتكاب مخالفات مالية وتعيين مسؤوليها غير القادرين في مناصب أساسية وبالمحسوبية في السياسة الداخلية. واصدرت احدى المحاكم الالمانية قرارا اتهمت فيه منظمة "دنيز فينيري" غير الحكومية التركية الناشطة في اوروبا وفي البلاد باختلاس ملايين اليورو والمساعدات الانسانية لمصلحة صندوق حزب العدالة والتنمية الحاكم وشبكة تلفزيونية مقربة من السلطة. وتبوأ غالبية الكوادر والمسؤولين في بلدية اسطنبول في عهد رئيسها رجب طيب اردوغان (1994) ومنذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، مناصب وزارية او عينوا مدراء عامين في الادارة المركزية. ومثال على ذلك تعيين مدير الباصات البلدية رئيسا لمجلس ادارة الخطوط الجوية التركية. وعين أحد الائمة أخيرا مديرا لاوبرا اسطنبول.

"العثمانية الجديدة"

اما بالنسبة الى السياسة الخارجية، فان حزب العدالة والتنمية، ورغم انه في البداية، اي في مطلع العام 2002 اختار بوضوح الاتحاد الاوروبي، الا انه أجرى تعديلاً بارزاً عام 2009 وراح يكثف علاقاته بالعالم العربي الاسلامي، محاولا في الوقت نفسه الابقاء على علاقات طيبة بواشنطن.

وحين اختار الرئيس باراك اوباما في نيسان (ابريل) 2009 تركيا أول بلد اسلامي لزيارته خلال جولته، قدم الحزب الحاكم نفسه صورة نموذجية لمجمل العالم الاسلامي. وقال خبراء اميركيون ان "تركيا تمكنت من المصالحة بين الاسلام والديمقوقراطية". ووجد المعارضون ان "العدالة والتنمية" حزب يدعي انه اسلامي، في حين أنه مقرب من الاميركيين، ما يُشير الى تجاهل متعمد لسياسة أنقرة الجديدة المتحررة من الضغوط الأميركية، خصوصاً في الشرق الأوسط.

"العثمانية الجديدة" هي آخر تعبير لوصف السياسية الخارجية التركية. فوزير الخارجية الجديد أحمد داوود اوغلو المنظر الإيديولوجي لاستراتيجية حزب العدالة والتنمية يرغب في اعادة القوة الاقليمية وحتى العالمية للحقبة العثمانية الى تركيا الحالية. ويقول ان "تركيا بلد محوري وله عمق استراتيجي" وليس لديه اي مشكلة مع جيرانه. وبالفعل اعطت العلاقات الجيدة مع سوريا والعراق وإيران وأرمينيا والاردن نتائج جيدة في العام 2009: الغاء التأشيرة بين تركيا وسوريا، اضافة الى الاردن، وبروتوكول يهدف الى اقامة علاقات ديبلوماسية مع ارمينيا وقع في تشرين الاول (اكتوبر) 2009، والتقدم الى واجهة الصراع العربي الإسرائيلي عبر التصدي للسياسات الإسرائيلية العدوانية.

خسرت الديبلوماسية التركية الجديدة بعد دافوس ثقة تل ابيب، ولكنها ما زالت تطمح الى تجديد دور الوساطة بين سوريا واسرائيل، وهي تواجه منافسة فرنسية في هذا الشأن. وكانت تركيا ترغب ايضا ان تقوم بدور الوساطة بين طهران وواشنطن في شأن الملف النووي لكن يتعين على الأميركيين والإيرانيين أن يظهروا أنهم يعولون فعلاً على انقره للعب دور الوساطة بشكل فاعل.

اما الحدثان الاساسيان اللذان طبعا العام 2009 فكانا انفتاح الحكومة التركية على الاكراد والارمن.

القضية الارمينية تستند الى احداث 1915 خلال المرحلة الأخيرة من تفكك الإمبراطورية العثمانية. ويطلق غالبية الارمن اي جمهورية ارمينيا والشتات الارميني في العالم وغالبية الرأي العام للدول الغربية اسم "ابادة" على تلك الاحداث. لكن التسمية التركية الرسمية هي "ابعاد السكان الارمن من الاناضول لتواطئهم مع العدو" الروسي المندفع من منطقة القوقاز. وعلى المستوى الديبلوماسي اعترفت تركيا نظريا بجمهورية ارمينيا الفتية التي اعلنت رسميا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لكن العلاقات الديبلوماسية لم تقم بين البلدين والحدود التركية الارمينية بقيت مغلقة. وبعد مفاوضات شاقة طويلة وسرية، باشراف النروجيين، اتفقت العاصمتان أخيرا على التوقيع على بروتوكول في تشرين الاول (اكتوبر) الفائت في زوريخ ينص على فتح سفارتين في البلدين وفتح الحدود. وقد دعمت واشنطن وموسكو وبروكسل وباريس بشكل ملموس هذه المبادرة.

شجاعة أردوغان

اما في ما يخص المشكلة الكردية التي لا تزال من دون حل منذ العام 1925 تاريخ الثورة الاولى للاكراد الاتراك ضد السلطة التركية المركزية، فقد كان للحزب الحاكم الشجاعة، رغم العوائق التي وضعها العسكريون والاوساط التقليدية الذين يؤيدون استمرار الستاتيكو ويعارضون أي بادرة ديموقراطية. فاللغة الكردية التي حظرت لفترة طويلة استعادت حريتها ومكانتها في المؤسسات التعليمية وحياة الاكراد وحتى على أثير الاذاعة والتلفزيون الرسميين. واستعادت القرى الكردية التي كانت تحولت اسماؤها الى اسماء تركية، اسماءها الحقيقية الاصلية. وبدأت تركيا أخيرا اقامة علاقات جوار متطورة مع ادارة الحكم الذاتي في كردستان العراق الذي لم تعترف به اي حكومة تركية لزمن طويل. ولوضع حد للنشاطات الارهابية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني الذي ينشط عسكريا ضد السلطة المركزية منذ العام 1984 والذي يدعو الى جمهورية ديموقراطية تركية كردية، خطت الحكومة التركية خطوات خجولة لاعلان هدنة محدودة. الا ان المؤسسة العسكرية والاوساط القومية تضع عراقيل كبيرة امام الحكومة، لمنعها من التقدم على طريق التسوية السياسية للمسألة الكردية المزمنة في البلاد.

إنقلاب أرغنكون

اما الحدث المهم الذي حرك بقوة الرأي العام التركي فكان محاكمة ارغنكون التي حكم فيها على عشرات العسكريين سواء ممن هم في الخدمة او المتقاعدين واساتذة الجامعات والصحافيين والكتاب بعد اتهامهم بانشاء شبكة شبه عسكرية لتنفيذ انقلاب ضد حكومة حزب العدالة والتنمية، واستمرت المحاكمات تخيم على الوضع الداخلي طوال عام 2009، وكانت علامة بارزة من علامات الاضطراب السياسي الذي تتسبب به مناورات العسكريين والقوميين الأتراك.

اما المأخذ الرئيسي على حزب العدالة والتنمية فهو انه لا يصل في اي مبادرة يتخذها الى نهايتها وكما يجب، بل يبدأ برؤية عامة ونظرية جيدة لكنه لا يصل في معظم الوقت الى الوفاء بوعوده وتحقيق تقدم حين يواجه المصاعب. وهكذا فان الحكومة ترغب في حل المشكلة الكردية من دون ان تأخذ في الاعتبار وجود ممثلين سياسيين أكراد جرى أخيراً حظر الحزب الذي يمثلهم في البرلمان. وكذلك الامر بالنسبة الى المسألة الارمنية، حيث يؤخذ على حزب العدالة والتنمية انه يفضل عدم المساس بمحرمات 1915، اي لا يريد ان يناقش الاتهامات بالابادة. وكل هذه الانتقادات تبدو سطحية إذا أخذنا في الاعتبار النهج البراغماتي لحزب أردوغان وحرصه على إشراك المجتمع المدني في مبادرات سياسية تتعلق بقضايا وجودية مثل المسألة الكردية لها أبعاد إقليمية وأوروبية وتتطلب علاجاً طويل النفس والتعامل مع أوساط معارضة قومية وعسكرية لديها القدرة على "التخريب" وافتعال الأزمات.

وأخيراً، فان الحزب الحاكم منذ العام 2002 هو في رأي معظم المراقبين السياسيين الاتراك حزب سياسي ديموقراطي جديد مختلف عن الاحزاب السابقة. فهذا الحزب الذي يجسد الطموح الشعبي وعلى وجه الخصوص الطبقة المتوسطة التجارية والحرفية يبذل جهداً كبيراً في مجال الاصلاح والتنمية ويحقق نجاحاً نسبياً على مسار "الخيار الأوروبي" وإن كان عليه على الدوام التعامل بذكاء وروية مع ضغوط الناخبين المحافظين والإسلاميين وبيروقراطية دولة علمانية ترفض اي تنوع اثني وثقافي ولغوي وحتى ايديولوجي.

"المستقبل"

مشاركة
المقال السابقاليمن أولاً!
المقال التالى… عن مراجعاتنا

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.