أين الخلل العربي ؟

0
252

ما نشهده في واقعنا العربي الراهن يطرح علينا عدة أسئلة أظن أنّ من أهمها: أين نحن من حضارة هذا العصر، خاصة فيما يتعلق بفاعلية الشعوب وقوة الرأي العام وحيوية المجتمع المدني التي يمكنها أن تقف في وجه أية مغامرة لحاكم أرعن، وفي الوقت نفسه تشكل قوة حيوية واضحة للأمة تجعلها قادرة على الفعل السياسي المجدي ؟

 

إذ تشكو السياسة العربية، فكراً وممارسةً، من اختلالات عدة كانت وراء هزائمنا المتلاحقة طوال قرنين، منذ سقوط القاهرة أمام نابليون سنة 1798 إلى استسلام بغداد دون قتال سنة 2003: تخلّف صناعة القرار، والعجز عن القراءة العقلانية لموازين القوى قبل الانخراط في أي صراع.

 

ومن الواضح أنّ النظام السياسي العربي لم يعد قادراً على الارتقاء إلى مستوى التطلعات والطموحات العربية، ولم يعد مؤهلاً للتعامل مع حجم الأخطار والتحديات التي تواجه الأمة، ولا مع مستوى التغيّرات التي أصابت العالم برمته. ذلك أنّ الدولة الاستبدادية واستراتيجيتها في الهيمنة السياسية والقمع الرمزي والمادي للصفوة السياسية المعارضة ولبعض العناصر من الفئات الاجتماعية المؤيدة لها يؤدي إلى إفقار متنامٍ للحياة السياسية.

 

إنّ مؤسسة الحكم في العالم العربي ليست واقعية، وهي متخمة بالشعارات الثقيلة، ولا شيء في هذه الشعارات إلا الانتهازية الحزبية والفئوية. وما كشفت عنه الحالة العربية أنّ الدولة الوطنية الحديثة لم ترَ النور الحقيقي بعد، وظلت التركيبات الفسيفسائية والانقسامية مهيمنة تحت قهر أجهزة القمع الأيديولوجي والمادي لنشطاء الشأن الوطني العام.

 

ثم أنّ الخلل المؤسس للحالة العربية هو تخلف صناعة القرار السياسي، فكل انتصار يقف وراءه عادة قرار سياسي سديد، وهو لا يكون سديداً إلا إذا صُنع حسب المواصفات المطلوبة في كل حقبة، خاصة في حقبتنا التي جعل تسارع التاريخ فيها العالم أكثر تشعباً وأقل قابلية للتوقع. المواصفات المطلوبة تتلخص في أمرين حاسمين: تعريف المصلحة القومية تعريفاً صحيحاً وقراءة موازين القوى، الداخلية والإقليمية والدولية، بدقة رياضية.

 

ويعود الخلل في صناعة القرار العربي إلى أنّ أجهزة الأمن والمستشارين المحيطين بصانع القرار، التي ألّهت الحاكم بوصفه عبقرياً ومدحت قمعه الوحشي لشعبه، لم تستطع أن تمده بالمعلومات والتحليلات النقدية التي يمكن أن تمثل مداخل صحيحة لرؤية الواقع وإشكالياته، بل قامت بعملية تغليف للحقائق وتشويه لها وللمعلومات التي تقدم إليه.

 

ومن جهة أخرى، اهتزت الثقة بين المثقف العربي والمجتمع اهتزازاً قوياً، ولا شك أنّ إعادة بناءها تحتاج اليوم إلى ما يشبه الثورة في المفاهيم وفي طرائق التفكير، تبدأ بالاعتراف الصريح بمسؤولية أغلبية المثقفين العرب عن الهزيمة، عبر وقفة نقدية جريئة تكشف أسباب عجزهم وتقصيرهم وأهم ما ارتكبوه من أخطاء، وتحديداً لجهة تغاضي معظمهم أو صمتهم، تحت شتى الحجج والذرائع، عن حالات الاستبداد والعنف والاضطهاد التي مارستها السلطات العربية بحق شعوبها وحق المثقفين النقديين، مروراً بالمسارعة إلى فك الارتباط المرضي مع الأنظمة والحكام والتحرر من أوهام الأيديولوجيات المهزومة، انتهاءاً بالإيمان الراسخ بأنّ الإنسان هو المحرك الرئيسي لكل تحدٍ وتطور، ودونه لا يمكن تعويض حالة العجز والقصور أمام توازن قوى يميل على نحو كاسح ضدنا.

 

 

 

إنّ هذا المثقف، اليوم، مطالب بأن يخرج من القطيع، وأن يؤسس ذاته الجديدة، وأن يكون ذلك بالخروج، خروجاً حقيقياً من الصفوف، ومن الخنادق، ومن النعوش والتوابيت التي تمشي وتتحرك، والتي قد نظنها أجساداً حية، وما هي كذلك. ولعل أخطر كل المهام المطلوبة اليوم، هو أن نقوم بتجاوز ثقافة الطبل والزمر والهتاف والتهليل إلى ثقافة الكلمة الصادقة، وأن تكون هذه الثقافة مرتبطة أساساً بالقيم الخالدة ومصالح الأمة، وليس بالأنظمة العابرة.

 

إنّ من أوكد الواجبات على العرب السعي إلى تقوية أنفسهم بتنمية ذاتية مبنية على فتوحات مجتمع المعرفة وعلى القدرات التكنولوجية، والتشبث بفضائل العمل وشجاعة تحمل المسؤوليات، وتعزيز كرامة الإنسان العربي، وتحرير إرادته وإشراكه في تدبير الشأن العام واتخاذ القرارات الكبرى. العرب في أمس الحاجة إلى هيئة حكماء أكثر مما هم في حاجة إلى إطار سياسي افتضح عجزه، هيئة للتفكير والتأمل للاهتداء إلى أقوم المسالك، وأضبط المساعي، وأسلم المقاربات للخروج من ديجور التأخر إلى أنوار التقدم بخطى واثقة، مع الاعتناء الشديد بقيمة الزمن وجدوى العمل غير المتواكل.

 

كما أنّ أبرز درس ينبغي أن نستخلصه من حالتنا الراهنة، هو العجز الديمقراطي الضخم الذي يعاني منه العالم العربي. فدولة الحق والقانون، التي تحترم قواعد اللعبة السياسية، غائبة.

 

إنّ الديمقراطية أهم مخرج للشعوب العربية من الواقع العربي المتأزم، هي ما يطمئن الإنسان العربي ويشجعه على تجاوز النظرة والحلول القطرية الضيقة، وهي التي تعمق خياره الطبيعي في ظل التجمعات الاقتصادية الكبيرة للتكامل والتعاضد مع أشقائه بغية الارتقاء بالمجتمعات العربية عموما، وبكل مجتمع على حدة، إلى مزيد من تحصين الذات وتعزيز القدرات. وتعلمه أيضاً لغة الخطاب الصحي مع الأقليات القومية التي تشاركه العيش على هذه الأرض منذ مئات السنين، وأنّ حريتها من حريته، ومستقبلها جزء عضوي من مستقبله.

إنّ الأساس هو أن نتغيّر، وأن ننتقل من درجة الطائفة والعشيرة والقبيلة إلى درجة الدولة المعاصرة، وأن نحتكم إلى الناس، وأن نعتبرهم مصدر كل السلطات، وأن نقدر المواطنة، وأن نعطيها معانيها الحقيقية، وأن نجعلها اقتساماً للسلطة، واقتساماً لخيرات البلاد، واقتساماً للفرص، واقتساماً للكلمة في الحوار. وأن نجتهد من أجل أن نفعل أكثر، وأن نتكلم أقل. وأن ننخرط في ثقافات هذا العصر، وأن يكون هذا الانخراط بالإضافات المعرفية والجمالية، وأيضاً بالوعي النقدي والضدي. وأن نؤمن فعلاً بأنه لا أحد منا يمكن أن يحتكر الحقيقة. وعليه، فإنّ الأساس هو الحوار، وجوهر كل حوار إنما يتمثل في الاختلاف، الاختلاف الذي يهدف إلى تحقيق التلاقي عند نقطة ما في الأفق الواسع.

 

 

 

تونس في 30/12/2009                   الدكتور عبدالله تركماني

 

                                      كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(*) – نُشرت في صحيفة " القدس العربي " – لندن 4/1/2010.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.