روسيا والعالم الإسلامي: الى أين؟

0
72

عندما عُقدت القمة الاسلامية في ماليزيا قبل ستة أعوام اتخذت القمة قراراً بقبول طلب روسيا الانضمام الى منظمة المؤتمر الاسلامي بصفة مراقب. كانت هناك طلبات من دول اخرى، ولكن لم يبتّ في أي منها.

يبلغ عدد المسلمين الروس نحو عشرين مليوناً، من أصل حوالي 170 مليون روسي. ولكن لم يكن العدد العامل الاساس في الموافقة على الطلب. ذلك ان هناك دولاً كالهند والصين توجد فيها أعداد أكبر من المواطنين المسلمين. أما الأمر الذي تميزت به روسيا فهو انه لا توجد مشكلة دينية ـ ثقافية بين المجتمع الروسي الارثوذكسي بأكثريته والمسلمين الروس.

ففي فرنسا مثلاً هناك مشكلة التناقض بين الحجاب والعلمانية. وهي مشكلة ثقافية ـ اجتماعية أثارت ولم تزل تثير الكثير من الاضطرابات، رغم ان المسلمين الفرنسيين يتبوأون مواقع محترمة في مؤسسات الدولة.

وفي بريطانيا هناك مشكلة التناقض بين فشل أو تعثر محاولات تذويب المسلمين في المجتمع والمحافظة على الهوية البريطانية.

وفي الصين هناك مشكلة التناقض الثقافي ـ الاجتماعي ـ الديني وحتى العنصري بين الصينيين وشعب سينكيانغ الذي يدين بالاسلام. وقد أدى تفاقم المشكلة الى انفجار الاضطرابات الدموية التي قمعتها قوات الأمن الصينية بعد سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.

وحتى في الولايات المتحدة هناك المشكلة التي أفرزتها العملية الارهابية التي استهدفت برجي التجارة العالمية في نيويورك، والتي أدّت الى مقتل حوالي ثلاثة آلاف انسان بريء.. وقد وظفت تلك الجريمة لانتاج نظرية ثقافية جديدة تدّعي ان الارهاب لم يكن ـ وهو ليس ـ ردّ فعل، ولكنه تعبير عن الثقافة الاسلامية المولّدة للارهاب (؟!).

أما في روسيا، العضو الخامس في مجلس الأمن الدولي، فعلى الرغم من الحرب في الشيشان، وعلى الرغم من الاضطرابات الأمنية التي تقع من وقت لآخر في بعض دول القوقاز، فانها لم تولد ثقافة معادية للاسلام. يعكس ذلك العدد الكبير من المساجد الجديدة، ومن المدارس الاسلامية الدينية التي تعلّم القرآن الكريم واللغة العربية؛ وبموجب الدستور الروسي فإن الاسلام يحلّ ثانياً بعد الارثوذكسية من حيث تعدّد الأديان الرسمية في الدولة، تليهما اليهودية والبوذية.

ان عدم وجود مشكلة ثقافية ـ دينية بين المسلمين والارثوذكس الروس لا يعني بالضرورة ان المجتمع الروسي محصن، وانه يستعصي على الاختراق. فهناك مصدران يشكلان خطراً مستقبلياً:

المصدر الأول هو ثقافة التطرف الاسلامي التي تروج لها حركة طالبان في كل من الباكستان وأفغانستان. وقد تسلّلت هذه الثقافة الى عدد من الدول الاسلامية في آسيا الوسطى والتي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق. ويمكن ان تواصل تسللها الى عمق الاتحاد الروسي، وتحديداً الى الجمهوريات الروسية السبع التي يشكل المسلمون فيها أكثرية عددية. واذا حدث ذلك فانه لا بد ان يتسبب في رد فعل ارثوذكسي، الأمر الذي ينذر بأوخم العواقب.

وقد قرّرت وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية في الكويت إنشاء مركز ثقافي اسلامي للوسطية في موسكو، وعقدت لذلك اتفاقاً مع صندوق دعم الثقافة الاسلامية والتعليم في روسيا. ومهمة هذا المركز التعريف بالاسلام ثقافياً وتربوياً واجتماعياً، من خلال مبادئ وقيم الوسطية ورفض التنطّع والتطرّف.

أما المصدر الثاني فهو ثقافة الاسلاموفوبيا (الخوف من الاسلام وكراهيته) التي تزداد ترسخاً في مجتمعات الدول الأوروبية الغربية، كما تزداد انتشاراً عبر وسائل الاعلام الحديثة (الانترنت والفضائيات..الخ) وقد بدأت هذه الثقافة المعادية للاسلام بالتسرّب الى المجتمع الروسي، الا ان الضوابط الوطنية حالت حتى الآن دون تحوّلها الى ظاهرة على النحو الذي تعرفه الدول الأوروبية الاخرى. ويعود فضل كبير في ذلك الى الدولة الروسية التي تصدر تشريعات تصدّ وتتصدّى لهذه الموجات الوافدة من الخارج حرصاً منها على المحافظة على الوحدة الوطنية في المجتمع الروسي المتعدد الاثنيات واللغات والأديان.

ومنذ أن انضمت روسيا الى منظمة المؤتمر الاسلامي تشكلَ منتدى "روسيا والعالم الاسلامي" الذي عهد اليه العمل على وضع رؤية استراتيجية مشتركة. وقد عقد المنتدى أربعة لقاءات في كل من موسكو وقازان واسطنبول وجدة. وفي اللقاء الخامس الذي عقد في الاسبوع الماضي في الكويت، تمّ التوقيع على انشاء مركز الوسطية على نفقة وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية ووقّعه عن دولة الكويت الدكتور عادل عبد الله الفلاح وكيل الوزارة. واتخذ اللقاء توصية تضمنت دعوة الدول الاسلامية كلها الى المشاركة في نشاط المركز ودعم أنشطته الفكرية والثقافية لتعزيز ثقافة الحوار وتقوية العلاقات بين روسيا والعالم الاسلامي، ونبذ التطرف ونشر الوسطية والاعتدال.

وأقرّ اللقاء أيضاً العمل على دعم البنية الفكرية والهيكلية للمؤسسات الاسلامية في روسيا من خلال التنسيق مع المؤسسات الرسمية بكلا الطرفين.

كما أقرّ إنشاء مؤسسة للترجمة تستقطب الخبراء من روسيا والعالم الاسلامي لترجمة الكتب الاسلامية الى اللغة الروسية وبالعكس، وتشكيل هيئة علمية مختصة لانتقاء الكتب الصالحة للترجمة. وتأسيس موقع الكتروني لفريق روسيا والعالم الاسلامي باللغتين العربية والروسية، ثم بقية اللغات الحية الأخرى.

أما اللقاء السادس فقد تقرّر أن يُعقد في خريف عام 2010 في انجوشيا احدى الجمهوريات الروسية السبع التي يشكل المسلمون أغلبية سكانها. وكان رئيس هذه الدولة، الجنرال يونس بك ليفكاروف قد ترأس الوفد الروسي الى لقاء الكويت ممثلاً الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف.

ويعكف الآن فريق من الخبراء والاختصاصيين في الكويت بإشراف الدكتور الفلاح على وضع رؤية استراتيجية لروسيا والعالم الاسلامي، يُنتظر أن تطرح على اللقاء القادم.

اذا نجحت هذه العملية في تحصين العلاقات بين مسلمي روسيا وكل من الكنيسة الارثوذكسية والكرملين، وتالياً بين روسيا والعالم الاسلامي، فإن نجاحها لا بد أن يشكل أسوة حسنة لتصحيح العلاقات الاسلامية المضطربة مع بعض المجتمعات الغربية في أوروبا وأميركا.

من هنا أهمية هذه العملية ليس لروسيا وحدها.. انما للعالم الاسلامي في الدرجة الأولى.

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.