أساليب تعاظم "حماس"

0
88

(باحث كبير وزميل في مركز القدس للشؤون العامة ومدير البحث فيOrient Research Group)

 

عام مضى على حملة "رصاص مصهور" ولم تُقل حتى الآن الكلمة الأخيرة في الميدان العسكري، السياسي والقضائي. فالهدف الرئيس للحملة تحقق جزئيا، كما يتجلى ذلك من خلال التراجع الجوهري في عمليات إطلاق الصواريخ والقذائف المدفعية من غزة باتجاه إسرائيل. وبحسب معطيات مركز معلومات الاستخبارات والارهاب، أُطلق منذ انتهاء الحملة على غزة وحتى شهر كانون الأول من هذا العام، 127 صاروخاً و70 قذيفة مدفعية. وعلى سبيل المقارنة، تعرض الأراضي الأسرائيلية في العام 2008 لسقوط 3278 صاروخاً وقذيفة أُطلقت من القطاع.

إن كبح سياسة الارهاب التي تمارسها حماس لا ينبع من فعل ندم أو مرونة إيديولوجية. بل على العكس من ذلك، فان أمراً لا يزال صلبا متينا في تصور حماس وهو يفيد بأن قتل مدنيين إسرائيليين من دون تمييز هو حق مُعطى لها وفق القانون الدولي طالما بقي قسم ما من "فلسطين التاريخية" تحت الاحتلال. ووفقا لنهج قادة حماس، فإن تقرير غولدستون لا يتضمن أبدا اتهامات لهم بارتكاب جرائم حرب ضد إسرائيل.

إن التحول الرئيس في سياسة حماس بعد الحرب يكمن في المجال التكتيكي، وهذا يعني أنه على الرغم من أن حماس باتت مستعدة أكثر من السابق لاستخدام الأدوات السياسية التي تحث على تحقيق أهدافها، إلا أنها تفعل ذلك من دون التنازل عن الأهداف الاستراتيجية والإيديولوجية الدينية المتطرفة التي توجهها وتحكم حركتها. والسبب لذلك كامن في التحالف غير المكتوب بين حماس وبين لجنة غولدستون ومنظمات حقوق الانسان التي توفر للحركة مشروعية حكمها، وشبكة امان لها هي في أمس الحاجة إليها، إضافة إلى الأدوات التي يمكنها استخدامها من أجل إبطال مفعول وقدرة القوة العسكرية الإسرائيلية والمس بصميم شرعية وجود دولة إسرائيل.

لقد اعترفت لجنة غولدستون بحركة حماس، وبلغتها "سلطات حماس"، كسلطة شرعية، وهي فعلت ذلك في ظل تجاهلها التام للخصائص الارهابية للحركة، ولإيديولوجية قتل الشعب التي تؤمن بها الحركة، وللغطاء الذي تمنحه سلطة الحركة للمنظمات الارهابية ومن بينها فصائل محسوبة على تنظيم القاعدة، ومن السعي المعلن إلى إقامة حكم إسلامي متطرف يُلغي الديمقراطية.

إن الأفق السياسي الذي فتحته لجنة غولدستون أمام حماس هو الذي يمنحها القدرة على المناورة في الظروف الجديدة حتى وهي لا تزال مُدرجة ضمن القوائم السوداء للمنظمات الارهابية. وهذا ما قصده رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عندما عاد وأكد خلال خطابه في الكنيست على أن "غولدستون هو كلمة السر لأمر أوسع بكثير ألا وهو محاولة نزع الشرعية عن حق دولة إسرائيل في الدفاع عن النفس". فقد وصلت السخافة السياسية إلى مستوى متدن بحيث أن منظمة ارهابية ترفض إيديولوجيا قيم الديمقراطية الغربية، تتمتع بالدعم والتأييد والمساعدة من منظمات حقوق الانسان وتستخدم مؤسسات دولية وتستغل صلاحية هذه المؤسسات في الحرب السياسية والقضائية التي تديرها ضد دولة ديمقراطية.

التطور الذي يقل إثارة للاهتمام في سياق مكانة حماس يمكن العثور عليه على الحلبة السياسية في إسرائيل، التي تُسمع فيها مزيد من الأصوات المؤيدة للحوار مع الحركة. وتستند التبريرات التي يقدمها هؤلاء المؤيدون للحوار مع الحركة على التقدير بأن حماس ستُظهر اعتدالاً إيديولوجياً، وعلى الادعاء بأنه خلافاً لحركة فتح، يمكن لحماس "أن توفر البضاعة" التي تأتي على شكل الوفاء والالتزام باتفاق وقف النار. هذا الادعاء غريب فعلا، ذلك أن مؤيديه لا يستطيعون تقديم أية ادلة من شأنها أن تدل على تغيير ممكن في البرنامج الفكري الاسلامي لحماس.

علاوة على ذلك، ثمة بين أولئك الذين يدعون حكومة إسرائيل إلى تفضيل حماس على فتح، من سبق لهم أن دفعوا الحكومة إلى الحوار مع ياسر عرفات خشية من صعود حماس. والآن، عندما نجد أمامنا بديلين خصمين ـ سلطة ثنائية الرأس فيرا الله وفي غزة ـ يفضلون البديل الاسلامي المتطرف.

فتح وحماس يشكلان تهديداً خطيراً على حد سواء. كلاهما يسعى مع فروقات طفيفة جدا إلى تحقيق هدف مماثل هو تصفية دولة إسرائيل عبر خطة المراحل التي تُعتبر "كلمة السر فيها" المطلب الفلسطيني بعودة ملايين اللاجئين وأبنائهم إلى ارض دولة إسرائيل السيادية.

ومع ذلك، تُعتبر فتح أفضل بكثير جدا من حماس بالنسبة لإسرائيل. فالأهداف الوطنية لحركة فتح تنحصر في "فلسطين" فقط بينما تشكل حماس جزءاً لا يتجزأ من حركة الاخوان المسلمين التي ترى في "فلسطين" مجرد مرحلة واحدة من مراحل كثيرة لنشر الثورة الاسلامية في العالم كله. لهذا السبب، تؤيد حماس التمرد الشعبي ضد الأنظمة العربية القائمة، وتجديد ايام الخلافة الاسلامية التي ترفع راية الجهاد في الصراع ضد المسيحية إلى حد احتلال أوروبا كلها وفي مركزها روما، عاصمة إيطاليا، كجزء من تحقيق نبوءة محمد (النبي محمد ص.).

كما أن التصدي لحركة فتح أسهل لإسرائيل على المدى القصير والمتوسط، ولا سيما في ضوء حقيقة أن ثمة للطرفين، فتح وإسرائيل، مصلحة مشتركة في إضعاف التيار الاسلامي المتطرف وإخراج إيران، حليفة حماس، من معادلة النزاع.

في إجمال الكلام، حملة "رصاص مصهور" أضعفت إسرائيل كثيرا على الحلبة السياسية ومن شأن تداعياتها أن تلزم إسرائيل، طوعا أو قسرا" على اللجوء إلى مبادرة تؤدي إلى تغيير الكيان السياسي القائم في الضفة الغربية والذي تسيطر عليه السلطة الفلسطينية التابعة لأبو مازن.

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.