صراع الحضارات في سنة 2009

0
85

 

منذ عشرين عاماً (1989) سقط حائط برلين الشهير، الذي ظل لمدة ثلاثين عاما رمزا لانقسام العالم الى كتلتين: رأسمالية واشتراكية. وتلا سقوط الحائط، سقوط النظام الاشتراكي في دولة بعد أخرى من دول الكتلة الشرقية، وسقط الاتحاد السوفييتي نفسه في (1991)، وتفتت الى دول تطبق النظام الرأسمالي الذي ثارت عليه قبل خمسة وسبعين عاما.

 

كان هذا السقوط المدوّي للاشتراكية حافزا لبعض الكتّاب والمفكرين للتساؤل عن مصير العالم، وعلى الأخص مصير «الصراع» في العالم، بعد أن ظل الصراع الحاكم للعلاقات الدولية صراعا أيديولوجيا طوال الحرب الباردة بين المعسكرين، ابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية (1945).

 

وأسفر هذا التساؤل عن نظريتين شهيرتين: نظرية نهاية التاريخ، التي قال بها فوكوياما، ونظرية صراع الحضارات التي قال بها صمويل هنتنغتون، وهما أستاذان أميركيان في التاريخ والعلاقات السياسية.

 

أثارت النظريتان جدلاً واسعا لمدة تزيد على عشرة أعوام، ثم فتر الاهتمام بهما، ليس فقط لما تضمنته كل منهما من مبالغات فطن اليها واحد بعد آخر من النقاد، ولكن أيضا بسبب ما شهده العالم من أحداث بعد سقوط الاشتراكية.

 

فنظرية نهاية التاريخ كانت تزعم أن سقوط النظام الاشتراكي قد أثبت بما لم يعد مجالا للشك، أن النظام الرأسمالى هو النظام الوحيد الصالح للبقاء، أي أن الحافز الفردي لتحقيق أقصى الأرباح.

 

وليس تدخل الدولة بالتخطيط وفرض القرارات الاقتصادية على الأفراد، هو النظام الاقتصادي الوحيد الناجح، كما أظهرت تجربة الدول الاشتراكية بعد ثلاثة أرباع قرن من العناد.

 

ونظرية صراع الحضارات زعمت أنه بانتهاء الحرب الباردة وسقوط الاشتراكية، لم ينته تاريخ الصراع في العالم، ولكن انتهي فقط الصراع بين الأيديولوجيات (كالاشتراكية والرأسمالية).

 

وربما أيضا الصراع بين الدول (كالذي حدث خلال الحربين العالميتين)، وسوف يقتصر الأمر من الآن فصاعدا على الصراع بين الحضارات أو الثقافات، أي بين أنماط حياة وسلوك وقيم تعتنقها الأمم المختلفة، وعلى الأخص الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة (أو الثقافة) الإسلامية.

 

لم يكن من الصعب على ناقدي هاتين النظريتين أن يشيرا الى بعض نقاط الضعف فيهما. ففضلا عن أن التاريخ لا يمكن أن يكون له نهاية (مما لم يقصده فوكوياما بالطبع بهذا المعنى الحرفي)، فإن النظام الرأسمالي ينطوي بدوره على نقاط ضعف قد لا تجعله مرشحا للبقاء الى الأبد، وأن سقوط النظم الاشتراكية لا يعني بالضرورة أن بعض الأفكار الاشتراكية لا يمكن أن تعود وأن تتسرب الى النظم الرأسمالية نفسها.

 

ثم حدث في العقدين اللذين تليا سقوط النظم الاشتراكية، ما قوّى الاعتقاد بأن النظام الرأسمالي ليس محصّنا ضد السقوط بالدرجة التي كان أنصاره يعتقدونها في بداية التسعينات.

 

وعندما حلت الأزمة المالية والاقتصادية الكبيرة في خريف 2008، وبدأ الكلام من جديد عن ضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد، ظهر بوضوح ما كانت تنطوي عليه نظرية نهاية التاريخ من تسرّع.

 

ومع هذا فما زال صحيحا أن سقوط النظم الاشتراكية بعد عناد طويل، أعاد للنظام الرأسمالي جزءا كبيراً من جاذبيتة، وأنه على الرغم من المصاعب الحتمية التي لا بد أن تمر بها الرأسمالية بين الحين والآخر، فإن فلسفة الاعتماد على الحافز الفردي قد استعادت جزءا كبيرا مما فقدته من مصداقية، بعد هجوم مستمر من الاشتراكيين استمر طوال قرنين. حدث شيء مماثل لنظرية صراع الحضارات.

 

فقد أشار بعض النقاد الى أن كثيرا من أمثلة صراع الحضارات، ليس في الحقيقة صراعا، بل هجوم من دولة تنتمي الى حضارة بعينها على دول ذات حضارات أو ثقافات مختلفة. فالأمر ليس «صراعاً»، في كثير من الأحيان، بقدر ما هو اعتداء سافر.

 

فالحركات الاستعمارية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لم تكن مجرد صراع بين حضارة الغرب والثقافات الآسيوية والإفريقية، بل اعتداءات سافرة من دول غربية على أمم آسيوية وإفريقية.

 

وكذلك كان هجوم الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، بل والتهديد الأميركي المستمر لإيران. لم يكن هذا أو ذاك صراعا بين الحضارة الغربية والثقافة الإسلامية، بل مجرد اعتداء (أو تهديد بالاعتداء) من دولة غربية ضد دول إسلامية.

 

ومع ذلك يجب أن نعترف بأن التطورات الأخيرة في العالم المعاصر، من شأنها أن تخلق بالضرورة ظروفا تشجع على الصراع بين الحضارات والثقافات، أكثر مما كان عليه الحال منذ ثلاثين عاما أو أكثر.

 

وأقصد على وجه الخصوص تسارع تيار العولمة في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة. فخلال عام 2009 وقعت عدة أحداث مهمة، يمكن أن يرى فيها المرء صورة أو أخرى من «صراع الحضارات أو الثقافات»، تعكس زيادة التوتر الناتج بشكل أو آخر عن نمو ظاهرة العولمة.

 

لقد بدأ عام 2009 بمجيء الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض مكان الرئيس بوش. وبمجرد مجيئه الى الحكم صدرت منه تصريحات، توحي بأنه سوف يكون أكثر تفهما لظاهرة «صراع الحضارات» من سلفه.

 

وعندما جاء أوباما في مايو الماضي إلى القاهرة وألقى خطابا موجها للعالم الإسلامي، كانت الرسالة التي أراد توجيهها هي رسالة مصالحة، ودعوة لنبذ التعصب من الجانبين. ففي شهر يوليو، حدث في ألمانيا ذلك الحادث المفزع الذي أودى بحياة شابة مصرية مسلمة ووديعة (هي مروى الشربيني)، كانت تعيش في ألمانيا مع زوجها المصري وطفلها، وقد هاجرت هي وزوجها لاستكمال دراستهما أملاً في تحقيق مستقبل أكثر رخاءً مما ينتظرهما في مصر.

 

إن مجيئهما نفسه إلى ألمانيا هو بكل تأكيد مظهر من مظاهر العولمة: ألمانيا تحتاج بسبب ظروفها الاقتصادية وتطورها التكنولوجي إلى فتح أبوابها للمهاجرين الآتين من دول أقل رخاء، وأبناء هذه الدول يبحثون عن مثل هذه الفرص لاقتناصها. كانت مروى ترتدي الحجاب، إصرارا منها على الاحتفاظ بهويتها وتأكيدا لولائها لثقافتها التي تربت عليها.

 

لم يعجب الحجاب أحد الألمان المتعصبين، أو ربما لم يعجبه أن يأتي مصري ومصرية إلى بلاده ويصرَان على استقلالهما الثقافي (أو الحضاري) مخالفة لثقافة (أو حضارة) الألمان. بدأ الصدام بعراك بسيط تطور إلى جريمة قتل. وفي مختلف أنحاء أوروبا والولايات المتحدة تعددت خلال عام 2009 الأحداث التي تنطوي على مثل هذا الصراع الناتج عن توتر من الجانبين:

 

مسلم أميركي يطلق الرصاص على بعض الجنود الأمريكيين داخل وحدته العسكرية. مقال أو فيلم أو رسم ينطوي على سخرية من بعض العقائد الإسلامية، فينتفض المسلمون احتجاجا على السماح بنشر مثل هذه السخرية. سويسرا يصوَت فيها أكثر قليلا من نصف أصحاب الأصوات ضد بناء المآذن في المدن السويسرية، فيثور المسلمون إذ يعتبرون هذا انتقاصا من حقوقهم أو تعصبا ضد دينهم.. الخ.

 

لن تنتهي بسهولة هذه الأمثلة من «صراع الحضارات»، وسوف نشهد المزيد منها بلا شكٍ في 2010 وما بعدها، وهو أمر طبيعي ومفهوم في ظروف العالم الحالية. المؤسف حقاً هو دور بعض المثقفين الذين يفترض أن يكونوا أكثر فهما لحقيقة ما يحدث وأسبابه، ولكنهم يؤججون هذا الصراع بدلا من محاولة التخفيف منه.

 

كاتب ومفكر مصري

 

sgsaafan@aucegypt.edu

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.