المسألة الدفاعية: إمّا "استراتيجية ميثاقيّة" وإمّا "استراتيجية غلبة"

    0
    81

    وسام سعادة

     

    ليسَ صحيحاً أن لبنان يفتقد إلى "إستراتيجيات دفاعيّة" كي يكون لزاماً على أبنائه الإنكباب على صياغة واحدة منها. فمنذ وقت طويل حدّد لبنان إستراتيجيته الدفاعيّة بأنّها جزء من الإستراتيجية العامّة للأمن القوميّ العربيّ في الدول المحيطة بإسرائيل، وتعامل لبنان مع الدولة الصهيونية منذ قيامها على أنَها عدوّة له، فهي إمّا متوسّعة عدوانية حياله، وإمّا منمّية أو مصدّرة لعوامل انعدام الإستقرار نحوه، ولأجل ذلك تكرّست الإستراتيجية الدفاعية "الوحيدة الممكنة" بالنسبة إلى لبنان منذ توقيع إتفاقية الهدنة في 23 آذار 1949، على أنّها إستراتيجية المواءمة بين لزوم كبح الجماح "الخطر العدوانيّ التوسّعي" الآتي من إسرائيل وتطويق خطر "عدم الإستقرار" الآتي منها.. ومن عدم قدرة الصراع الإقليميّ معها على أن يرتقي بإتجاه أي شكل من أشكال "الحسم"، حرباً صافية أو سلماً كاملاً.

    لم ينجح اللبنانيّون دائماً في تأكيد معنى التوازن في إستراتيجيتهم الدفاعية "الوحيدة الممكنة"، فطفق قسم منهم يتنبّه للخطر "العدوانيّ التوسّعي" وحده دون الخطر "التفتيتي" الجالب لـ"عدم الإستقرار"، فوقع أولئك الذين يحصرون الصراع في مقاومة الخطر "العدواني التوسّعي" وحده دون الخطر "التفتيتي الإلغائي" للنموذج اللبنانيّ، مساهمين نشطاء في ضرب هذا النموذج، وبالتالي يخدمون موضوعيّاً سياسات من يعادونه. وكذلك حال من غالى بحصر الصراع في خطر "عدم الإستقرار" الذي تجلبه إسرائيل وما تصدّره إسرائيل بحكم قيامها، بالشكل الذي قامت فيه، إلى لبنان، دون رؤية النزوع "العدوانيّ التوسّعي" المستمرّ.

    لكن إنعدام التوازن في الحالتين لا يعني أن الإستراتيجية الدفاعية "الوحيدة الممكنة" لم تكن موجودة، أو أنّها ليست موجودة، بقدر ما يشير الأمر إلى نقيضه: أي أنه ما من إستراتيجية دفاعية ممكنة إلا تلك المنطلقة من لحظة توقيع إتفاقية الهدنة، بحيث تكون إستراتيجية المواءمة بين مقاومة الخطر "العدوانيّ التوسّعي" الإسرائيلي، وهو ما اضطلع به بشكل رئيسيّ المسلمون في لبنان، وبين مقاومة الخطر "التفتيتي الإلغائي" الإسرائيلي، وهو ما اضطلع به بشكل رئيسيّ المسيحيّون في لبنان.

    المهمة إذاً هي إعادة تجميع هذه الإستراتيجية الدفاعية، كإستراتيجية على صورة هذا الكيان ومثاله، وكإستراتيجية ميثاقية بإمتياز، إسلامية مسيحية. عدا ذلك يمكن القول، إن لا شرعية لأي "إستراتيجية" دفاعية كانت أو هجومية، تناقض ميثاق العيش المشترك، لا شرعية لأي إستراتيجية لا تنطلق من هذا الميثاق وتعود إليه.

    في بلد يقوم على أساس عقد الشراكة والمناصفة الإسلامية المسيحية، لا يمكن للإستراتيجية الدفاعية إلا أن تقوم على عقد الشراكة والمناصفة، وهذا موضوع لا يمكن أن يغيب على أي طرف يناقش في المسألة. لا يمكن التجرّد عن الطابع الإسلامي المسيحي للكيان اللبناني عند مناقشة أسلوب دفاع هذا الكيان عن نفسه تجاه إسرائيل، وأي مناقشة على أساس إغفال الطبيعة الخاصة بلبنان هي مناقشة تخدم موضوعيّاً فكرة "المشاغبة" على النموذج اللبنانيّ، المستهدَف بـ"عدم الإستقرار" الكيانيّ والمجتمعيّ منذ قيام الدولة العبرية، ونشأة مشكلة اللاجئين، ثم بروز المسألة الجنوبية، ودخول الثورة الإيرانية على خط هذه المسألة الجنوبية، وعلى خط الصراع العربيّ الإسرائيلي على النحو العريض.

    فما هو مقترح على جدول أعمال اللبنانيين في نهاية الأمر واحد من اثنين:

    إمّا إعادة تركيب الإستراتيجية المشتركة الإسلامية المسيحية للدفاع عن لبنان في وجه إسرائيل، أي الدفاع عن لبنان النموذج والكيان والميثاق والمجتمع والدولة، وبالشكل الذي ينمّي قدرة اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، على عيش مشاركتهم وتدبير مناصفتهم.

    وإمّا الرضوخ لإستراتيجية تغلّبية لفئة من اللبنانيين على جميع الفئات الأخرى، إسلامية ومسيحية، بحجة أنّ هذه الفئة "ساهمت أكثر من سواها" في المجهود الصراعيّ ضد اسرائيل، وقد فات أنّ الدرس الإجمالي للتاريخ اللبناني يعلّمنا أنه، لئن كان المسلمون من واجه الخطر "التوسّعي" فإن المسيحيين كانوا في طليعة من واجه الخطر "الإلغائي" الذي أوجدته إسرائيل، وبأن لبنان عاش فصاماً بين من يرى خطراً ولا يرى آخر فيما العدو هو نفسه في الحالتين، ولا يمكن للإستراتيجية التي ترى خطراً دون آخر إلا أن تكون فصامية في تصوّرها للصراع مع إسرائيل، وتغلّبية في توظيفها لما تقوم به في إطار هذا الصراع، وذلك لـ"تسجيل نقاط" وأكثر على الشركاء في الوطن، ولإبتداع مشروع هيمنيّ على مقدّرات هذا البلد، مشروع غير قادر إلا.. على جلب "إنعدام الإستقرار".. نظراً لإستحالة إستقرار أي هيمنة فئوية.

    البعض يعتبر أنّ آخر فئة تجرّب مشروع الهيمنة الفئوية سيكتب لها النصر لأنّ الجميع أرهقتهم تجاربهم قبلها. آن لهذا البعض أن يتنبه إلى أن التجربة اللبنانية أفرزت بعد تهافت كل المشاريع الهيمنية السابقة ما يكفي من مضادات حيوية لإحباط أي مشروع هيمني حاليّ أو مستقبليّ، وأنّ هذه التجربة عندما تحاصر بمشروع هيمنيّ حاليّ أو مستقبليّ فهي تنشد "إنعدام الإستقرار".. رأساً.

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.