أوباما ينأى عن المصالح القومية الأميركية

0
69

لكي يخفف من وطأة قراره بإرسال 30 ألف جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان، وضع الرئيس أوباما استراتيجية خروج، بتحديد تاريخ يوليو 2011 لبدء الانسحاب من هناك. ووصف أوباما، على لسان روبرت غيبس المتحدث باسم البيت الأبيض، ذلك التاريخ بأنه «موعد نهائي»، «محفور بالحجر» وليست فيه «مرونة». أي أن «الجنود سوف يبدأون بالعودة إلى الوطن اعتباراً من يوليو 2011. نقطة انتهى».

 

كلام واضح لا لبس فيه، كما يبدو. لكن بعد أربعة أيام فقط، أدلى أعضاء من إدارة أوباما بتصريحات تتناقض كلياً مع موقف رئيسهم المعلن.

 

فها هي هيلاري كلينتون تتحدث على شاشة «إن بي سي» في برنامج «ميت ذي بريس«: «نحن لا نتحدث عن استراتيجية خروج أو موعد نهائي مقدس لبدء الانسحاب. ما نتحدث عنه هو تقييمنا بأننا في يوليو 2011 يمكن أن نبدأ بالعملية الانتقالية».

 

وها هو وزير الدفاع روبرت غيتس يتحدث على نفس البرنامج: «نحن لا نتحدث عن انسحاب سريع مفاجئ، بل نتحدث عن شيء سيحدث على مدار فترة من الزمن… لأنه سيكون لدينا 100 ألف جندي هناك، وهؤلاء لن يغادروا في يوليو 2011».

 

هل سبق أن تحولت عبارة مطلقة مثل «الجنود سوف يبدأون بالعودة إلى الوطن في يوليو 2011. نقطة انتهى»، بهذه السرعة إلى شيء بهذا الغموض والضبابية والشرطية مثل «تقييم»؟

 

وكما لو كانت كل تلك الضبابية غير كافية، أطل علينا غيتس مجدداً، هذه المرة من شاشة إيه بي سي في برنامج «هذا الأسبوع»: «لا أعتبر هذه إستراتيجية خروج. وأحاول تجنب استخدام هذا المصطلح، لأنني اعتقد أنه انتقال».

 

إذن، فحتى الحديث عن إستراتيجية خروج غير وارد. وما شهدناه أخيراً هو إطلاق «عملية الانتقال المبهم، الذي ربما يحدث وربما لا يحدث، وهو الأغلب، في 2011 أو على مدار فترة من الزمن«! لكن غيبس عاد بعد ذلك للحديث بنفس لهجته السابقة، وكأن كلينتون وغيتس لم يقولا شيئاً. وعندما سأله أحد الصحافيين عما إذا كان من الممكن أن تبدأ القوات الأميركية بالعودة إلى الوطن قبل يوليو 2011، أجاب غيبس: «من الممكن أن يحدث ذلك في موعد أبكر.. لكنه لن يحدث متأخراً».

 

ما كل هذا التشويش؟

 

الأمر الواضح الذي يفهمه المرء من إعلان أوباما وما تلاه من تصريحات مناقضة من أعضاء إدارته عن فكرة الانسحاب من أفغانستان، ثم عودة غيبس للتأكيد على أننا سنبدأ بالانسحاب في يوليو 2011 أو حتى قبل ذلك، ما نفهمه من هذا كله هو أن البيت الأبيض يعاني من أزمة مصداقية خطيرة.

 

هل يعتقد هؤلاء أنه بالإمكان حقاً إعادة بناء أمة قبلية مزقتها الحروب، في حين أنهم عاجزون حتى عن الإعلان بنجاح عن سياسة واضحة لإعادة بناء ذلك البلد؟ هم أنفسهم بحاجة إلى استراتيجية خروج من مأزق كيفية إعلانهم عن استراتيجية الخروج.

 

والنظرة المتفائلة حول قرار أوباما بأن يأخذ وقته قبل الرد على طلب الجنرال ماكريستال إرسال المزيد من الجنود، افترضت أن الرئيس المتعقل كان يحاول ـ كما وعد في حملته الانتخابية في ما يتعلق بالعراق ـ أن يعيد النظر في العقلية التي قادتنا إلى الحرب في المقام الأول.

 

فبعد ثمانية أعوام من الحرب في أفغانستان، وتفاقم الخسائر البشرية عاماً بعد عام، أصبح الشعب الأميركي ينظر إلى تلك الحرب بطريقة مختلفة. وفي آخر استطلاع ل«سي إن إن» و«أو آر سي»، قال 51% من الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع، انهم يعارضون هذه الحرب.

 

ورغم هذا الإجماع، فإن وسائل الإعلام تستمر في تصوير أفغانستان في إطار اليمين مقابل اليسار، كما تفعل في مختلف المواضيع الأخرى. وعندما ننظر إلى قرار الرئيس من خلال هذا المنظور، نراها تصفق له لتشجعه على «مخالفة قاعدته» و«النأي بنفسه عن اليسار».

 

في الحقيقة أنه خلال السنوات الثماني الماضية كان التهليل أسهل بكثير من الانتقاد. ألا ينبغي أن تكون وسائل الإعلام أكثر ضراوة في تفحص القرارات التي تتطلب تكاليف هائلة، من الدم والمال؟ لا بل ان المقالات المرسلة إلى المجلات الأكاديمية، تخضع هذه الأيام لتدقيق أكثر صرامة من قرارات تصعيد الحروب!

 

والحقيقة أن المعارضة للحرب تجاوزت بكثير إطار اليمين مقابل اليسار. فجورج ويل، الذي دعا في أغسطس إلى الانسحاب من أفغانستان، علماً أنه يعتبر بعيداً كل البعد عن اليسار، قال أخيراً إن خطة أوباما ليست سوى نسخة عن «برنامج بوش»، الذي كان يقول «عندما ينهض العراقيون سنتراجع نحن»، مع فارق وحيد هو أن أوباما يقول الآن «عندما ينهض الأفغان، سنتراجع نحن».

 

أما ريتشارد هاس، الذي كان مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية في إدارة جورج بوش، فقد كتب في مقالة له نشرت أخيراً في «نيوزويك» تحت عنوان «لا مخرج»، ان «أكثر مفكر استراتيجي قادر على فك رموز مأزق السياسة الخارجية الذي تواجهه الولايات المتحدة في أفغانستان، قد يكون هو الفيلسوف جان بول سارتر»، على اعتبار اننا نحاول القيام ببناء دولة ـ بالطبع، دون أن نسمي ذلك بناء دولة ـ في بلد أثبت عبر العصور أنه مستعصٍ على بناء الدول.

 

كما تطرق توم فريدمان، الذي لا يعتبره أحد يسارياً، أيضاً إلى البعد الفلسفي لمشكلة مهمتنا العقيمة في أفغانستان، حيث كتب في «نيويورك تايمز»: «بإيجاز، هذه الخطة لها فرصة وحيدة للنجاح، وهي إذا خلع قرضاي جلده وأصبح رجلاً جديداً، وإذا أصبحت باكستان بلداً جديداً، وإذا نجحنا في مهمة لا يقول الرئيس نفسه إننا بصدد القيام بها؛ وهي بناء الدولة في أفغانستان».

 

وفي ضوء خطاب أوباما في وست بوينت، من الواضح أن الرجل ظن أنه إذا شرح فكرته بأسلوب واقعي هادئ، فسوف تخضع الحقيقة نفسها لنبرته المنطقية الحادة. لكن أفغانستان نقيض المنطق.

 

هل يبدو هذا مألوفاً؟ من الواضح أن أوباما لا يواصل حروب بوش فحسب، بل يواصل أيضاً أسلوبه في التفكير السحري: أي فكرة أن «القول» بصحة شيء يعني «كون» ذلك الشيء صحيحاً! بالتأكيد أننا نستمع إلى كلام أكثر فصاحة الآن، لكن النتيجة السحرية لم تتغير، وهي حروب لا متناهية بمحض اختيارنا.

 

إن أوباما لا ينأى بنفسه عن اليسار بقراره تصعيد هذه الكارثة المتفاقمة، بل ينأى بنفسه عن المصالح القومية للبلد.

 

رئيسة تحرير ومؤسسة صحيفة «هومنجتون بوست» الأميركية

 

"الامارات"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.