مفارقات في سياق الذكريات بين ثورتين: الإيرانية والفلسطينية

0
94

كنت من أكثر من كل الإيرانيين والفلسطينيين جهداً وتحملاً، والأقل تطلباً واندفاعاً، في مسيرة بناء العلاقة الإيرانية الفلسطينية، … وكنت في الوسط موازناً بين الموضوعية والعاطفة الشديدة تجاه الطرفين.. قبل الثورة حيث كان الحب والشوق شديداً في ما بينهما.. في رحلتي الأولى الى النجف لتدشين التواصل بين الإمام وأبي عمار.. سألني في غداء على شرفي عدد من كبار معاوني الإمام عما إذا كنت ألتقي ياسر عرفات، وعندما أجبتهم بالإيجاب قالوا: هنيئاً لك… وبعضهم مسح عباءتي بيده تبركاً ـ في هذا الوقت.. قبل تصاعد الثورة ونجاحها.. كانت القيادات الفلسطينية على مقدار من البرود.. وأبو عمار يريد ان يبني العلاقة على أساس ان هناك حراكاً كبيراً يمكن توظيفه حتى لو لم ينجح.. وكان أبو جهاد يشجع من دون اندفاع ويهتم بالايرانيين الموجودين في لبنان وبكل الألوان.. وكانت بقية القيادات النخباوية تراقب بايجابية محدودة. ومع تقدم الثورة لاحظ أبو عمار حجم المسألة.. فصار لديه ميل الى الايحاء بأنه في خلفيات الثورة وشريك من البداية.. وفي طهران، في الرحلة الأولى أصر ابو عمار على تكرار قوله في خطاباته الى الشعب الايراني: إنهما ثورتان في ثورة واحدة بقيادة الإمام الخميني.. وان كان لسانه قد سبقه اكثر من مرة فقال: بقيادة سماحة آية الله الموسوي الخميني.. وباباي لبريجنسكي مستشار الامن القومي الأميركي وقتها .. من هنا من طهران.. باباي لمصالح اميركا في الشرق الأوسط.. رداً على بريجنسكي الذي كان قد قال: باباي لمنظمة التحرير الفلسطينية.. وقد كان التعبير عن الحب والشوق لأبي عمار في طهران عظيماً.. في الرحلة الأولى والثانية التي سبقتها تعقيدات اسست لبداية الاختلاف عندما لاحظ كل منهما انه يريد الآخر كاملاً في حسابه المختلف.. الى الممارسات المفاجئة والمدهشة والمخجلة احياناً. خاصة من قبل بعض من فهموا طهران بسطحية شديدة. لقد استقبل الشعب أبا عمار استقبالاً لا مثيل له في استقبال الشعب السوري لجمال عبد الناصر في أعياد الوحدة… وهو أقل بقليل من استقبال الامام الخميني.. او أقل بكثير ولكنه كثيراً ايضاً.. وقد ذكرت بعض الأمور اثناء حديثي عن ابي عمار في طهران.. هذا الكلام كتبته مقدمة للقول بأن المرحوم ياسر عرفات أحس ومنذ وصوله الى طهران واحتفائها به بشكل غير متوقع.. بالجميل تجاه دوري وجهدي.. ولكنه اخذ مبكراً في التعبير غير المباشر والمباشر احياناً عن كوني قد أصبحت عائقاً.. فكان يتقصد ابعادي أو يغتنم بعدي.. انا وغيري. سوى هاني الحسن.. وفي لقاءاته التي اجراها مع الايرانيين.. ولم يقل لي شيئاً في حالات غيابي عما تم البحث فيه أو الاتفاق عليه. وتبعاًُ لذلك لم يعد يكلفني الا بالمهمات الصعبة جداً او المستحيلة. من قبيل تحميلي رسالة للامام الخميني يعرض فيها التوسط بينه وبين السيد كاظم شريعتمداري بعد احداث تبريز التي اخذت طابع احتجاج آذربيجاني على الجرعة الفارسية في الدولة بعد الثورة وان كانت مشوبة بصراع المرجعيات..

اما في المرحلة الثانية وفي الذكرى السنوية الأولى لانتصار الثورة فقد اقتحم الايرانيون صفوف الآليات العسكرية في العرض الذي جرى في ميدان آزادي من اجل ان يصلوا الى المنصة التي كان يجلس عليها ابو عمار لمصافحته. ومات منهم اثنان تحت عجلة دبابة من دبابات العرض. وفي الانتخابات النيابية الاولى شاهدنا صوراً لرجال دين مرشحين تقوم الدعاية لهم على لصق صورهم مع ابي عمار في الشوارع.

وتعجب الامام الخميني وقتها وسد هذه الطريق.. ومرة أخبرته بأن الايرانيين مشتاقون اليه فقال: انا حاضر إذهب الى طهران وهات لي معك قراراً بانهاء الحرب.. فوعدته خيراً ونسيت الموضوع أو تناسيته.. ابو عمار لم يكن يبسط الأمور.. كان قد اتخذ قراره باستخدام العرب في ايران واستخدام ايران في العرب.. كانت تعقيدات فلسطين تملي عليه ذلك. وكان الايرانيون يريدونه كله في مشروعهم وبشروطهم المعقولة وغير المعقولة، ولكن الذين يعملون معهم لا يعرف جميعهم بمكنوناته وآفاق رؤيته ويتعذبون من الفرق بين نواياهم ورغباتهم والواقع.. وفي كل حال.. عندما ذهب ابو عمار الى طهران في المرة الثانية.. لم يخبرني لا قبل ذهابه ولا لدى عودته.. واذ ادعى انني الذي اقترح على ابي جهاد ان يتواصل مع الامام الخميني بناء على صورته الايجابية في الذهن الايراني عموماً… وكتبت رسالة وقعها ابو جهاد وحملتها الى باريس.. وكان من ثمراتها تشكيل لجنة للمتابعة برعاية ابي جهاد.. ولكن ابا جهاد عندما سافر لم يخبرني واصطحب معه اخواناً له ولي لم تكن لهم علاقة عميقة بالثورة.. وقرروا من يومها ان يصبحوا خبراء في ايران.

مقابل ذلك ومن الجانب الإيراني أذكر أن القيادي الصديق والرفيق السيد جلال الفارسي وصل الى لبنان بعد نجاح الثورة بأشهر وقبل فاجعته بالفيتو عليه في انتخابات رئاسة الجمهورية التي رشح لها وأخرج منها لأن والدته ما زالت أفغانية الجنسية… وكان السيد جلال بصحبة الشهيد محمد صالح الحسيني صديقي ومفتاحي الأول على القيادات الإيرانية في المنفى.. في حين كنت مفتاحه الوحيد على القيادات الفلسطينية واللبنانية… زار فارسي القيادات الفتحاوية من دون علمي أو إعلامي بموضوعات البحث.. ولم أر في ذلك علامة على استبعادي لبساطتي… ووسع جلال ومحمد صالح وعقدا لقاءات مطولة مع قيادات غير فتحاوية ـ الديموقراطية مثلاً ـ وسمعتهما يتحادثان في ما دار وفي ما سوف يبحث في لقاء آخر.. واتضح لي أن ذلك يدور من وراء ظهر أبي عمار الذي في تقديري يرضى عنه إذا عرض عليه.. فالتفت الأخوان لي وقالا معاً.. وبشكل كورالي… سيدنا هذا شأن إيراني وأنت لبناني… وتلمست المطر الذي بلل جبتي وعمامتي وأنا في طريقي الى السفارة.. وفهمت لماذا كانا يجتمعان بالسفير ويتركانني من دون استئذان.. ويعودان ولا يعتذران ويدعوانني الى العشاء على أرض السفارة.. وشعرت بالبرد الشديد وعدت الى منزلي سريعاً لطلب الدفء… تماماً كما عدت من إيران لطلب الدفء في لبنان.. وكما شرعت أرى لبنان من فلسطين وفلسطين من لبنان.. من دون خلط أو تخليط طلباً للصواب. ومن مثلها أني بذلت جهداً مضنياً على مدى سنة ونصف من أجل جمع السيد محمد حسين فضل الله والرئيس نبيه بري بعد شقاق مُرّ وطويل.. وقد كانت آخر العقبات هي المكان.. الذي أصر الإثنان على أن يكون في مكان أقرب الى أي منهما من الآخر.. فرفض كل منهما ذلك… وفي لحظة يأس.. وافقا أو أن السيد فضل الله اقترح ذلك على أن يكون اللقاء في منزلي في الضاحية فأدركني الخوف السياسي من هذا العبء الثقيل.. فبحثنا عن مكان محايد.. واتفقنا على منزل المرحوم جميل سعيد الذي ارتأى أن يكون حاضراً معه في المجلس صديقه المغترب هاني صفي الدين.. وتم اللقاء في اليوم نفسه.. لم أتكلم كثيراً.. كنت أصغي وأشغل نفسي بتناول طعام العشاء… وقال كل من الرجلين ملخصاً لقاءهما المغلق.. "دفتر أبيض" وبداية مختلفة.

وعندما صدرت مجلة الوحدة الإسلامية الأسبوعية نشرت خبراً صادراً عن المكتب الإعلامي للسيد فضل الله وبتوقيع شخصي من المسؤول عن المكتب قال فيه إن لقاء وتفهماً حصل بين السيد والأستاذ في منزل جميل سعيد بعد مساع طويلة من جميل وهاني صفي الدين.. ولم يذكر اسمي ولو كأحد الحضور.

ومنها أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين فكر في زيارة القاهرة وعمل مع فريق عمله وأنا معهم على التمهيد لها.. وتمت الدعوة.. وفوجئنا بغموض وفقر في برنامج الزيارة كما وصلنا من السفارة في بيروت قبل ساعات من سفرنا ولم يكن من المنطقي أن نتراجع.. وقلت له: في القاهرة نتدبر أمرنا.. وفوجئنا أن الذي استقبلنا في مطار القاهرة كان موظفاً من وزارة الأوقاف من الدرجة الثالثة وأن السيارة المعدة لتنقلاتنا هي سيارة مرسيدس طراز 1970 ونحن في أواسط التسعينات.. أجريت اتصالاً عاجلاً بصهري محمد عبيد مدير عام وزارة الإعلام، ملحاً على أن يلحق بنا ويتصل بمن يهمه الأمر قبل سفره.. فاتصل ووافانا السفير الدكتور هشام دمشقية بسيارات السفارة.. وكان كريماً ولائقاً ومتعاوناً مع رجل الأعمال اللبناني في القاهرة السيد فؤاد حدرج الذي كان سبباً في تفادي كثير من الإحراجات وصولاً الى الفندق الذي عاد المصريون فعالجوا أمره.

واتصل السيد محمد عبيد قبل أن يصل الى القاهرة في اليوم التالي لينضم إلينا بصديقه المرحوم ياسر فرحات الذي قدم مؤسسته الإعلامية بسياراتها وأدواتها وإعلامييها لتغطية الزيارة على مدى أيام وبشكل متواصل (24 ساعة) مجاناً واستخدم نفوذه الإعلامي فاستنفر أجهزة الإعلام العربية والأجنبية في القاهرة ما شكل جاذباً للإعلام المصري والذي تغيرت وتيرة عمله معنا بسبب الجهد المشترك لمحمد عبيد وياسر فرحات ومساعدتي وتجليات الشيخ شمس الدين الفكرية الجذابة.. وأكمل فرحات دوره من خلال تنبيه المسؤولين في مصر الى أهمية الرجل. بعد أن أخبرته باعتراضي على طريقة التعامل.. وأعتز شخصياً بأني استفدت من هذا كله وكنت أحد أهم عوامل نجاح الرحلة وبشكل غير عادي متكلاً على الله وعلى الكفاءات الفكرية للشيخ شمس الدين.. الذي عاملني بحنان مفرط.. حتى أنه تدخل في نوعية طعامي.. ولم يوفرني في الاستشارة حتى في التفاصيل وكثيراً ما عمل بمشورتي..

نجحنا بامتياز.. وعلى كل المستويات.. وعندما عدنا قضى الشيخ الدين زمان السفر في الطائرة الى بيروت في استشارتي في الخطوات اللاحقة مع التركيز على أن أتسلم العمل في دار التقريب التاريخية والتي أبلغه وزير الأوقاف الدكتور محمود حمدي زقزوق بأن الدولة مستعدة لوضعها تحت تصرفه.. وفي المطار كان شيخ الأزهر ووزير الأوقاف في انتظار وصول موكب الشيخ لمدة ساعة نظراً لازدحام السير في الطريق وتأخرنا في الوصول.. وودعاه على سلم الطائرة… وفي الرحلة الثانية الى القاهرة بعد أشهر لم يخبرني الشيخ بنيته في السفر الى القاهرة… وعليه فكلها سلطة بالمعنى الحرفي والجرفي… دينية كانت أم مدنية.. مداورة أو مباشرة أو مناورة.. ولا داعي للزعل.. ولو أردت أن أسرد أمثال هذه الوقائع والمفارقات لاستغرقت كتاباً كاملاً… ولكني أذكرها كشاهد على أنه يكاد يكون تاريخ العلاقات الفكرية بالمؤسسات الدينية والسياسية واحداً.. مما لا داعي معه الى التعجب أو الدهشة أو الغضب أو الحسرة… طبعاً أي كتاب يكتب في هذا الشأن سوف يكون للرئيس بري فيه فصل خاص..

أليس هذا من علامات النجاح؟ ولكن هل هو من علامات فشلي وفشل أمثالي؟ هناك زوايا متعددة للنظر.. وفي كل حال فإن المشاركة مؤقتة وعلى القطعة..

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.