أنيس صايغ مؤسس التعقّل في أزمنة الفوضى

0
109

كان ذلك عام1967، حين تسلّمت من أحد مراكز منظمة التحرير الفلسطينية في مخيم خان يونس كتبا من نوع مختلف لم أعهده من قبل، بل لا أبالغ إن قلت أنها كانت ـ ومنذ العناوين ـ تشير إلى موضوعات أخرى، وفكر مغاير: إنها الإصدارات الأولى لمركز الأبحاث في المنظمة والذي تأسّس وانطلق عمله بعد تأسيس المنظمة ذاتها بوقت قصير.

اللاّفت في تلك العناوين كان تغطيتها لموضوعات تتعلّق بإسرائيل من جوانب سياسية واقتصادية وحزبية0

كنا في تلك الأيام نتحدث عن الدولة العبرية كثيرا، ولكننا نمتلك لها صورة ضبابية، غامضة وملتبسة، بل وفيها من الأوهام ومن رغباتنا أكثر ممّا فيها من الحقائق الموضوعية، التي يمكن أن تساعدنا في فهم تلك الدولة، ومعرفة كيفية مواجهتها0 هنا بالذّات كانت تلك "الكتب الأولى" تتميّز، فقد اختارت لغة أخرى هي لغة البحث العلمي، الهادئ والبعيد عن الانفعالات والأهواء0

أتحدث هنا بالذات عن رجل تلك التجربة ورائدها بامتياز : الدكتور أنيس صايغ0

جاء أنيس صايغ إلى فكرة ومنهاج عمل المركز من ذهنية مختلفة : رؤية الصراع العربي ـ الإسرائيلي بمفهومه الشامل ، ولكن أيضا رؤيته في تفاصيله وجزئياته، أي تجزئة موضوعاته، والتي هي في الواقع أقرب إلى "تجزئة الدولة العبرية" ذاتها: المستعمرات موضوع يستحقُ دراسات شاملة، عميقة وتتتبّع النشأة التاريخية والمفاهيم، كما ترى الواقع، ومثل ذلك بالنسبة لتاريخ ونشأة الأحزاب، وموضوعات الزراعة والصناعة والسكّان في ذلك الكيان الغامض، والملتبس صورة ومفهوما في وعي وأذهان المواطنين العرب، والذي يزيد في التباسه حرص الإعلام العربي في تلك السنوات على الحديث عن إسرائيل ككيان يقع بين حدّين نقيضين: الشيطنة والضعف. وهذا ما جعل المواطنين العرب يؤمنون بأن القضاء على الدولة العبرية ليس سوى مسألة "ظروف دولية مواتية" إذ أن الدولة ذاتها لن تصمد أمام الزحف العربي الشامل أكثر من يوم أو بعض يوم.

هنا بالذات أخذ فكر ومنهجية عمل أنيس صايغ دورهما التاريخي: إعادة جدل العرب حول الصراع مع تلك "الدّولة الغامضة" إلى تخوم الواقعية، أي رؤية الحقائق كما هي وليس كما نرغب نحن في رؤيتها عليه، ولعلّ من يعود اليوم لمنشورات المركز في تلك الفترة سيكتشف كم كانت جديدة و"صادمة" للوعي المعلّب الذي كانت تضخّه وسائل الإعلام العربية، والذي فوق زيفه كان يحيل المواطنين العرب إلى حالة انتظار سلبية لتلك الأحلام الوردية عن النصر الخاطف والسريع والنهائي. فالفكرة الأهم في منهاج عمل البحث الذي أسّسه أنيس صايغ هي تماما نبذ تلك الأوهام والعودة بالوعي إلى سكّة الحقيقية التي لا تتوفّر إلا بذهنية الدراسة الموضوعية، العلمية ، والمتحرّرة من الأهواء والرغبات المسبقة0

هي إذن المعلومة ولا شيء سواها0

تلك الدراسات انطلقت دوما من الاهتمام بالمعلومة أكثر من اهتمامها بالرأي أو الموقف: في هذه النقطة واجه عمل المركز ولسنوات عديدة تشكيكا واتهامات نعتته ب"الحيادية" واستخدام الطريقة الأميركية، ليدرك الجميع بعد ذلك أن البحث العلمي الذي اعتمده الرّاحل أنيس صايغ منهاجا للمركز كان في الحقيقة يقوم على فكرة بالغة الصوابية، هي رؤية العدو كما هو في الواقع ، وإدراك نقاط قوّته ومكامن ضعفه، وأيضا متابعة الحياة هناك في ميادينها المختلفة0

نتحدّث عن الفكرة ومنهاج العمل ونحن ندرك أنهما يحتاجان إلى عقول: في هذا المجال أقام أنيس صايغ صرحه العلمي على مجموعة كبرى من الباحثين العقلانيين من مختلف الأقطار العربية، مستفيدا من تخصّصاتهم المختلفة، وفي الوقت نفسه إنطلق في "تكليفات" بدراسات وأبحاث يقوم بها دارسون غير متفرغين في المركز0 أتحدث عن هذا وأستعيد الأعداد الأولى من مجلة المركز "شؤون فلسطينية"، والتي تمنحنا العودة إليها اليوم فرصة قراءة مجموعة الأسماء الهامة وعالية الكفاءة التي شاركت في تقديم الدراسات لها ، والتي استفاد المركز من تخصّصاتها الأكاديمية أو خبراتها العملية0 هنا أيضا أرسى "مركز الأبحاث" تقاليد الدراسات العبرية بما فيها الترجمة ، وهي دراسات أتاحت فرصا حقيقية لقراءة الحياة السياسية اليومية في إسرائيل قراءة جادّة تستند إلى الحقائق0

[2

أنيس صايغ الفلسطيني ، اللّبناني والسوري أيضا ، والعربي دوما0

تنحدر عائلة الرّاحل أنيس صايغ من بلدة "خربا" في منطقة حوران جنوب سوريا0 عائلة بروتستانتية، فأبوه هو القس عبد الله صايغ راعي الكنيسة في البلدة الصغيرة الذي أجبرته المواجهات السورية الشّرسة مع الاحتلال الفرنسي بعد الثورة السورية الكبرى عام1925 على الرّحيل من بلدته متجها جنوبا نحو فلسطين ليستقر مع عائلته في طبريا0

أنيس صايغ هو الابن الأصغر لمجموعة من الأخوة هم فايز وتوفيق ويوسف، وكلّهم تميّزوا بمسيرتهم العلميّة الجادّة التي حصلوا خلالها على شهادات عليا من بعض أهم الجامعات في العالم وفي اختصاصات مختلفة. ذلك أيضا ترافق مع شغف ملحوظ بالحياة العامة، إذ لم تحجبهم تلك الشهادات المرموقة عن زج أنفسهم في حمأة التطورات السياسية العاصفة في المنطقة العربية ومن حولها فامتلكوا بذلك حيوية مكّنتهم من إفادة أمّتهم بما حصلوا عليه من علم وفير.

تجربة أنيس صايغ السياسية لم تمنعه أبدا من ترشيد عمله البحثي العلمي، وهو انطلاقا من مفاهيمه البحثية تلك ظلّ بالغ الحرص على استقلالية عمل مركز الأبحاث. كان يعرف أن القيادة الرّسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية تتطلّع دوما إلى "توظيف" عمل المركز لخدمة تكتيكاتها السياسية اليوميّة، فيما رأى هو بإصرار أن عمل المركز هو في خدمة الجهد الإستراتيجي الفلسطيني والعربي ، ولا يجوز أن يقع في اليومي التكتيكي والمتغير في أية لحظة.

من هنا بالذات نشأ الصراع الخفيّ مرة، والمعلن مرة بينه وبين قيادة المنظمة والذي انتهى بمغادرته المركز الذي أسّسه وأرسى دعائمه كلّها ومنها بالطبع تلك المكتبة الضخمة التي كانت أهم ثرواته على الإطلاق0

رحلة الرّاحل أنيس صايغ مع مركز الأبحاث، واجهت طيلة تلك العقود محطات لم تخل من مخاطر وأهوال، فصاحب الفكر العلمي والنظرة البحثية الموضوعية في محاولة رؤية الدولة الإسرائيلية لم يدرك أحد خطورة عمله كما أدركت إسرائيل التي أرسلت له أواسط عام1972 طردا ناسفا أودى بإحدى عينيه وأطراف أصابعه في إشارة للدور الكبير الذي كان يلعبه في أتون الصراع ، والذي أدركت إسرائيل أن أخطر ما فيه مساهمته في تجذير وعي فكري وسياسي عربي يتجاوز ذهنية الإعلام البسيط والسطحي.

أنيس صايغ هو أيضا رجل وحدة وطنية بامتياز هو الذي حرص طيلة عمره وتجربته على البقاء على مسافة واحدة من كل الأطراف الفلسطينية دون أن يفقد مع ذلك مواقفه السياسية ورؤيته للصراع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل0

رحل أنيس صايغ عن عالمنا في زمن فلسطيني وعربي صعب، سمته الأبرز الفرقة والتشرذم وغياب العقلانية، أي كلّ ما حمله الرّاحل لأمته وشعبه الفلسطيني من زاد.

حسبه أنه أسّس وأرسى.

وحسبه أنه أطلق أجيالا من الباحثين العقلانيين، المستنيرين والدؤوبين على الدراسة وإعمال الفكر.

أنيس صايغ أكبر من فرد، إنه ذهنية وروح حياة باتت تسكن العقول، ونحتاج الى أن نعود إليها كي يمكننا أن نرى في زمن عربي بالغ الظلمة.

أيها الكبير أنت لم تمت.

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.