الفلسفة هي تكوين المفاهيم وليس إبداعها

0
144

حظي الفيلسوف جيل دولوز باهتمام كبير في الأوساط الفكرية والفلسفية في العالم، حيث كُتب عنه العديد من الدراسات والمؤلفات، وترجم معظم أعماله، وخصوصاً الرئيسية منها، إلى لغات عديدة، وترجم بعضها أيضاً إلى اللغة العربية، وبخاصة كتابه "ما الفلسفة"، و"الاختلاف والتكرار"، و"ألف سطح"، و"سبينوزا ومشكلة التعبير"، و"نيتشه والفلسفة"، و"التجريبية والذاتية"، و"فلسفة كانط النقدية"، وكتابه عن فوكو الذي ترجم تحت عنوان "المعرفة والسلطة مدخل لقراءة فوكو"، وكتابيه عن السينما "الصورة – الحركة" و"الصورة – الزمن" وسواها؟

وفي سياق تواتر الاهتمام بأعمال دولوز وفلسفته يأتي كتاب "جيل دولوز وتجديد الفلسفة" للدكتور جمال نعيم، الذي حاول إظهار دولوز كمخرج للفلسفة من أزمتها، وكمجدد لها، في المضمون والأسلوب، حيث يحصر أوجه هذا التجديد في ثلاثة عشر نقطة، تبدأ في تبيان دولوز أن ما يُشاع عن أزمة الفلسفة ونهايتها وموتها عائد إلى أنه قد أُسيء فهمها، وتنتهي بفتح دولوز لحقل جديد في التفلسف يتمثل في الجغرافيا وتواطؤ الكون ومسطح المحايثة.

وقد اقتضى ذلك الخوض في مفهوم دولوز عن تاريخ الفلسفة، واستعراض وترجمة مقاطع من أعمال دولوز الرئيسية: "الفرق والتكرار"، و"ألف سطح"، و"ما الفلسفة"، حيث يظهر أن للفلسفة تاريخاً وصيرورة، لكن دولوز اهتم بالصيرورة أكثر من اهتمامه بالتاريخ، حتى في تأريخه للفلسفة، فكان يُجري صيرورات بين الفلاسفة.

ويأخذ جمال نعيم على ترجمات دولوز إلى اللغة العربية معتبراً أنها كانت ترجمات مستعجلة وغير موفقة، وتعاني من ثغرات كبيرة، تؤدي إلى تشويه دولوز، وتقدم للقارئ العربي معاني معكوسة. ويعترض على ترجمات العديد من المفاهيم والمصطلحات التي استخدمها دولوز، ولعل أهمها كلمة "concept"، التي يترجمها بـ"الأفهوم" بدلاً من ترجمتها الشائعة "مفهوم". والأفهوم ترجمة اقترحها وفضلها سواه من المترجمين والكتاب العرب، لكن المستخدم في معظم الكتابات هي "مفهوم" التي آلت إلى صيغ اصطلاحية كثيرة ومختلفة، كونها تشير إلى منظومة من المعاني والدلالات التي تترابط في ما بينها. والأمر ينطبق على ترجمة مفردات ومصطلحات أخرى يقترحها، لكن أن يقترح ترجمة "connaissanse" بمعرفة وترجمة"savoir" بـ"علمان" فأعتقد أنها غير موفقة، لأن استخدام مفردة علمان ثقيل وقديم وقليل التداول. وهناك المفهوم الدولوزي "plan dimmanence" الذي يأخذ ترجمته في صيغة "مسطح المحايثة"، التي لا تفي بالغرض الفلسفي من المفهوم، من مطاع صفدي، بينما ترجمه طه عبد الرحمن في صيغة "بساط الملازمة" في كتابه "فقه الفلسفة"، وقد اقترحت ترجمته في صيغة: "مقام المحايثة" في كتابي "أقلمة المفاهيم". وخلاصة الأمر، ليس جديداً اختلاف الترجمات، نظراً لاختلاف الاجتهادات والقراءات والتأويل.

وقد عاش دولوز (1925 – 1995) المرحلة التي ذهبت فيها الفلسفة في اتجاهات جديدة وامتدّت إلى مساحات جديدة في الفكر والتفكير، وراحت تبني فيها معماريات متعددة ومختلفة. وكان على "جيل دولوز" البحث عن متحقق الفلسفة خارج الفلسفة التقليدية، بحثاً عن فضاءات منسية، ومساحات لم تطأها الفلسفة بعد، واقتضى هذا القيام بمراجعة فلسفية لمسار الفكر الفلسفي وأطروحاته، خلال مجمل تاريخه، بدءاً من "أفلاطون"، مروراً بـ"نيتشه"، و"سبينوزا"، و"هيوم"، و"برغسون".. وصولاً إلى "كانط"، و"هيغل". كما اقتضى تفتيت فلسفة الذات الغربية، وتفكيكها إلى عناصرها الأبسط، بغية إيجاد ممكنات الخروج منها، بعدما وصلت هذه الفلسفة إلى طريق مسدود.

وانشغل جيل دولوز بالسؤال عن ماهية الفلسفة، وهو سؤال انشغل الفلاسفة به منذ زمن بعيد، وقدموا إجابات عديدة ومختلفة. لكن السؤال "ما الفلسفة" أو "ما هي الفلسفة" لم ينقطع بجواب، ولم تنقطع إمكانية طرح هذا السؤال، الذي يطرح عادة كموضوع لمدخل الفلسفة. ومع أن مراجع السؤال جد قليلة، لكنه سؤال يطرحه الفلاسفة في اضطراب خفي. لكن السؤال عن ماهية الفلسفة، يجيء عند دولوز كشرط لبلوغ المعرفة وحصولها، وبناء الفلسفة وممارستها. إذ هو سؤال لازم، ومتعدّ كذلك، لا يحده قرار ولا ينقطع بجواب.

وينحصر جواب دولوز في أن الفلسفة هي "فن تكوين وخلق، وصنع المفاهيم"، وليس "إبداع المفاهيم"، التي يشدد عليها جمال نعيم، ويكررها عشرات المرات في كتابه، لأن دولوز كان يكره كلمة "إبداع"، ويستخدم كلمة "خلق" بدلاً منها. لكن المفاهيم بحاجة إلى شخصيات مفهومية، إذ الفيلسوف صديق المفاهيم وصانعها، إنه مفهوم بالقوة. هذا يعني أن الفلسفة ليست مجرد فن تشكيل وابتكار وصنع المفاهيم، ذلك أن المفاهيم ليست بالضرورة أشكالاً أو اكتشافات أو مواد مصنوعة. إن الفلسفة بتدقيق أكبر هي الحقل المعرفي القائم على خلق المفاهيم، مع أن المفاهيم ليست في انتظارنا، بمعنى ليست هناك سماء للمفاهيم، بل ينبغي ابتكارها وإبداعها.

كما أن الفلسفة ليست تأملاً، لأن التأملات هي الأشياء ذاتها من زاوية النظر إليها في إطار إبداعات مفاهيمها الخاصة. والفلسفة ليست تفكيراً، لأنّ لا أحد بحاجة إلى الفلسفة للتفكير في أي شيء كان: فالرياضي لم ينتظر قدوم الفلسفة لكي يتفكر في الرياضيات، ولم ينتظر الفنان مجيء الفلاسفة للنظر في الرسم والموسيقى. والفلسفة ليست تواصلاً كما اعتقد هابرماس، لأنها لا تجد أي ملجأ نهائي في التواصل الذي لا يعمل بالقوة إلا في مجال الآراء، وذلك من أجل خلق إجماع وليس من أجل خلق مفهوم.

وفق الفهم السابق، فإن الفلسفة لا تقول إلا ذاتها، لأنها غير معنية إلا بذاتها، إذ هي لا تعرف المرجع، لا تعرف الإحالة ولا الدلالة. تقول ذاتها، ولا تقول أي شيء، وليس لها أصل بذاته. إن كان ثمة أصل لها، فهو ما قبل الفلسفي، على أن لا يعني وجود شيء مسبق لها، إنما يعني لا يوجد شيء ما خارج الفلسفة. وقد يوجد اللافلسفي في الفلسفة أكثر من الفلسفة نفسها. هكذا يفهم دولوز الفلسفة، ونفهم من ذلك أن الفلسفة لا تُفهم فقط بشكل فلسفي، كونها غير مقصورة على الفلاسفة وحدهم، بل هي في جوهرها تتوجه إلى غير الفلاسفة، وهذا يؤكد الحق في الفلسفة كحق طبيعي للإنسان.

غير أن خلق المفاهيم داخل التجربة الممكنة أو الحدس عملية يتطلب بناؤها داخل حقل أو أرضية أو مستوى، يحضن بذورها والشخوص الذين يقومون بحرثها، من غير أن يمتزج بها، وهذا لا يقوم إلا على حيّز من المحايثة، يشكل مادة المفهوم الدولوزي وقاعدة لبروزه، إنه المقام.

يحيلنا هذا المفهوم إلى عالم التواجد والتحايث الذي يمنح الإبداع وجوداً مستقلاً، حيث تتخلى التجربة عما تتمسك به ذاكرتها الموروثة من كل براثن المذهبيات الميتافيزيقية التجريبية منها أو الوضعية والواقعية، وتدخل عالم الاختلاف والغيرية. والمفاهيم الفلسفية هي كليات غير متراصة وغير متطابقة، ما يعني تشظيها، مع أن المفاهيم والمقام أو المسطح متقاربة بشكل كبير إلا أنها غير متطابقة في ما بينها، ومقام المحايثة ليس مفهوماً ولا مفهوم المفاهيم. وكون الفلسفة ذات نزعة بنائية فذلك يعني خلق المفاهيم وإشادة المقام، لذلك يشبه دولوز المفاهيم بالموجات المتعددة التي تعلو وتهبط، بينما مقام المحايثة هو الموجة الوحيدة البارزة التي تلفها وتنشرها .

مقام المحايثة كما يبنيه جيل دولوز ليس مفهوماً فكرياً ولا مفكراً به، إنما هو صورة الفكر، تلك التي يعطيها الفكر عن نفسه، عن ماهيته، وعن استعمال الفكر والتوجه داخل الفكر. والمقام ليس منهجاً يتبع، لأن كل منهج يحتوي على العديد من المفاهيم ويفترض مثل تلك الصورة. أما صورة الفكر فهي لا تستبقي إلا ما قد يحق للمفكر الاضطلاع به، بينما يضطلع الفكر بالحركة التي قد تحمل إلى اللانهاية. إنها حركة اللامتناهي تلك التي يضطلع بها الفكر وينتجها أو يخلقها، وهي التي تشكل صورة الفكر.

ويعتبر "دولوز" مقام المحايثة وكأنه قبل- فلسفي، مفترض مسبقاً، ليس على شكل مفهوم معين يمكن أن يحيل إلى مفاهيم أخرى، بل إن المفاهيم تحيل هي ذاتها إلى نوع من فهم حركات لا مفهومية. فعند ديكارت "الأنا أفكر" مفترض من قبل كمفهوم أول، وعند الإغريق شكل اللوغوص (Logos) مقاماً معيناً، وقد جعل كلّ من كانط وهوسرل – انطلاقاً من ديكارت – الكوجيتو مقام المحايثة باعتباره حقل الوعي، أي محايثة لوعي خالص، ولذات مفكرة قابلة للتعالي وليس متعالية كما يسميها كانط.

وتأتي الفلسفة لتشيّد المقام وتبدع المفهوم، إذ المفهوم بداية الفلسفة والمقام إشادة لها، وبالتالي فإن مقام المحايثة هو أرضية الفلسفة وتأسيسها. بذلك توجد الفلسفة حيثما توجد المحايثة، فيرسم الفيلسوف مقام التشييد، ويقيم عليه صورة للفكر، ومادة جديدة للكينونة. والفلسفة كما يراها دولوز هي جيو- فلسفة بوجه ما، لذلك لا يمكن اختزال الفلسفة إلى تاريخها الخاص، إذ هي بخلقها لمفاهيم جديدة لا تتوقف عن انتزاع نفسها من التاريخ، وهي لا تأتي من التاريخ وإن وقعت فيه أحياناً. لذلك يخلص إلى أن ظهور الفلسفة في اليونان كان وليد احتمال بدل ضرورة، وليد وسط أو محيط بدل أصل، ونتيجة صيرورة أكثر مما هو نتيجة تاريخ، ونتيجة نعمة بدلاً من طبيعة.

غير أن ما يلتقطه التاريخ من الحدث ليس سوى أقلمته في وضع معين أو في المعاش، لأن الحدث في قوامه الخاص وفي صيرورته وكمفهوم، ينفلت من قبضة التاريخ. تولد الصيرورة في التاريخ وتقع فيه من غير أن تكون التاريخ، هي جغرافية أكثر منها تاريخية. إنها العلاقة بين الفلسفة واللافلسفة؛ لذلك يطالب دولوز الفيلسوف أن يغدو لا فيلسوفاً كي تغدو الفلسفة لا فلسفة. فالصيرورة مزدوجة دائماً، وهي التي تشكل شعب المستقبل وأرض المستقبل.

" المستقبل "

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.