خطوة واعدة محلياً وعربياً!

    0
    141

    قامت سوريا ولبنان بخطوة مهمة نحو مستقبل من نمط مختلف عن النمط الذي عرفتاه في ماضيهما القريب؛ سيأخذهما نجاحها إلى علاقة صحية ترتكز على ما يجمعهما من مصالح ومشتركات تاريخية ودينية وثقافية ولغــوية وأمنية…، وأهداف عامة يفرضها الواقع والتاريخ، في تبنيهما الموحد لها خروجهما الأكيد من احتجاز مؤلم ومديد، سببه الحذر والشك بين الدولتين، واعتمادهما نظرتين متناقضتين إلى علاقاتهما، تنطلق واحدة منهما من حق الأخ الأكبر على أخيه الأصغر، ومن وجود دول/مراكز ودول/محيط عربية، وتركز الثانية على استقلال الأخ الأصغر عن أخيه الأكبر، الذي يجب أن يقر بأهليته لإدارة شؤونه.

     

    وقد أحدثت هاتان النظرتان ضروبا من تضارب السياسات والمصالح، وخلافات لم تكن في مصلحة أي منهما، ناهيك عن المصلحة العربية العليا، بينما كان عدوهما الإسرائيلي يتحين فرص استغلال وتعميق شقاقهما.

    قلت إنها خطوة مستقبلية، تنتمي إلى مستقبل عربي توافقي، أكثر مما تنتمي إلى راهن العرب المفعم بالتناحر، فما حدث خلال زيارة الرئيس الحريري إلى دمشق، وقيل عن نتائجها بعد اختتامها، يبدو وكأنه سيطوي حقبة سياسية عربية قامت على مفهوم قومي يرى في الدول العربية كيانــات آيلة إلى الزوال، يخون التاريخ وطموحات الأمة ومصالحها من يقر بنهائيتها ويقلع عن العمل لدمجها في الكيان العربي الأخير: دولة الأمة الموحدة (وجد هذا المفهوم بدرجات متــباينة من النضج والتبلور لدى العرب جميعا، بمن فيهم السوريون واللبنانيون)، قابله، بين مـفاهيم أخرى، مفهوم حضاري اعتبر الدول الصغيرة، وخاصة لبنان، مختلفة عن غيرها في هويتها وحضارتها، يجب أن يحميها الخارج من تهديد جوارها، مع ما ترتب على هذه المفاهيم المتقابلة المتناقضة من علاقات حملت كل أنواع القطيعة والضغينة والممارسات المؤذية. مع الوعد بطي هذه الصفحة من تاريخهما، سيعيش البلدان علاقات من نمط مختلف تقوم على ركيزتين هما:

    ـ تعهد البلدان بأن يشكلا، من الآن فصاعدا، ليس مركزا ومحيطا، بل مركزا مشتركا ومتقارب المواقف لعروبة تفاعلية/تكاملية، يتكفل التنسيق والحوار والتكافل المتبادل بجعله مركزا حصينا وغير قابل للاختراق، فيه من حق الاجتهاد والرأي ما يجعل من الصعب إثارة الفرقة والشقاق بين مكونيه، المرتبطين بأواصر ومصالح وعواطف وتطلعات طبيعية/تاريخية أسمى وأنبل من أن يفرط أحد منهما بها، يتيح تنسيقها وتنظيمها تخطي أية خلافات أو أحداث عابرة أو أخطاء قد تظهر هنا أو هناك. يفترض هذا، بطبيعة الحال، نمطا من التواصل تحتضنه مشتركات جامعة متوافق عليها، معلنة وثابتة وخليقة بالتعايش مع وتجاوز ما قد يستجد من تطورات إيجابية أو سلبية، من أجل فائدة البلدين وتعزيز مناعتهما، بما أنه ما لديهما من قوة وقدرات سيأتلف بعضه مع بعض، ليسهل استخدامه في تحقيق مصالحهما العليا والمشتركة. تعهد البلدان أن يقيما نموذجاً من علاقات الأخوة يجب ويمكن أن يقوم بين بلدين شقيقين، وأن يصير حاضنة علاقات شاملة لا تقف عند قطاع أو مجال من قطاعات ومجالات الحياة العامة، يمليها تفكير ونيات وأهداف مشتركة أو متقاربة، في وحدتها منافع كثيرة لهما، شريطة أن يتم هذا كله في أطر جامعة ومدروسة، تحتم النظر بطريقة مختلفة إلى ما شاب علاقات البلدين من مشكلات وخلافات وتباينات، وتعيده إلى حجمه الحقيقي، ما أن تنزع منه عناصر الشحن والتحريض التي ضخمته، فيبدو أقل من أن يسبب أزمات، ومن أن يحدث قطيعة كتلك التي عرفاها في السنوات القليلة الماضية. في إطار نظرة مشتركة تقوم على تفكير وسلوك متقاربين، وعلى مقاربة صحية لعلاقاتهما، سيكون حل خلافاتهما واختلافاتهما أمرا ممكنا من دون صعوبات وعثرات، خاصة إن توفرت الإرادة لديهما كليهما بجعل الموقف الجديد نهائيا وملزما لهما فلا عودة عنه، كما نأمل ويأمل شعبا البلدين.

    ـ ضرورة وضع حد لحقبة تنهي صراع العرب طيلة قرابة نصف قرن، كان وجوده خلالها شهادة دامغة على فشلهم، خاصة في حال كالحال السورية/اللبنانية، الفريدة والحافلة بالمزايا الطبيعية الإيجابية، التي كان يجب أن تقدم منذ وقت طويل أنموذجا ناجحا ومختلفا للعلاقات العربية/العربية، لكنها قدمت نموذجا معاكساً، لشديد الأسف. في هذا المقام، لا بد من التأكيد على أن صراعات العرب دارت معظم الأحيان حول جنس الملائكة، وأخذت صورة عراك بيزنطي وعبثي لا يعرف الصواب أو يتحاشى الخطأ، استمر طيلة نصف القرن الأخير، رغم أنه قضى على الصائب والصحيح في علاقاتهم البينية، وفاق في خطورته كثيراً مما تعرضوا له من خاطر، وصارت أضراره أكبر من أن تحتملها أمة طاولــها أذاه وقوض معظم ما كان بين دولها من أواصر طبيـــعية، سياسية وإنسانية واقتصادية وثقافية…، فكرهت كل ما يذكرها بوجــوده وطفــقت تتمنى وقفه وتتشوق إليه، مهما كان الثمن. إذا كان ما قلته حول الركيزة الأولى صحيحا، وكان لا ينتمي إلى عالم الآمال، فإن المرحلة القادمة من علاقات سوريا ولبنان ستشير إلى إمكانية قيام مرحلة توافق عربي، تعتمد أسسا مشابهة لأسس العلاقات السورية/اللبنانية الجديدة، ولأسس توافق الدول العربية مع جيرانها غير العرب، تخرج العرب من صراعات الحق والباطل وجدلهما العبثي، الذي لم يترك حقا أو باطلا في الحياة العربية، ولم يؤسس لشيء غير التباعد والتقاتل. إنها مرحلة نأمل أن تكون عربية قدر ما هي سورية/لبنانية، تبنى العلاقات العربية خلالها على جوامع ومشتركات متينة، أهمها أن أهمية أية دولة تفوق أهمية أي تكوين سياسي أو اقتصادي جزئي في الدول الأخرى، مواليا كان أم معارضا، وأن العلاقات مع أي حزب أو جبهة أو تيار في بلد عربي ـ وهي شرعية ومطلوبة ـ يجب أن تنضوي تكوينيا في علاقة رسمية وشعبية أشمل وأوسع، أساسها المشتركات والمصالح الموحدة والمتقاربة. في الترتيب المنطقي للعلاقات: يجب أن تأتي المشتركات الناظمة لعلاقات الدولتين على رأس سلم أولياتهما، تليها أهمية الدولة بالنسبة إلى الدول الأخرى، وأخيرا أهمية ما للدول من صلات مع قوى داخـل الدول الشقيقة. لا يجوز أن ترجح دولة عربـية علاقاتها مع أي تكوين جزئي على علاقاتــها مع الدولة، ومن الخطأ أن تعتبر دولة تكوينا ما اختراقا في دولة أخرى. ولا مفر من أن تنمي المشتركات، التي لا بد أن تنعكس على كل شيء ومن خلال وفي كل شيء، علاقات الدول العربية تنمية متوازنة تتخطى الأحــداث والخلافات، هي جزء تكويني من نسيج تعاون توحيدي متين وواضح الأسس، والوحدة، في نظر الوحدوي من أمثالنا، أهم من أي شيء مهم عداها، كائنا ما كانت طبيعته وكان اسمه ودوره. لبنان أهم بالنسبة لسوريا من أي مكون من مكوناته، وسوريا أهم بالنسبة إلى لبنان من أي مكون داخلي فيها. هذا ما يجب أن يكون، وما يجب أن يصير، إن كنا نريد طي صفحة الصراعات العربية/العربية وفتح صفحة جديدة في علاقات العرب، تقطع مع سياسات فشلت وصار من الضروري إيجاد بدائل لها، نأمل ان تكون علاقات سوريا ولبنان بداية ونموذجا لها، هذا إن صدقت الإعلانات والنيات وارتقى الوعي إلى المستوى الضروري لإخراج البلدين والعرب من وحول التاريخ الحديث، ولبلوغ موقع يواجهان منه أي خطر، بما في ذلك أخطار السياسات العربية القائمة في المجالين الوطني والقومي.

    يفترض ما سبق أن علاقات البلدين الشقيقين ستحظى برعاية خاصة من قيادتيهما وشعبيهما، وستظل محل تعميق دائم وإثراء مستمر، وستحصن ضد جميع الأخطاء والأخطار، وخاصة منها الخطر الصهيوني وخطر الاختراقات الدولية. إنها، كما سبق القول: أول علاقات تتمتع بقابلية الانتماء إلى حال عربي مختلف، فلتمنح إذن قدرا من الاهتمام يجعلها قابلة للعيش والاستمرار في جميع الظروف والأحوال، ليس فقط عبر علاقات الدولتين الرسمية، بل كذلك بقوة تعلق مواطنيهما بمشتركاتهما وتأييدهم علاقاتهما الجديدة واقتناعهم بضرورتها، وتحولها إلى جزء من حياتهم، يلمسون منافعه بصورة يومية من خلال الفرص التي يجب أن تتيحها حرية الانتقال والعمل بينهما، ومن خلال المشاريع المشتركة التي يجب أن تقام فيهما، وعبر شعور مواطنيهما أن البلد الآخر هو أيضا وطنهم، الذي يحبونه ويعملون في سبيل تقدمه وازدهاره. إن أعلى أشكال تفاهم ووحدة سوريا ولبنان تكمن في وحدة عقول وقلوب مواطنيهما، التي ستتكفل بإزالة حدودهما من النفوس وإن بقيت على الأرض، وستعزز إخاءهما رغم وجود سفارات تمثلهما، وستجعل منهما كيانا واحدا وإن اختلفت فيهما الأسماء والأشياء.

    هذا هو رهان العلاقات السورية/اللبنانية الجديدة، فهل نحلم ونعيش في الأوهام، إن نحن اعتبرناه قابلا للتحقيق، كما حلم ذات يوم من عام 2006 مثقفون سوريون ولبنانيون راعهم ما آلت إليه علاقات بلديهما آنذاك، أم أننا لن ننجح هذه المرة أيضا في فتح الباب لحال لبنانية/سورية جديدة ومختلفة، لديها كل الفرص لأن تصير بوابة مستقبل عربي جديد ومختلف؟

    "السفير"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.