كتاب مهموم بالثقافة الأميركية

0
210

[ الكتاب: هذه الأميركا

[الكاتب: جوناثان كورييل

[الناشر: الدار العربية للعلوم

 

يشدك الكتاب بعنوانه "هذه الاميركا" ثم بصورة غلافه المعبرة، رجل بملامح هي مزيج اعراق، مرتدياً بذلة معتمداً الطربوش. وقبل هذا وذاك يشدك الكتاب بموضوعه الذي تشكل الثقافة الأميركية همه الاساس. ومستمتعاً في قراءته؛ اذ ان الكاتب ناقش افكاره وطروحاته بأسلوب علمي موضوعي لطيف دون أن يثقل على القارئ بعبارات متشددة تميل الى هنا أو هناك. ومهما يكن من أمر، فإن الكاتب في البدء يطرح تساؤلاً هو.. ما هي ثقافة العرب والمسلمين؟! وصولاً الى استشفاف سمات وعناصر الثقافة الاميركية.. منطلقاً في رحاب استقرارات في التاريخ الاجتماعي بحثاً عن اجابة، وهو يعود في قراءاته "الى ما كان متناثراً مخبّأً في مجلدات اكاديمية غامضة، وفي كتب مكتبات مغبرّة، وكانت تعرفة نسبة قليلة من الطليعة ومن نخبة الأكاديميين".

الا ان الكاتب بصورة مغايرة لما ذهب اليه هانتنغتون، يعقّب مناقشاًَ ومبيناً بأن هذا انما "يمثل تخلفاً حضارياً" وهو مضاعف لدى هانتنغتون، ويعزو ذلك الا انه نفسه استخدم قصر الحمراء، التراث المعماري الاسلامي في اسبانيا (الاندلس) رسماً زين به غلاف كتابه "صدام الحضارات" تبرز فيه أقواس قصر الحمراء المغطاة بالزخرفة العربية والخط العربي، كما يلفت الكاتب الى ان أحد كتّاب اميركا الأكثر شهرة "واشنطن ارفينغ، قد زار قصر الحمراء في منتصف القرن التاسع عشر وأولع بتاريخه وجماله الهندسي، ثم كتب كتاباً وزوّده بالصور الايضاحية ما ألهم بناء عدد لا يحصى من القصور المقلدة في الولايات المتحدة. لذا فقد أتى تحذير هانتنغتون بشأن تعدد الثقافات في اميركا في غير محله وفي القرن الواحد والعشرين على وجه الخصوص، اذ ان الولايات المتحدة، والقول ايضاَ للكاتب، ليست مؤلفة من جذور مسيحية يهودية فحسب؛ بل من جذور اسلامية على السواء. ولكن، وعلى مرّ القرون، تم فصل هذه الجذور الى ابعد حد عن مصادرها الأصلية، الى درجة ان زوار قصر الحمراء في إانسايل في انديانا، والأموني سان انطونيو في تكساس و.. ليس لديهم فكرة عن ان هذه المباني مرتبطة بالثقافة العربية والاسلامية، مضيفاً بأن هذه الروابط "لا تضفي على المباني طابعاً دينياً، اكثر مما تجعل من قراءة ملك الروك اندرول، إليس برسلي لشعر جبران، عربياً بشكل أو بآخر".

من هنا، ينطلق الكاتب في سبيل تقييم شامل لاميركا وعلاقاتها بالعرب والمسلمين وبثقافتهم ليقول "هذه ليست ثقافتهم" بل "ثقافتنا" ؛ الثقافة الاميركية؛ ثقافة اميركا" هذا هو واقع الأمر، وان ما تشهده الساحة الاميركية على الصعيد الفكري، الثقافي والاجتماعي، من سلبية حيال العرب والمسلمين وثقافتهم انما يعود للخلط والمزج والتداخل بين السياسة والثقافة في اميركا، اذ لا علاقة لكتاب جبران "النبي"الذي نشر اولاً في العام "1923" بشؤون العالم الحالية بعد آثار حادثة الحادي عشر من ايلول، حيث ومن حينها اصبحت ثقافة العرب والمسلمين وكل ما يمت لهم بصلة مُسيّساً فإنه وحتى قبل العان 2001 وحتى في العصور السابقة لم يكن حينها من حرب على الارهاب؛ اذ ان الاميركيين قاموا بربط ثقافة المسلمين بالشيطان، في حين كانوا قبل ذلك وفي السنوات الخمسمئة السابقة يمجدونها". وأطلق الكاتب على تلك الفترة لقب "الفترة الذهبية" وذلك حين اعتنق الاميركيون هذه الثقافة بكليتها.

من هنا، كانت له وقفة مطولة استحوذت على فصول الكتاب وذلك في تلمسه تلك المواقع التي كانت للثقافة العربية والاسلامية بصماتها على الثقافة الاميركية في عمقها اذ ان الاميركيين كانوا يعودون في كثير من العلوم والفنون وعند بدئهم في تكوين ثقافتهم الى نتاج العرب والمسلمين الى منابع الثقافة والحضارة في ذاك الحين، فأخذوا الكثير مما تركوه من تراث علمي ، ادبي، فني والأكثر من هذا وذاك وما يدل على ذلك ان اصول اميركا واكتشافها (المعروفة كأميركا الشمالية) انما كان على يد كولومبس الذي استعان بالمصادر الجغرافية العربية والاسلامية التي أتاحت له فرص هذا الاكتشاف. وهنا يبرز الكاتب ان تلك الثقافة (العربية الاسلامية) انما هي مجموعة من الثقافات تتعدى الديانة ومفهوم الاسلام اذ ان الكثير من العرب هم ذوو انتماءات مسيحية او حتى يهودية او غيرها من الانتماءات الدينية الاخرى، وان عدداً لا يستهان به من المسسلمين ذوو توجه علماني، لذا فهو يرى بأن لثقافة العرب والمسلمين كمية من التناقضات نفسها التي هي للثقافات الاخرى بما فيها ثقافة الولايات المتحدة.

وبالمقابل، يشير الكاتب في هذا الموضع الى ان اميركا التي هي المعنية الاولى بالمثل الديموقراطية، الا انها كانت في تناقض مع شعاراتها، فقد استعبدت السود وقامت بترحيل سكان الارض الاصليين، لذا قامت اميركا عن ذلك ونسي الاميركيون ذلك الواقع واصبح من الصعب عليهم وبعد الحملات الاميركية الاعلانية ضد العرب والمسلمين، النظر الى العرب والمسلمين بغير عين الارهاب والاصولية.

وعلى ذلك، يتساءل الكاتب بالمقابل: "ماذا لو لم ير العالم من الثقافة الاميركية اكثر من جورج بوش وسياسة واشنطن ومؤيدي الانشقاق من العرق الابيض" وأخيراً ليس آخراً "تراث العبودية" متجاهلين الوجه الحضاري الاميركي.

من هنا يخلص الى ان الثقافة العربية الاسلامية ليست ثقافة مخاوف الاميركيين بل هي في واقع الامر ثقافة أحلامهم، فمن حيث الثقافة المتعلقة بالشعر والهندسة والتاريخ والجغرافيا والفلك والكيمياء والفيزياء وسائر العلوم التجريبية ثم الادب والفنون وو..

"تلك الثقافة ما فتئت وعبر العصور وبالرغم من انقسام القارات وبرغم العداءات التي تقوض العلاقات بين العرب واميركا وبين المسلمين واميركا، هذه الثقافة ما فتئت تدمج في قلب هذه الدولة (اميركا) وروحها".

 

مراجعة: ضحى الخطيب مارديني

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.