تحصين الجولان والاستيطان وتجميد التسوية والمفاوضات

0
162

تحصين الجولان، هكذا يصف متطرفو اليمين، القانون الذي أقرته الكنيست، بالقراءة الأولى الأسبوع الماضي، والذي يمنع أي انسحاب إسرائيلي، من مناطق تم ضمها بشكل رسمي من قبل الدولة العبرية،-مقصود بالطبع الجولان و القدس-، الا عبر استفتاء شعبى وأغلبية ملموسة، 51% او موافقة 80 نائباً فاكثر من الكنيست، أو الذهاب إلى انتخابات عامة، في غضون 180 يوماً، من توقيع أي اتفاق سلام، يتضمن انسحاباً من المناطق السالفة الذكر.

في الأسبوع نفسه، أقرت الحكومة الإسرائيلية، خطة دعم المناطق ذات الأولوية الوطنية، التي ضمن 91 مستوطنة، اكثر من نصفها، تقع شرق الجدار الفاصل، فى عمق الضفة الغربية، وتزعم إسرائيل، أنه سيتم التخلى عنها او تفكيكها، في أي تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين.

إذا ما وضعنا القانون إلى جانب الخطة، وتمعنا جيدا، نرى مشهداً، يعبر بدقة، عن الواقع السياسي، والحزبى الآنى في إسرائيل، كما عن حقيقة نوايا وتوجهات حكومة نتنن اليمينية، عموما يمكن شرح أو توضيح المشهد بابعاده وخلفياته على النحو التالي:

-يؤكد مشروع القانون فى الشكل، مدى الفوضى والعشوائية، التي تعصف بالدولة العبرية من الجانب التشريعي الدستوري، الدولة التي تفتقد إلى دستور، والتي تعاني منذ تأسيسها، من نظام سياسي وحزبي غير مستقر، عاجزة نتيجة اسباب عدة، ذاتية وموضوعية عن، إصلاح الأمر، تسيبى لفنى مثلا، عبرت بدقة، عن هذا الواقع بقولها "، في دولة ديموقراطية، ينتخب الشعب الحكومة، للبت فى المشاكل وحلها وليس لاعادة مسوؤلية الحسم والقرار اليه مرة اخرى " هذا يذكرنا أيضاً بالعبارة الشهيرة للمستشار القانوني للحكومة مينى مزوز" فى دولة تسوية شخص مثل ليبرمان ما كان ليصبح وزيراً" والتي نجد تاكيدا عليها فى المشروع السالف الذكر.

-القانون يفضح كذلك، الواقع المزرى والبائس، لحزب العمل، صوت زعيم الحزب أيهود باراك وثلاثة آخمين من نوابه مع القانون، بينما وقفت الغالبية ضده، ان برفع الايدى او-بالارجل- عبر التغيب المتعمد لبعضهم عن الجلسة، هذا جرى، رغم أن باراك نفسه، كان قد وصف القانون، قبل التصويت بساعات، بالاشكالي، لاحتوائه على ثغرات دستورية وقانونية، يتعلق بكيفية صنع القرار السياسي، ناهيك عن انه يعطي الانطباع للعالم، بعدم جدية إسرائيل، فى السلام مع الفلسطينيين، والسوريين على حد سواء.

– والأهم فى القانون طبعا، يتمثل بمغزاه السياسي والاستراتيجي، إسرائيل تفتقد الى الإرادة السياسية، أو الجدية اللازمة، للتوصل إلى اتفاق سلام، مع السلطة الفلسطينية، أو مع الحكومة السورية، تجاه هذه الأخيرة، لا تقدم الحكومة الحالية اكثر، من المعادلة اليمينية التقليدية والمتطرفة، سلام مقابل سلام، دون الحديث، عن اى انسحاب من هضبة الجولان، أما تجاه الفلسطينيين، فالمعادلة أكثر وضوحا ربما، تسوية من دون القدس ومن دون حق العودة للاجئين، مع اقتطاع نصف الضفة الغربية.

– خطة المناطق ذات الأولوية القومية، تساهم بنصيبها ايضا، كشف أو فضح المواقع السياسية والحزبية فى اسرائيل الان، وهي تؤكد في المبدا على أن هذه الحكومة هي حكومة المستوطنين بامتياز-استبدلوا الكيبوتسات فى قيادة الدولة- والحكومة الاكثر يمينية في تاريخ الدولة العبرية، وانها في الحقيقة، حكومة الليكود- إسرائيل بيننا- وشاس- بينما لا يمثل حزب العمل، سوى ورقة التوت، او قناع تجميل، وجه الحكومة البشع والبغيض، للعالم، هنا أيضاً تذبذب يهود باراك كعادته فقد وضعت وزارته الخطة، التي وافق شخصياً عليها، ولكنه صوّت ضدها في مجلس الوزراء، وهو الموقف، الذي اثار استغراب نتنياهو، ولم يجد له تفسيرا حسب زعمه .

-تفضح الخطة كذلك، قرار التقليص، أو الكبح المؤقت للاستيطان، الذي أقرته الحكومة نفسها منذ أسبوعين، الوهمي، والخالي من أي مضمون، والذى سيزيد عدد المستوطنين، خلاله بمقدار عشرة الاف على اقل تقدير، حسب اعتراف الوزير بينى بيغن، ما يؤكد حقيقة، انه هدف في الاساس، ليس الى تجميد الاستيطان وانما إلى خداع العالم، وتخفيف الضغوط والعزلة الدولية المتزايدة ضد الدولة العبرية.

-غير أن أخطر، ما في الخطة، كونها تتضمن 91 مستوطنة، نصفها تقريباً تقع شرق الجدل الفاصل، وفى عمق الضفة الغربية، وتزعم إسرائيل أنه سيتم تفكيكها في أي تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين، مقابل ضم الكتل الاستيطانية الكبرى فقط إليها، لا يمكن تصور، أن تدفع الحكومة، 30 مليون دولار، للمستوطنين عبثا، وبالتالي فإنها غير جادة في الانسحاب، أو تفكيك المستوطنات لا النائية، ولا حتى العشوائية، والتي تعهدت الحكومات الاسرائلية المتعاقبة بتفكيكها، وفى السياق فانها غير صادقة في السعي، الى تسوية مقبولة، على الفلسطينيين، والمجتمع الدولى على حد سواء، الذى يعتبر المستوطنات كلها-ليس وفق التصنيف الاسرائيلى المريب -غير شرعية وتجب ازالتها.

– في الحقيقة نحن أمام تحصين للجولان والاستيطان، وتجميد للتسوية والمفاوضات، على المسار الفلسطيني، كما على المسار السوري، وما عدا ذلك، مجرد تفاصيل وهوامش، او بالاحرى مجرد الاعيب وحيل، تهدف إلى الخداع وكسب الوقت، لفرض الوقائع على الأرض، وإفراغ اي مفاوضات ممكنة، من محتواها وجدواها، واحباط الفلسطينيين لاجبارهم، على الرضوخ للامر الواقع، المفروض بقوة الاحتلال، الامر الذى لم ولن يقبل به، الفلسطينيون والعرب على حد سواء .

 

() مدير مركز شرق المتوسط للاعلام

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.