من طهران إلى الضاحية

0
102

 

 

لا يكلف احمدي نجاد نفسه عناء الإبتكار قليلاً لكسر رتابة التكرار. إضبارة «السيناريو الاميركي – الصهيوني» جاهزة في درج مكتبه. يكفي ان يخرجها ويلصق عليها اسماء قادة المعارضة ومئات الآلاف الذين خرجوا الى الشوارع يطلبون التغيير بدمائهم، ليريح ضميره من عبء الاضطرار الى نقاش، ولو شكلي، لمطالبهم. بينما يطالب ممثل لخامنئي بكل بساطة بإعدامهم توفيراً للجهد والوقت وتجنبا للدخول في محاكمات وتغطيات اعلامية قد تفضح بدلاً من ان تدين.

 

ولا يكلف «حزب الله» نفسه عناء التفكير في الأسباب التي حدت بأكثر من نصف اللبنانيين الى رفض ديمومة سلاحه ومربعاته الأمنية، يتصدرهم مسيحيو الأكثرية، فيسارع الى تذكير هؤلاء بمأثرة السابع من أيار وبمصير مسيحيي العراق، بعد سوق الاتهام الممل بالمراهنة على اميركا واسرائيل.

 

بين طهران وضاحية بيروت الجنوبية حبل غليظ من الافكار والمال والسلاح. عقلية واحدة ومدرسة واحدة وأسلوب واحد: التخوين والقوة لمن يجرؤ على المعارضة، والتهميش لمن يستسلم ويحالف.

 

وما يجعل الوضع في ايران يعنينا اكثر مما يفترض بالنسبة الى بلد اعجمي، هو تغلغل طهران في تفاصيل وخصوصيات دول عربية عدة، في مقدمها لبنان الذي خاض حرباً بالوكالة عنها في 2006، والعراق الذي يتعرض لاختبار احتلال جزء من أرضه يعتقد مسؤولوه انه مرتبط باحتمال طلبهم إعادة التفاوض على اتفاقية الجزائر بين الشاه وصدام الذي قدم تنازلات جغرافية في مقابل تغاض ايراني عن قمعه الاكراد.

 

لكن ما يعنينا اكثر هو عقد السيد نصرالله مقارنة بين مسيحيي لبنان والعراق، دفع البعض الى التساؤل عما اذا كان اخطأ فبدا كأنه يتبنى تحميل ايران المسؤولية عن استهداف مسيحيي العراق «الذين لم تستطع اميركا حمايتهم»، من دون ان يوضح ممن كان يفترض توفير الحماية لهم، او كأنه يثبت بذلك ان استراتيجية ايران في الإخضاع هي ذاتها في كل مكان تصل يدها اليه، علماً ان اوساطاً عراقية عديدة تؤكد بأن ميليشيا «جيش المهدي» الايرانية الهوى، كانت أول من بدأ الحملة على المسيحيين في البصرة وبغداد.

 

اما الخطأ الثاني الذي وقع فيه نصرالله فكان محاولته عزل المسيحيين في لبنان وفصلهم عن البعد الوطني العام الذي تنطوي عليه مواقف قياداتهم من شرعية سلاحه، وتحريضهم على بعضهم بداعي ان المشكلة باتت عندهم فقط وتحتاج الى توافق بينهم. وبكلام أوضح، فإما ان تمتنع الاحزاب المسيحية عن التعرض لدولة الامر الواقع التي يديرها، وخصوصا بعد الطعن الدستوري الذي قدمه حزب «الكتائب» في اعتراف البيان الوزاري بالمقاومة كيانا مستقلاً عن الدولة وداخلها، وإما سيكرر معها تجربة بيروت «السنية» التي احتلها بالقوة المسلحة.

 

وقد فات «حزب الله» ان محاولات مماثلة في الماضي القريب لعزل المسيحيين بسبب مطالبتهم بضبط انتشار السلاح الفلسطيني في مخيمات لبنان وخارجها، وتمسكهم بسيادة الدولة واصرارهم على بقاء قرار السلم والحرب في يدها، منيت بفشل ذريع باعتراف الذين كانوا قائمين عليها، وان تكراره هذه المقاربة للوضع المسيحي تعني انه غير عابىء بتحالفه مع احد اطرافه.

 

ان تفهم مسيحيي الاكثرية لمواقف زعيم الطائفة السنية سعد الحريري من العلاقة المستجدة مع سورية في اطارها الإقليمي الاوسع، واعتماده صيغة مرنة لبيان حكومة الوحدة الوطنية، لا يفرض عليهم الذوبان فيها، والتراجع عن مواقف مبدئية تلقى تأييد غالبية اللبنانيين.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.