إننا نختنق

0
76

غسان شربل

في اليوم الاخير من السنة تحار ماذا تكتب عنها. لا تستأهل الرثاء. ولا تستحق الوداع. تعبنا من الكلام المطبوخ على نار الخيبات. ومن إشهار يأسنا. لا الكلام الغاضب يجدي. ولا الكلام الحزين.

 

في مثل هذا اليوم أشعر بالأسى. كم اتمنى ان اكتب مقالا متفائلا. وان اقول واثقاً ان السنة التي تتأهب للإنقضاض علينا ستكون أفضل. وان لا صحة لما يروج له المتشائمون ان السنة التي يودعها العربي تبقى، على ويلاتها، افضل دائما من تلك التي يهم باستقبالها. وان وراء كل هاوية تنتظرنا هاوية أدهى. ووراء كل قعر ننزلق الى قعر أشد.

 

في اليوم الاخير من السنة تراودني رغبة في الاعتذار من القراء. حين استرجع ما نشرناه خلال العام اشعر بعذاب الضمير. فتشنا طويلا عن خبر مفرح ولم نجد. كلما بحثنا عن نافذة استقبلنا جدار. وكلما راهنا على ضوء تبين انه دجال.

 

كم كان بودي ان اقول للقارئ كلاما يثلج صدره. كأن اكتب ان يقظة مفاجئة ستدهم العالم العربي. واننا سنجد انفسنا في رحاب عروبة حضارية. عروبة تتسع لكل المكونات فلا تبقى أوطاننا تغلي كالمرجل. عروبة تسقط خطوط التماس المذهبية التي تقسم مدننا وقرانا واوطاننا. وتسقط هذا الخوف العميق الذي يعتقل الاكثريات والاقليات معا. الخوف من الإختلاف. ومن الحق في الإختلاف. ومن غياب الزي الموحد. والاغنية الوحيدة. والقصيدة الوحيدة.

 

كم كان بودي ان اكتب ان الأمية ستتراجع. ومعدلات البطالة ستنخفض. وان مدارسنا ستودع المناهج التي تلجم العقل والمخيلة. وتحول العربي جثة او عبوة ناسفة او عمراً مهدورا. وان الجامعات ستنجب العربي الآخر. العربي المنخرط في ورشة التقدم الانساني لا العربي الذي يشعر ان التقدم حكر على الآخرين. وان كل جديد يهدد استقراره وهويته. وان صدامه بالآخر حتمي. وان قدره هو ان يقيم تحت ركامه او يندفع في مهمة انتحارية.

 

لن اسرد عزيزي القارئ لائحة الازمات. ارهقناك بها على مدار العام. والقصة معروفة. دول ترتجف امام عواصف الداخل والخارج. مؤسسات غائبة. خدمات متراجعة. كانت عواصمنا أفضل وأرحب. وكانت مكتباتنا مفتوحة على المستقبل. وكان يلمع في ليلنا الطويل صوت يعد بأيام مختلفة. وكانت تظهر فكرة تجتذب. فكرة تحاول ان تكون جسرا. وها نحن لا نجد اليوم غير أصوات قاتمة لا تبشر بغير الجنازات. اصوات ترسخ إقامتنا في الماضي. في العزلة والكآبة والتخلف. اصوات مهجوسة بنسف الجسور.

 

اننا نختنق. هذه هي الحقيقة بلا لف او دوران. قدرتنا على ارتكاب المذابح تفوق قدرتنا على ارتكاب الاسئلة. قدرتنا على النحر والإنتحار تفوق قدرتنا على التصالح والتفاعل والتنافس. قدرتنا على الإستسلام للمهرجين تفوق قدرتنا على التبصر والتعقل والإختيار. قدرتنا على اعتناق الكهوف تفوق قدرتنا على فتح الآفاق.

 

اننا نختنق. اين العروبة الرحبة؟ عروبة المصالح المشتركة والمصير المشترك. العروبة التي تأخذنا الى العصر والمنافسة والمشاركة في بناء غد مشرق للإنسانية. أين الجامعات ومراكز الابحاث والعلماء وحق المشاركة في صناعة المستقبل؟ اين المرأة تضطلع بدورها كاملا واين الكتب التي توقظ والصحافة التي يثق بها الرأي العام؟ أين الإنجازات العلمية والروايات الكبرى والقصائد المتفردة واللوحات الآسرة؟ اين نهر الحياة للأمم المصرة على الحياة؟

 

اننا نختنق في الحي العربي من القرية الكونية. يجب ان يلوح شيء. ان تطل فكرة. ان يضاء قنديل. اننا نختنق في هذا العتم المترامي الأطراف. لهذا لا نجد في استقبال السنة الوافدة غير الخوف والإرتباك. ولا نجد ما نودع به السنة التي تنزف ما تبقى من دمها غير القول: ذهبت فلتذهب.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.