منشقون 1

0
121

إنهم منشقون , أو بالأصح بشر احتفظوا بعقولهم في وقت سيطرت فيها هستيريا جامحة على عقول الآخرين , احتفظوا بقدرتهم على قول الحقيقة في وقت أصبح فيه قول الحقيقة مستحيلا في مواجهة القمع الهمجي للسلطة أو سيطرة ثقافة القطيع أو "تخريفا" بالنسبة للحقيقة السائدة المفروضة , يقول جورج أورويل "كلاب السيرك تقفز عندما يفرقع سوط المدرب , و لكن الكلب المدرب جيدا هو ذاك الذي يقوم بحركته البهلوانية عندما لا يكون هناك سوط" ( من كتاب أحاديث مع نعوم تشومسكي , مكتبة العبيكان , ص 142 ) .

 

 

 

رودولف باهرو

 

منشق في الشرق و الغرب

 

 

 

 

 

ولد رودولف باهرو في ألمانيا عام 1935 و انضم إلى الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم في ألمانيا الشرقية عام 1954 و تدرج ليصبح مساعد تحرير صحيفة شبيبة ألمانيا الحرة التابعة لحزب السلطة , في عام 1967 نشر مقالة اعتبرها الحزب الحاكم افترائية و أدت إلى إبعاده عن الحزب . قضى باهرو السنوات العشرة التالية يعمل في منظمة عمالية في مصنع للمطاط و أنهى خلالها شهادة الدكتوراه ( عن تدريب الأخصائيين في مؤسسات الدولة ) . صدم باهرو لقمع ربيع براغ و بدأ يطور نظرة نقدية للنظام القائم من وجهة نظر يسارية راديكالية , و أخيرا كتب نصا نقديا ضد النظام القائم سماه "البديل عن الاشتراكية القائمة في أوروبا الشرقية" و قام بتهريب نسخة منه إلى ألمانيا الغربية حيث نشر هناك , يعتبر هذا الكتاب أحد أوائل النصوص التي ساهمت في التأسيس لما يمكن تسميته بالاشتراكية البيئية أو الخضراء . كشف باهرو في نقده أن الطريق "غير الرأسمالي" للتصنيع في أوروبا الشرقية قد اتبع نفس الأفكار و الأهداف و الأساليب الرأسمالية الغربية , و كشف كيف أن الطبقة العاملة في كل من الشرق و الغرب كانت تستغل العالم الثالث و بيئة الأرض على حد سواء , مكرسة انعدام العدالة في العالم في سبيل الحفاظ على امتيازاتها الخاصة . رأى باهرو في تقسيم العمل في البيت و المعمل أساس القمع و الاضطهاد و استعرض الوسائل الممكنة لإلغائه و إعادة بناء المجتمع من الأسفل إلى الأعلى اعتمادا على التسيير الذاتي للأحياء و المعامل , أراد باهرو تحويل اشتراكية الدولة البيروقراطية إلى شكل تشاركي من الشيوعية لا يحافظ فقط على البيئة بل يستبدل ثقافة الاستهلاك الرائجة بثقافة أكثر إنسانية و حرية تقوم على تحقق الذات الإنسانية من خلال مؤسسات اقتصادية و سياسية تشاركية و حرة و عبر انتقال روحي ضروري لتغيير مفهوم الذات الإنسانية نفسه .

 

بعد نشر الكتاب قامت السلطات الألمانية الشرقية باعتقال باهرو في آب أغسطس 1977 و حكم عليه في الثلاثين من يونيو حزيران 1978 بالسجن 8 سنوات بتهمة الخيانة و إفشاء أسرار الدولة , دافع عنه يومها المحامي غريغور غيسي عضو الحزب الحاكم الذي كان يدعو لمزيد من الانفتاح السياسي و الذي سيصبح قائدا بارزا في حزب الاشتراكية الديمقراطية الذي نشأ بعد انهيار الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم و الذي ما زال حتى اليوم من أبرز قادة حزب اليسار الألماني . أصبح رودولف باهرو لبعض الوقت شاغل الصحافة الليبرالية في الغرب , لكن هذا الاحتفال المنافق سرعان ما انفض من حول هذا المنشق الألماني الشرقي , عندما اكتشفت هذه الصحافة الليبرالية حقيقة هذا المنشق الراديكالي الذي لم يمارس التصفيق للنظام الرأسمالي في الغرب كما رفض أن يمارس ذات التهليل للنظام القمعي في بلاده ألمانيا الشرقية , الذي رفض شرور الرأسمالية الغربية بقدر ما رفض شرور النموذج الأوروبي الشرقي من الاشتراكية و تطلع إلى بديل مختلف , فانفضت من حوله لتنتهي إلى حصاره كالعادة بالصمت و التجاهل . شكل باهرو بالنسبة لليساريين في الغرب و المنشقين اليساريين في الشرق احتمالا جديا لاتخاذ الحركة الماركسية و العمالية أبعادا جديدة . بعد تصاعد الاحتجاجات على اعتقاله قامت السلطات الألمانية الشرقية بإطلاق سراحه في أكتوبر تشرين الأول 1979 و أبعدته إلى ألمانيا الغربية . في ألمانيا الغربية انضم باهرو إلى حزب الخضر الوليد و اعتبر ناطقا بلسان التيار الجذري في الحزب الذي كان يتراجع لصالح التيار الإصلاحي الذي هيمن أخيرا على الحزب , كان باهرو يسعى إلى تعاون الحمر ( اليساريين ) مع الخضر , لتشكيل حركة جديدة خارج نطاق الإيديولوجيات السائدة , و انتقد لهاث الخضر وراء السلطة و رغبتهم في تحقيق برنامجهم عن طريق الانضمام إلى السلطة أو النظام القائم , كانت قضية التغيير عنده تقوم على تطوير وعي الناس لا التنافس على أصواتهم مع السياسيين التقليديين لكسب موقع ما في مؤسسة السلطة القائمة . كانت الممارسة السياسية لليسار الراديكالي , وفقا لباهرو , تقتصر حتى ذلك الوقت على النضال في سبيل السلطة , محكومة بالتالي بمنطق العدو و الصديق , نحن و الآخر , لكن بالنسبة لباهرو كان التغيير يشترط ثورة ثقافية لا سياسية فحسب , لذا كان يجب تغيير الممارسة السياسية الراديكالية , القضية لم تكن السلطة بل الإجماع , الذي ما زال يميل لصالح الحفاظ على الوضع القائم , و الذي يلهث خلف وعود و تصورات النظام الصناعي الرأسمالي , الذي يجب استبداله بإجماع جديد في سبيل اقتصاد تشاركي جديد , أراد باهرو من اليسار الراديكالي أن يوسع و يعزز و ينظم هذا الوعي المعارض ليتحول إلى حركة ثورية ثقافية تقوم بالتغيير . أخيرا ترك باهرو الحزب عام 1985 قائلا "الخضر أسوأ من مجرد كونهم بلا فائدة , لقد أصبحوا جزءا من النظام لدرجة أنه على الرأسمالية أن تخترعهم إذا لم يفعلوا هم ذلك" . أصبح بعدها باهرو محاضرا في العلم البديل الذي اعتبره ضرورة لمواجهة ثقافة الاستهلاك السائدة .

 

في عام 1990 عاد باهرو إلى ألمانيا الشرقية و شارك في تأسيس حزب الاشتراكية الديمقراطية الذي حل مكان الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم سابقا و عاد لمهنة التدريس في جامعة هامبولدت ليحاضر عن المخاطر التي تهدد النظام البيئي , و شارك في المبادرات الجماعية للحفاظ على البيئة مثل القرية البيئية قرب دريسدن و في تأسيس المعهد الاجتماعي البيئي في برلين .

 

في عام 1994 شخصت إصابة باهرو باللوكيميا , عاش بعدها لثلاثة سنوات . توفي باهرو في الخامس من ديسمبر 1997 .

 

كان باهرو من أوائل من انتقدوا الآثار المدمرة لبيئة الأرض للنظامين الصناعيين الحديثين : اشتراكية الدولة البيروقراطية و الرأسمالية , و اعتبر أن كلا من النظامين يقومان على سياسات تطور غير محدودة تعتمد على موارد كوكبنا المحدودة مما يعني تدميرا مؤكدا لهذا الكوكب و لبيئته .

 

تشير بعض الإحصائيات اليوم إلى أنه لو قام سكان الأرض بالاستهلاك بذات معدل استهلاك كبار المليارديرات أو أكثر أثرياء الأرض غنى لانتهت موارد الأرض خلال فترة تتجاوز بالكاد العشرة دقائق , هذه الحقيقة المفزعة لا تشير فقط إلى فداحة انعدام العدالة في النظام القائم بل إلى الطابع التدميري لهذا النظام , عندما يقوم سادة هذا النظام و المنتفعين منه بدفعه دون توقف نحو نهايته و نحو دماره النهائي , عوضا عن أن يفعل ذلك ضحاياه الذين لا يفتقرون فقط لامتيازات أولئك السادة بل و يضطرهم هذا النظام للعيش في حالة فقر مادي و معنوي للحفاظ على امتيازات السادة , هذا يجعل قضية الانعتاق من الظلم الاجتماعي و السياسي للنظام الرأسمالي أو لاشتراكية الدولة البيروقراطية هي في ذات الوقت , كما قال ذلك باهرو منذ وقت طويل , قضية بقاء البشرية ذاتها………

 

 

 

مازن كم الماز

 

 

 

المصادر

 

1 ) Rudolf Bahro ( 1935 – 1997 ) : A Tribute , //home.ca.inter.net/~greenweb/Rudolf_Bahro.html

 

2 ) The way forward : red or green ?

 

www.iol.ie/~mazzoldi/toolsforchange/zine/imb96/toc.htm

 

3 ) Rudolf Bahro on Wikipedia

 

4 ) www.democracynature.org/dn/vol4/hart_melle_bahro.htm#_ednref1

 

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.