لا يزال التاريخ منتهياً

    0
    97

    يُنقَل عن رام إيمانويل، كبير الموظفين لدى الرئيس أوباما، قوله ذات مرة بأنه يجب ألا تُترَك أزمة تذهب هدراً. صحيح أنه يجب ألا يكون المرء قليل الجدّية في حديثه عن انكماش اقتصادي تسبّب بخسارة الملايين وظائفهم، لكن إيمانويل محق في التلميح إلى أنه غالباً ما يقصّر القادة عن اتخاذ قرارات صعبة إلا إذا أرغمتهم على ذلك مخاطر وشيكة. في خضم أزمة وول ستريت الشتاء الماضي، كان الخطر واضحاً في كل مكان: تجمّدت الأسواق الائتمانية في مختلف أنحاء العالم، ولم تستطع الشركات الحصول على التمويل بين ليلة وضحاها كي تدفع للعمال والمموّنين، وبدأ السقوط السريع للأسواق الحرة. فالمشكلة التي بدأت في سوق العقارات ذات الرهون العالية المخاطر في الولايات المتحدة تفشّت بسرعة ووصلت إلى أكبر المصارف الاستثمارية في وول ستريت، وانتقلت منها إلى باقي العالم.

    في الربع الاخير من عام 2008، دخل النمو العالمي فجأةً مرحلة التراجع وبدا أن صرح العولمة الضخم يتهاوى. حتى إن صحيفة "فايننشال تايمز" نشرت سلسلة مقالات تحمل عنواناً يُنذر بالسوء: "مستقبل الرأسمالية" – وكأن كل أسس النظام العالمي أصبحت محط تشكيك. لكن في مقابل الخطر الكبير، كانت هناك فرصة أيضاً. فقد جاء انهيار مصرف "ليمان براذرز" وعملاق التأمين "أيه آي جي" في خضم حملة رئاسية أميركية حامية الوطيس – وساهم في انتخاب باراك أوباما. سلّطت الأزمة الضوء على العديد من المشكلات البنيوية القائمة منذ وقت طويل في أميركا، بما في ذلك المستويات المرتفعة بصورة غير قابلة للاستدامة من الاستهلاك الذي تغذّيه الديون، والتزامات الاستحقاق الطويلة الأمد وغير المموَّلة، ومداخيل الطبقة الوسطى الراكدة، والقطاع المالي السيئ التنظيم الذي حوّل وول ستريت كازينواً عملاقاً.

    وعد رئيس ديموقراطي جديد وغالبية ديموقراطية في كل من مجلسَي النواب والشيوخ بنوع مختلف من السياسة: وضع حد نهائي لحقبة ريغان، وإطلاق إعادة اصطفاف تدريجية وطويلة الأمد للناخبين الأميركيين، وإعادة تأسيس العلاقات الأميركية مع باقي العالم. كان هناك نموذج واضح للطريق الذي قد يسلكه أوباما بعد الانتخابات: على خطى فرانكلين ديلانو روزفلت الذي وصل إلى السلطة خلال الأزمة المالية الكبرى الأخيرة ورسم وجه البلاد من جديد وبصورة دائمة من خلال البرنامج الجديد. الآن، بينما تشارف السنة الأولى من عهد أوباما على نهايتها، يبدو أن الخطر والفرصة تبخّرا على السواء. المفاجئ هو أن عالم ما قبل الأزمة لم يتغيّر كثيراً. لقد حالت الإدارة الماهرة للسياسة الاقتصادية من جانب الاحتياطي الفيديرالي ووزارة الخزانة في ظل بوش وأوباما، دون تحوّل الأزمة انهياراً شبيهاً بذاك الذي حدث في ثلاثينات القرن العشرين. (حتى قرار ترك "ليمان براذرز" يشهر إفلاسه، والذي هاجمه كثر، ساهم على الأرجح في تهيئة الساحة للإنقاذ اللاحق والأوسع نطاقاً للقطاع المالي).على الرغم من أن البطالة لا تزال مرتفعة بطريقة غير مقبولة، تكثر مؤشرات المعافاة، ويستعيد المستهلكون والبيزنس الثقة على السواء. وعلى الصعيد العالمي، كانت المعافاة أسرع، إذ تشهد الصين وكوريا الجنوبية والبرازيل وسواها نهوضاً مدهشاً في الصادرات.

    لكن مهلاً، لا تصفّقوا الآن. حتى الأخبار السارة ليست كلها سارة. فربما حصلت المعافاة، ويا للغرابة، باكراً جداً – أي إن الأزمة لم تبلغ من السوء ما يكفي لفرض التوصّل إلى الحلول الدائمة التي تشكّل حاجة ماسة للولايات المتحدة والعالم. إحدى الحقائق المؤسفة في الشؤون البشرية هي أن الناس لا يجرون تغييراً عميقاً في أنماط السلوك أو العادات المتجذّرة إلا في ظل الظروف الأكثر كارثية. وربما مرت ظروفنا الكارثية بسرعة كبيرة جداً.

    المثال الأوضح هو التشريع الذي نظر فيه الكونغرس وينص على فرض تنظيمات أكثر صرامة على وول ستريت من أجل منع المصارف من القيام بالمجازفات التي أدّت إلى تداعي الاقتصاد برمته. لم يعالج أحد مشكلة المؤسسات التي اعتُبِرت "أكبر من أن تفشل"، وكانت في أساس الأزمة. في هذه الأثناء، عادت مصارف "غولدمان ساكس" و"جي بي مورغان" و"تشايس" ومجموعة من صناديق التحوّط إلى عاداتها القديمة في كسب المال واستخدمت مواردها لتجنيد أعداد كبيرة من أعضاء مجموعات اللوبي لمنع إقرار التنظيمات الجديدة التي لا تروقها. والآن مع زوال الخوف الشديد الذي ساد الشتاء المنصرم، تلاشى أيضاً الغضب الشعبي الذي كان يعتبر أنه من الضروري التخلّص من النفوذ الذي تمارسه هذه المؤسسات خلف الكواليس.

     

    أنباء سارة من الخارج

    لنتحدث عن الأخبار الجيدة أولاً. ربما لم يتغيّر سوى القليل في الولايات المتحدة. ويمكن قول الشيء نفسه عن العالم الواقع خارج شواطئ أميركا، لكنني أعتبر أنه أمر جيد إلى حد كبير.

    في العقود الثلاثة المنصرمة، ولّدت العولمة والنمو المستند إلى السوق ازدهاراً، وانتشلا مئات ملايين الأشخاص من الفقر. وترافق ذلك النمو مع انتشار الحكم الديموقراطي. وجاء انطلاق الأزمة من وول ستريت – قلب الرأسمالية العالمية – ليهدّد بنزع الشرعية عن نظام دولي مستند إلى الأسواق والانفتاح. حصل هذا خلال الركود الكبير [1929] عندما نصبت الحكومات المذعورة حواجز تجارية، وخفّضت قيمة عملاتها، فساهمت في تعميق المعاناة وإطالة أمدها. وعبر القيام بذلك، مهّدت الطريق للتأميم الذي مارسه ستالين ولصعود هتلر. هذه المرة، ربما تضرّرت شرعية النظام العالمي لكنها لم تتداعَ. لم تتخلَّ الصين والهند، اللاعبتان الناشئتان الكبريان، عن الانفتاح على الأسواق الذي ساعدهما على النمو بسرعة كبيرة في المقام الأول. ربما يوجّه الشعبويون الصاخبون أمثال هيوغو تشافيز في فنزويلا ومحمود أحمدي نجاد في إيران انتقادات حادة للعولمة والرأسمالية على الطريقة الأميركية. لكنهم بدأوا هذه الطرائف قبل اندلاع الأزمة، ومع تراجع أسعار النفط، عملوا جاهدين لتبقى اقتصاداتهم واقفة على قدميها. قبل نشوب الأزمة، كان النجاح حليف روسيا. أما الآن فالأسس الاقتصادية الفاسدة التي تستند إليها القوة الروسية فُضِحت بقسوة، وتخلّت موسكو عن استعراض عضلاتها إلى حد ما. وتفادت معظم البلدان السياسات الحمائية المعروفة بسياسة إفقار الجار التي سادت في الثلاثينات.

    بعبارة أخرى، على الرغم من ارتكابات وول ستريت، لا تزال أفكار اقتصادية واعية تطغى على الكرة الأرضية، ولا يزال النظام الاقتصادي المفتوح كما هو. لقد أُبعِدت في الوقت الراهن شياطين القومية والتعصّب. حتى إن الأزمة ولّدت بعض النتائج الإيجابية بحق. إحداها هي مجموعة العشرين التي حلّت مكان مجموعة الثماني. تمنح الهيئة الجديدة صوتاً للاعبين كبار في الأسواق الناشئة مثل الصين والهند والبرازيل، وقد ولّدت التزامات جديدة حيال صندوق نقد دولي أكبر وأقل تغطرساً، وكذلك التزامات بتنظيمات مالية جديدة. لا تزال المشكلات الكبرى مثل الاختلالات البنيوية في التوازن في الاقتصاد العالمي (حيث يدّخر الصينيون وشعوب أخرى في شرق آسيا أكثر من اللازم ويستهلكون أقل من اللازم بينما يفعل الأميركيون العكس)، موجودة. لكن أصبح لدينا محفل الآن يمكن طرح هذه المسائل في إطاره.  لا يعني هذا أن الوضع العالمي وردي بكامله. لا تزال الولايات المتحدة تواجه مشكلتَين قد يتبيّن أن لا حل لهما: الوضع العسكري المتدهور في أفغانستان والسعي الإيراني لامتلاك أسلحة نووية. ولا يزال احتمال اندلاع مواجهة عسكرية في الخليج قائماً، ومن شأنه أن يُغرق العالم في ركود عميق. لكن كانت هذه المشكلات لتقع من دون الأزمة – وتّتسم بالصعوبة نفسها.

     

    أنباء سيئة في الداخل

    على الرغم من تحذير إيمانويل من مغبّة ترك أزمة تضيع هدراً، إلا أن هذا ما فعلته واشنطن بالضبط. لقد ولّد الذعر الذي انتشر الشتاء الماضي تشريعَين كبيرين إنما قصيرَي الأمد: تارب (برنامج إنقاذ الأصول المتعثّرة) ومشروع قانون التحفيز المالي في شباط. ومتابعةً لهما، كان يجدر بالبلاد أن تفي بالوعود التي قطعها أوباما خلال الحملة: مجهود أهدأ قائم على التعاون بين الحزبين من أجل التعامل بجدية مع المشكلات الطويلة الأمد التي ظلّت قائمة. ليست أي من المسائل الملحة التي تواجهها أميركا – الحاجة إلى إصلاح الرعاية الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، والتنظيمات المالية، والعقد الاجتماعي الأساسي الذي يؤمّن اللحمة بين الأميركيين كأمة – عصية على الحل نظرياً. لكن إصلاحها يتطلّب إقراراً عاماً بأنه لن يحصل الجميع على كل ما يريده. كان يجب أن تكون الأزمة المالية بمثابة جرعة مياه باردة تصدم الجميع وتعيدهم إلى الواقع وتهيّئ الساحة لنقاش وطني حقيقي. لكننا اختبرنا بدلاً من ذلك عودة سريعة جداً إلى الاستقطاب القديم الذي كان موجوداً قبل بدء الأزمة.

    يقع اللوم على الجانبَين معاً. فقد اعتبرت إدارة أوباما انتصارها في تشرين الثاني 2008 تفويضاً واسعاً وباشرت إعادة إقحام الحكومة في مجموعة كبيرة من المسائل، من وول ستريت مروراً بصناعة السيارات وصولاً إلى الرعاية الصحية. ربما كانت هذه الخطوات صحيحة وربما لا، لكن أوباما أخطأ في أمر: فمن غير الواضح أنه حظي قط بدعم شعبي واسع للعودة بهذه السرعة إلى الحكومة الكبيرة. لم يربح أوباما الانتخابات عبر تعبئة ملايين الناخبين الجدد (ما عدا الأميركيين الأفارقة)، بل إنه انتصر بسبب الاشمئزاز الذي شعر به عدد كبير من المستقلين والوسطيين من جورج دبليو بوش والجمهوريين. ولم يُترجَم هذا الأمر إلى دعم للبرامج الاجتماعية الطموحة. هذا ما يعكسه تراجع أوباما السريع في استطلاعات الرأي، مع تخلّي الوسطيين عنه.

    حتى إن اليمين أصبح أكثر تعنّتاً. لم تحفّز الأزمة المالية إعادة نظر جدية في حقائق حقبة ريغان في أوساط الجمهوريين، على الرغم من أن إرث الريغانية – التساهل في التنظيمات وعجوزات الموازنة التي تسبّبت بها الخفوضات الضريبية – هو الذي ورّط البلاد في هذه الفوضى في المقام الأول (بدلاً من ذلك غادر معظم المحافظين الذين كانوا يعيدون النظر في الريغانية الحزب). قد يحقّق الجمهوريون منافع سياسية من القرار التكتيكي الذي اتّخذوه بالتشبّت بمواقفهم ومعارضة كل مبادرات أوباما الجديدة تقريباً، هذا إذا نجح القرار في تعطيل أجندته وجعل إدارته تبدو ضعيفة وغير فاعلة. لكن هذا ليس جيداً للبلاد ككل. لا تحتاج أميركا إلى جمود بل إلى توافق وتحرّك حاسم في مجموعة كبيرة من المسائل.

    النواة المحافظة التي ظهرت منذ الانتخابات – "أصحاب نظرية الولادة" الذين يعتبرون أن أوباما ليس مواطناً أميركياً، وأمثال [المعلّق التلفزيوني] غلين بيك الذين يعتقدون أن لديه أجندة "مناهضة للبيض"، والمشاركون في حفلات الشاي الذين يعتبرون أن الرئيس هو اشتراكي (أو فاشي) في الخفاء – أكثر إثارة للقلق. فهؤلاء الجمهوريون الذين خسروا الانتخابات يبدون ملتزمين مهاجمة شخص الرئيس بدلاً من سياساته بكل الطرق المتاحة لهم، مما جعل أوباما الرئيس الثالث على التوالي الذي تتعرّض شرعيته للتشكيك من جانب أقلية صغيرة من الأميركيين إنما تعبّر عن نفسها بقوة.

     

    المدى البعيد

    بما أننا لم نخرج من الأزمة بعد – ولا نزال بعيدين جداً عن الخروج منها – من السابق لأوانه أن نتوقّع بالضبط ماذا ستكون تداعياتها في المدى البعيد. صحيح أن غياب التغيير قد يبدو لافتاً اليوم، لكن هذا لا يعني أن التغيير لن يتحقّق في مرحلة ما.

    وينطبق هذا في شكل خاص على موضوع النفوذ الأميركي. لقد كانت المعافاة الأميركية أبطأ بصورة لافتة من معافاة بلدان الأسواق الناشئة مثل الصين والهند والبرازيل – وهذا ليس مستغرباً نظراً إلى حجم الديون الأميركية. لم يكفّ الأميركيون عن الإنفاق بتهوّر أو الاعتماد على استعداد الأجانب للاحتفاظ بالدولارات. جل ما فعلته الأزمة هو نقل عبء الديون من الأفراد إلى الحكومة الأميركية. بالفعل، ازدادت الديون الحكومية كجزء من إجمالي الناتج المحلي بنسبة 50 في المئة من 2007 إلى 2009، ومن المتوقّع أن ترتفع أكثر في السنوات المقبلة، مما يهدّد النمو الأميركي واستقرار الدولار كعملة احتياطية في المدى الطويل.

    على الرغم من أهمية هذه الاعتبارات الاقتصادية، قد تكون أقل أهمية بكثير من الأفكار في المدى البعيد. إحدى الركائز الأساسية للنفوذ الأميركي في الماضي كانت جاذبية المجتمع الأميركي – ليس فقط ثروته المادية، إنما أيضاً عافية ديموقراطيته وحيويتها، وقدرته على حل المشكلات. لقد افتخر الأميركيون تقليدياً بكونهم شعباً براغماتياً، ولا سيما مقارنة بالأوروبيين الرازحين تحت وطأة المعتقدات والإيديولوجيات القديمة. لكن الواقع هو أن الأميركيين هم من أصبحوا إيديولوجيين ومتصلّبين جداً في نظرتهم إلى العالم. فالأزمة المالية التي كان يُتوقَّع أن تزعزع بعض الأحكام المسبقة، لم تحقّق على ما يبدو فارقاً كبيراً في هذا السياق. يُنذر هذا بمتاعب كبيرة للولايات المتحدة في مرحلة لاحقة. وإذا لم يحصل تغيير، فسوف يتبيّن أن الركود الكبير كان فعلاً أزمة ذهبت هدراً.

    "نيوزويك"

    ترجمة نسرين ناضر

     

     

    (أستاذ كرسي برنارد ل. شوارتز للاقتصاد السياسي الدولي في كلية الدراسات الدولية المعمّقة في جامعة جونز هوبكنز.)

    "النهار"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.