نزع السلاح النووي بين التبشير والواقع

0
120

 

في تعليلها لمنح الرئيس أوباما جائزة نوبل للسلام لعام 2009 أبرزت لجنة نوبل "الوزن الكبير الذي تعيره لرؤياه وللجهود التي يبذلها من أجل عالم من دون سلاح نووي." لم يتمكن الرئيس أوباما أن يحمل معه إلى مبنى بلديه أوسلو، حيث تسلم جائزة نوبل للسلام، نسخة عن الاتفاق البديل لاتفاقيةStart1 ، والذي كان متوقعاً إنجازه في 5/12/2009 بين روسيا والولايات المتحدة بهدف المزيد من خفض الأسلحة الاستراتيجية النووية الهجومية والصواريخ الباليستية.

وكغيرها من الروئ التي صقلت ظاهرة أوباما، في صفوف النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، تواجه هي أيضاً معارضة عنيفة وشديدة من قبل المحافظين الجدد ومن خلفهم المجمع الصناعي العسكري(#). فهذه القوى لم تتخلّ عن أهداف الحروب التي نظمتها في يوغسلافيا وأفغانستان والعراق، وما زالت تتمسك بمشروعها العسكري العالمي رغم الضربة التي وجهت له بانتخاب باراك أوباما والذي يرمز ويبشر بمناخ المصالحة والسلام ونشر بذور تعطي يوماً معاهدات لنزع السلاح وإنهاء الحروب وتفاهم الشعوب، وذلك كله من موقعه في صفوف النخبة الحاكمة ويميزه ضمنها الدعم لرؤياه من قبل كتلة جماهيرية توصف "بالثلث اليساري" من شعب الولايات المتحدة الأميركية.

إلا أن غلاة اليمين، ومنهم ممثلو المجمع الصناعي العسكري، ما زالوا يصرون على رؤيتهم للولايات المتحدة، القوة العالمية التي لا تقهر، والقادرة بالاستناد إلى قوتها العسكرية الجبارة وبخاصة النووية أن تحقق كل ما تطمح له عندما تقرر ذلك. وهؤلاء يرون أوباما والحركة الجماهيرية التي تدعمه عائقاً وخطراً على تحقيق مآربهم، ولن يكتفوا بتراجعه أمامهم في المساومة حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان. إذ أن خطوات أوباما باتجاه المصالحة والتعايش العالمي تجعل منه خطراً كبيراً على مخططاتهم، وفي المقدمة من ذلك مبادرته في براغ للدعوة لنزع السلاح النووي على مستوى عالمي وسعيه لتطبيع العلاقات مع روسيا والحد والسيطرة على النزاع في الشرق الأوسط عن طريق وضع حلول ناجعة لمكوناته. والمضمون الاستراتيجي لهذه التوجهات هو وقف مسيرة "حالة الحرب العالمية" وذلك بشكل لا رجعة فيه. وفي هذا ما يكفي لاستفزاز اليمين المتطرف وتحديه بشكل قوي.

ومن هنا يصبح مفهوماً التأخر في التوصل إلى اتفاق "ستارت" جديد ففي هذا التعبير عما تحمله الأنباء من واشنطن عن تنظيم المعارضة اليمينية لصفوفها لجعل مسيرة نزع السلاح النووي بعيدة المنال.

في واشنطن أشارت السيدة "كسانت هيل" خبيرة الأسلحة النووية في منظمة أطباء ضد الحرب النووية (IPPNW) إلى أن "مشاريع أوباما لنزع السلاح النووي تتقاطع وتتأثر جداً بالجدل الدائر حول ضرورة تحديث المخزون من السلاح النووي. ولذلك فهي ترى بأنه سيكون من المتعذر على أوباما تمرير مشاريعه الهادفة إلى توقيع اتفاقيات جديدة مع روسيا، ووقف التجارب النووية في الولايات المتحدة الأميركية إلا إذا توافق ذلك مع تحديث المخزون الأميركي من الأسلحة النووية وإلا فإن الجمهوريين سوف يعطلون برامجه لخفض ونزع السلاح النووي…"

وقد عبر البنتاغون فعلاً عن احتجاجه على أي خفض ملموس للمخزون من الرؤوس النووية الأميركية، وهو في صدد صياغته "للنظرية النووية الجديدة" للولايات المتحدة الأميركية والتي رفضها أوباما لمّ رأى فيها من تلكؤ لا يخدم الاتجاه الذي يصب في تحقيق رؤيته لخفض ومن ثم نزع السلاح النووي. وتشير معلومات المتتبعين لشؤون البنتاغون، إلى أن الرئيس أوباما عبر عن رغبته المشاركة في اجتماعات ونقاشات البنتاغون الخاصة بصياغة النظرية النووية للولايات المتحدة الأميركية، قبل انعقاد المؤتمر العالمي للحد من انتشار الأسلحة النووية في أيار 2010. فهو يريد أن تأتي هذه النظرية النووية متوافقة مع رؤياه لعالم جديد منزوع السلاح النووي. وفي حين يصر البنتاغون على ضرورة الاحتفاظ بآلاف الرؤوس النووية في خدمة سياسة الردع النووي والتي تطمئن الحلفاء لشمول المظلة الذرية الأميركية لأمنهم فإن روبرت غيتس وزير الدفاع يوضح الطريق إلى ذلك في "ضرورة العمل على تحديث البنى التحتية للسلاح النووي، وإجراء التجارب على جيل جديد من الرؤوس النووية الأكثر أمناً، ما يؤكد ويطمئن الحلفاء لجاهزية وفاعلية السلاح النووي الأميركية" وبعدها فقط يمكن البدء في خفض وتدمير المخزون القديم وتحريم التجارب النووية بشكل دائم.

إن الغلبة لهذا الاتجاه سوف تشكل أسوأ إشارة باتجاه المؤتمر العالمي القادم في أيار للنظر في معاهدة منع انتشار الأسلحة الذرية، حيث سيتضح مرة أخرى بأن الخطر الذري على العالم يأتي من رفض الدول النووية لخفض مخزونها، على طريق إلغائه فعلاً، وليس من خروج كوريا الشمالية من عضوية المعاهدة عام 2003 ومن البرنامج النووي الإيراني واحتمالاته.

وفي روسيا لا تجري الأمور بمعزل عن تطورات المشهد الأميركي النووي خاصة والسياسي العسكري العام، فهنا يشير العسكريون الروس إلى دروس حرب القوقاز في آب 2008 ومدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل في المجال الحيوي الروسي، مع استمرار عملية تمدد حلف الأطلسي مباشرة أو عبر الاتحاد الأوروبي لتطويق روسيا، وآخرها الترويج في كل من السويد وفنلندا في ظل الحكم المحافظ في كليهما، للدخول في عضوية حلف شمال الأطلسي في عام 2013 وعام 2015 (بعد عقود طويلة من السنين من الحياد الكامل).

ما وعد به الرئيس ميدفيدف من دعم لجهود أوباما من أجل عالم من دون سلاح نووي يعترض عليه القادة العسكريون الروس عملياً، وهم يعدون للنظرية النووية الروسية تحضيراً لمؤتمر أيار 2010 العالمي المذكور أعلاه ولتحل أيضاً محل النظرية السائدة منذ تولي فلاديمير بوتين سدة الرئاسة والتي حصرت استعمال السلاح النووي في حال تعرض روسيا لخطر داهم من قبل معتدٍ أو في حالة الحرب الكبرى.

إن القادة الروس لا يسقطون من حساباتهم الدور الفاعل للسلاح النووي في الثقل السياسي العالمي لروسيا، وكذلك في مواجهة غلبة الأطلسي بعد زوال حلف وارسو على مستوى السلاح التقليدي، وبالتالي ضرورة ردع عملية التطويق الزاحف لحدود روسيا ولذلك فإن النظرية النووية الجديدة لروسيا تتجه للخفض من مستوى الأخطار التي يمكن ويجب عندها استعمال النووي، بحيث يقترح العسكريون استعمال النووي في كافة الأخطار مع الاحتفاظ بحق المبادرة في إنزال الضربة الاستباقية النووية بالعدو مع توقع خطره الداهم، وهو الأمر الذي كان سائداً في النظرية الأميركية خلال عهد بوش الابن، ويعمل أوباما على إسقاطه كلياً في توجهه لصياغة نظرية جديدة.

إن الطريق ما زال طويلاً حتى تتوفر الظروف الموضوعية دولياً والتي تجعل من تحقيق ضرورة نزع السلاح النووي بالكامل أمراً ممكناً. وقرار مجلس الأمن في جلسته برئاسة أوباما (والفريدة من نوعها حتى الآن لما تعنيه) في 24 أيلول المنصرم خطوة صغيرة جداً على أهميتها على هذا الطريق الصعب، وبخاصة عندما يطالب بالتحديد إسرائيل إلى جانب الهند وباكستان بالانضمام إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية… وفي منتصف أيلول المنصرم ذكّر بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة غداة انتهاء المؤتمر الـ62 للمنظمات غير الحكومية لمنع انتشار الأسلحة النووية برعاية الأمم المتحدة في مدينة مكسيكو بوجود 20 ألف سلاح نووي في العالم… في حين وجه المؤتمر ذاته ومن مدينة مكسيكو نداءً إلى العالم لإعلان العقد القادم 2010-2020 عقداً لنزع السلاح النووي في العالم كله.

 

(1) رئيس الجمعية المناهضة لسياسات التسلح ومقرها واشنطن السيد ج. سيرنسيون يقول: إن أوباما لا يواجه هنا فقط النظرية السائدة حول وجهة استعمال الأسلحة النووية بل صناعة بكاملها حيث ينفق سنوياً 54 مليار دولار على الأسلحة النووية وما يرتبط بها من عقود ومرابح وقوة عمل ومعارك كبيرة حول الموازنات والأموال المرصودة.

" المستقبل "

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.