في الجذور التاريخية للتشيع السياسي

0
82

إذا كان من الممكن أن نميز في الإسلام بين مستويات ثلاثة: شعبية، ورسمية، وسياسية؛ حيث الإسلام الشعبي هو ذلك المرتبط بآليات التدين التقليدي، والإسلام الرسمي هو الذي تعبر عنه المؤسسة الفقهية، والإسلام السياسي المرتبط بنظرية الخلافة/ الإمامة، فإن مفهوم "التشيع السياسي" يقع في تماس بالغ مع هذه المستويات الثلاثة.

فما المقصود بالتشيع السياسيّ؟ هل التشيع يرتد هنا إلى جذوره التاريخية واللغوية فيفيد الولاء والانتماء على المستويين الدينيّ والسياسيّ؟ أم أن المقصود به النظرية السياسية في المذهب الشيعي والتي تتمحور حول مسألة "الإمامة"؟ أم يُعنى بالتشيع السياسي أن ثمة ارتحالاً قائماً ما بين النظرية السياسية الشيعية ونظيرتها السنية تكون فيه الغلبة المفاهيمية للأولى على حساب الثانية؟ أم المقصود بالتشيع السياسيّ أخيراً، وليس آخراً، "تمأسس" فقهاء الشيعة، مثلما هو الحال بالنسبة لفقهاء السلطان في التراث السنيّ الكلاسيكيّ؟

في اعتقادي أنه من أجل الوقوف على بنية هذا المفهوم المُلتبس علينا أن نقوم بتفكيكه أولاً ثم نعيد صياغة موضوعه مرة أخرى وفقاً للنتائج المترتبة على عملية التفكيك. ومن أجل ذلك سنعمل على بيان الأوجه السابقة كلها، أي التشيع بمعنى الولاء، والتشيع السياسي في فكر الإمامية الاثني عشرية، وعملية ارتحال المفاهيم من هذا الفضاء إلى سياق النظرية السياسية السنية، وأخيراً تمأسس فقهاء الشيعة في التجربة السياسية مقابل فقهاء السلطة في التجربة السنية، وصولاً إلى تحديد المعنى المقصود بالتشيع السياسيّ.

وقد نبدأ بالقول إن التشيع لم يكن في يوم من الأيام – ومنذ ولادته – محض اتجاه روحي، وإنما نما وترعرع في أحضان الإسلام السياسيّ، وذلك بوصفه أطروحة مواصلة الإمام علي (كرّم الله وجهه) للقيادة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) فكرياً واجتماعياً وسياسياً على حد سواء. ومن ثم، فإنه لم يكن بالإمكان – بحكم الظروف التي لازمت نشأة التشيع – أن ينفصل الجانب الروحيّ عن الجانب السياسيّ تبعاً لعدم انفصال أحدهما عن الآخر في الإسلام ذاته، وذلك حسبما يقرر الشهيد "محمد باقر الصدر" في كتابه "نشأة التشيع والشيعة".

وتبعاً لذلك أيضاً؛ فإنه لا يمكن للتشيع أن يتجزأ إلا إذا فقد معناه كأطروحة لحماية مستقبل الدعوة بعد النبي (صلى الله عليه وسلم)، هذا المستقبل الذي ظل بحاجة ماسة إلى المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة الإسلامية معاً.

وفي الواقع؛ لقد كان الولاء لآل البيت تجسيداً فعلياً لحركة التشيع حيث رافق هذا الإحساسُ بالولاء والانتماء مسيرة الحركة منذ بدايتها حتى الآن. ومن المعلوم أيضاً أنه قد تشكل هذا الولاء للإمام علي على نطاق واسع في صفوف المسلمين باعتباره الشخص الجدير بمواصلة دور الخلفاء الثلاثة في الحكم مما ساهم في وصوله إلى السلطة عقب مقتل الخليفة عثمان، وهو ما عبر عنه الإمام بقوله: "فما راعني إلا والناس كعُرف الضبع إليّ ينثالونَ من كل جانبٍ مُجتمعين حوليَ كربيضةِ الغنم".

التساؤل الذي يفرض نفسه وبقوة الآن هو: ما طبيعة هذا الولاء وماهيته؟ هل هو ولاء روحيّ محض، أم ولاء سياسيّ ظل مُرتهناً إلى الحقبة التصادمية التي عرفت آنذاك وفي ما بعد بالفتنة الكبرى؟ في الحقيقة؛ تؤكد المرجعية الشيعية أن هذا الولاء لم يكن تشيعاً روحياً ولا سياسياً، لأنّ التشيع يؤمن بعلي كبديل عن الخلفاء الثلاثة وكخليفة مباشر للرسول (صلى الله عليه وسلم). ومن ثم؛ كان الولاء لعليّ أوسع نطاقاً في صفوف المسلمين من التشيع الحقيقيّ الكامل، بمعنى أن التشيع الروحيّ والسياسيّ، وإن نما داخل إطار هذا الولاء، إلا أنه لا يمكن اعتباره (الولاء) مثالاً على التشيع المُجزأ بحال من الأحوال.

أضف إلى ذلك أيضاً أنّ تمتع الإمام علي بولاءٍ روحيّ وفكريّ كبير من كبار الصحابة في عهد كل من أبي بكر وعمر وعثمان خصوصاً من قبل: أبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وغيرهم، لا يعني أيضاً أنه كان تشيعاً روحياً منفصلاً عن الجانب السياسيّ، بل يُعد تعبيراً عن إيمان أولئك الصحابة بقيادة الإمام للدعوة بعد وفاة النبي بمختلف جوانبها الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ حيث انعكس إيمانهم بالجانب الفكري من هذه القيادة في الولاء الروحيّ، كما انعكس إيمانهم بالجانب السياسيّ منها في معارضتهم لخلافة أبي بكر وللاتجاه الذي أدى إلى صرف السلطة عن الإمام إلى غيره في ما بعد.

استناداً لما سبق لم تنشأ في الواقع، بحسب الفكر الشيعيّ، النظرة التجزيئية للتشيع الروحيّ بصورة منفصلةٍ عن التشيع السياسيّ، كما لم تولد في ذهن الإنسان الشيعيّ، إلا بعد أن استسلم إلى الواقع، وانطفأت جذوة التشيع في نفسه كصيغةٍ محددة لمواصلةِ القيادة الإسلامية في بناء الأمة، وإنجاز عملية التغيير الكبرى التي ابتدأها النبي (ص)، لتتحول إلى مجردِ عقيدةٍ يطوي الإنسانُ عليها قلبه، ويستمدُ منها سلوته وأمله؛ فكيف حدثت هذه النقلة؟ وما مدى مسؤولية الفقهاء والسلطة معاً في ما يتعلق بمآلاتها؟، تلك قضية أخرى.

()أكاديمي وباحث مصري

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.