الموضوع السني اللبناني المفتَعَل الآن

    0
    87

    إذا كان اختيار رجل العام يرتبط، أو من المفترض أن يرتبط، باسم الشخص أو الأشخاص الأكثر تأثيراً في الإنجاز الأكثر أهمية على الصعيد الوطني في بلد ما، فإن للعام 2009 في لبنان رجلين هما العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد…

    .. في الواقع رَجُلا عامين لبنانيين لا عام واحد… 2008 و2009. أما الإنجاز المستمر بل الآخذ في الاستمرار فهو "السلم الأهلي" الذي نعيشه والذي يتدرج صعوداً – أي إيجاباً – من منع الحرب الأهلية منتصف 2008 وإرساء اتفاق سياسي في مؤتمر الدوحة تدعمه الى سوريا والسعودية، كل من إيران وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، مروراً بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة… الى العام 2009 الذي شهد ترتيباً سياسياً دقيقاً، وغير دقيق على أصعدة أخرى، للانتخابات النيابية، فتشكيل أول حكومة للرابح المحلي الأول في تلك الانتخابات سعد الحريري بمعزل عن عدد من التباسات الربح التي لا تطاله وحده بل تطال غيره أيضاً، ثم دوره الذروة – كعمل على المسرح السياسي – في زيارته الى دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد.

    إنهما عام ونصف العام 2008 – 2009 كرّس الوفاق السوري السعودي فيهما "السلم الأهلي" اللبناني تكريساً مباشراً، فمارس الطرفان دوريهما مع حلفائهما في تأمين "البيئة" اللبنانية المؤاتية عبر الحزبين الرئيسيين السني الحريري، والشيعي "الإلهي"، في عدد من المحطات حتى لو استلزمت "اولوية الوفاق" – من الزاوية "التقنية" – القانونية المحضة – التضحية بالسمعة المعنوية للمجلس الدستوري… بل ربما بموت جديد لهذا المجلس… "يسهل" وطنياً دفعه لقاء الدفاع عن ترتيب سياسي لبعض النتائج المفصلية التي كان عليها أن تُقدم، مثلما تقدم الذبائح المباركة في المعابد المقدسة… والمعبد الذي ندين له بصلواتنا هو منع الحرب الأهلية… أقول ذلك بدون تردد لأنه في البلاد المهددة بحرب أهلية دائمة – وعندنا انتقلت سوسيوجيا من ثنائية طائفية الى ثنائية مذهبية – ثبت على مراحل ليس فقط استحالة "الإصلاح" بل استحالة وقف التدهور البنيوي في مؤسسات الدولة بدون ترسيخ بنية وفاقية… على المدى البعيد. لهذا يعيش لبنان – مع احترامي لتفاؤل رئيس الجمهورية الإصلاحي – زمناً غير إصلاحي لا من حيث عدم إمكانيته بل حتى من حيث عدم إمكانية وجود أفكار إصلاحية. هكذا هي التجربة التاريخية منذ حاول إميل إده في الثلاثينات من القرن العشرين تقليص حجم الإدارة اللبنانية في بعض المجالات فتبيّن انها تمس مباشرة بالتوازن الطائفي… فتراجع… ومن يومها يتسع القطاع العام تحت السيطرة الزبائنية للنظام الطائفي… رغم بعض محطات "تجميل" التوازنات الطائفية، فكان أحد وجوه المحاولة الشهابية هو السعي لإلغاء التناقض بين الكفاءة الوظيفية والزبائنية الطائفية من حيث ايجاد مؤسسات قادرة على التوفيق بينهما… ففشلت أيضاً… حتى أفلت "الجو" الإداري من "عقاله"… بعد العام 1975.

    كل ثمن سياسي ومعنوي يهون أمام المهمة النبيلة دائماً لمنع الحرب الأهلية في نظام سياسي قوي جداً في إدارة دولة ضعيفة ومجتمع مفكك. المهمة الإصلاحية باتت مهمة جيل آخر آت ذات يوم بعد إستقرار الوضع الإقليمي نهائياً في ظل حل الصراع العربي – الإسرائيلي، بما يؤدي إلى تثبيت طويل على مدى جيل لاستقرار لبناني مُمَأسَس… سيسمح عندها لأحفادنا ببناء وتحقيق مشروع إصلاحي.

    لهذا، وكما ثبت دائماً في بلد هشّ كلبنان، فإن إرادات الدول المؤثّرة عندنا في تقرير "السلم الأهلي" أمر في غاية الأهمية، خصوصاً حين يؤدي تفاهم ثنائي بين دولتين في المنطقة كسوريا والسعودية الى اتخاذ قرار تحصين السلام في لبنان في وقت كل منهما – أي سوريا والسعودية – تخوضان صراعات سياسية وأحياناً عسكرية ضارية مباشرة أو غير مباشرة في دول أخرى كاليمن والعراق وطبعاً – ولا منّة – فلسطين، على الرغم من أن إحداهما، وهي السعودية، تخوض مواجهة سياسية – تعبوية ضد الهجوم الجيوبوليتيكي الايراني في المنطقة، والبالغ درجة فعّالة ولو قلقة.

    الدول، كالأفراد، تُصاب بسوء الطالع أو حسن الطالع. ليس هناك أسوأ من سوء طالع الحروب الأهلية. أكثر سوءاً من الاعتداءات الاسرائيلية. ولو كان المطروح الاختيار بين الحرب الأهلية والحرب الاسرائيلية، لو كان الأمر كذلك لاخترنا بدون تردد الحرب مع اسرائيل أياً يكن الثمن، فسيكون أقل من الحرب الأهلية.

    لبنان حالياً، والأرجح لمدة غير قصيرة، عاد إليه حسن الطالع. هذا ليس سهلاً في محيط واسع قلق على الذات وعلى صورته في العالم. تضافرت تغيرات متعددة في "صناعة" هذا التحوّل الذي أسفر عن حسن الطالع، أو تأجيل سوء الطالع، وهي على سبيل التعداد لا الترتيب، التحوّل الفرنسي في العهد الساركوزي الجديد، تبلور الفشل الأميركي في العراق، رغم النجاح ولكن في مسار الانسحاب! وصول إدارة أميركية نوعية جديدة أعادت على الأقل تأجيل حسابات الحرب الإسرائيلية، ظهور الاندفاعة الديبلوماسية الاقتصادية التركية كقوة استقرار في المنطقة مع ما ساهمته من تعزيز الشعور الذاتي بالأمان عبر العلاقات السورية – التركية المتقدمة جداً. وعلى مستوى آخر ما ساهمه الموقف المتّزن لتركيا حيال الحساسيات السنية – الشيعية التي يقودها سياسياً التنافس الإيراني – السعودي من وضع ضوابط لعدم اتساعها في كل المنطقة، ولو أنها متوترة في دوائر معينة…

    … هذه أهم عناصر حسن الطالع اللبناني العائد الذي يمثل الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس الأسد رمزيه في العام 2009 اللبناني بما هو أيضاً امتداد أكثر رسوخاً لنصف العام الذي سبقه.

    لهذا يمكن المراقب، وهو يعيش الساعات الأخيرة من 2009، أن يلاحظ مدى الافتعال السياسي للمقولة التي يجري تداولها إعلامياً حول عدم ارتياح "الجمهور السني" اللبناني لخطوات التقارب مع سوريا التي قام بها سعد الحريري كرئيس للوزراء. وبمعزل عن التوظيف السياسي المكشوف يمكن هذا المراقب أن يتوقّع أنه لا مستقبل لهذه المقولة في العام 2010 رغم وجود متضررين داخل الجهاز الحريري… إنما هذا طبيعي في كل تحوّل، فمستوى المصالح المبني عليها هذا "الجمهور" الكبير والتي هي أغلى كلفة من حيث طبيعتها من كلفة المصالح المبني عليها "الجمهوران" الشيعي والدرزي، أي أن الأخيرين أرخص كلفة في الادارة السياسية من الأول، تجعل قدرة الحزب الحريري على السيطرة على جمهوره لا تقل عن قدرة الحزبين الشيعي والدرزي… فكيف إذا أضيفت لدى هذا الجمهور رؤية تقليدية عقلانية لكثافاته المدينية، فيما معظم قواعده الريفية تقع على حدود سوريا بقاعاً وشمالاً…

    يجب أن لا ننسى أن هذا الجمهور (الحريري) كان حتى فترة طويلة بعد تأسيس الكيان اللبناني يعتبر نفسه – هو تحديداً – "الجالية السورية" في لبنان.

    كفى تهويلا ضد (بالنتيجة) السلم الاهلي. كل "الجماهير" مرحبة – ما عدا المتضررين – بالعلاقات العائدة.

     

     

     

    ( alkadaya@hotmail.com)

    "النهار"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.