مكونات الحداثة الغربية عبر التجارب الأميركية والفرنسية والبريطانية

0
137

يشكل التراث الفلسفي والسياسي للفكر الليبرالي الكلاسيكي الغربي، والفكر الماركسي سواء بسواء، سلسلة متصلة من الحلقات بعضها ببعض، على مستوى الفكر الإنساني، على الرغم مما قد تجد بينهما من تناقضات ومفارقات غاية في الجذرية والعمق، السلطة المرجعية المعرفية والنظرية والايديولوجية والثقافية، في تعريف ومفهوم الحداثة، عبر المراحل والمحطات، التي قطعتها في سيرورة تطورها، وفي ارتباطها بأشكال وصور الدولة السياسية الحديثة.

وليس من فيلسوف أو مفكر سياسي مهما اسبغ على الحداثة من مفهوم وتعريف مجددين يستطيع أن يكون خارج هذا الإطار المرجعي الكلاسيكي الغربي، منذ بداية عصر النهضة الأوروبية 1450- 1600، وامتداداً إلي عصر هيغل وماركس وغرامشي. ولقد أيقظت دراسة الحداثة وعي الفلاسفة المختصين، والمفكرين السياسيين، من أجل بلورة المكونات المعرفية والنظرية، والايديولوجية الواضحة عنه، الأمر الذي جعل الحداثة هذه، موضعاً لصراعات ايديولوجية، في سيرورة تطور المجتمع الغربي الحديث، حيث أصبح المجتمع الرأسمالي أو الصناعي التعبير التاريخي عنها بين مختلف المدارس الفكرية، سواء داخل النظرية الليبرالية بكل تفرعاتها، بداية من عصر النهضة والأنوار، باعتبارها التعبير التاريخي العام الفلسفي الايديولوجي والسياسي والاجتماعي عن المجتمع والدولة في العالم الرأسمالي الحديث والمعاصر، أو بين الليبرالية، والمدرسة الماركسية الكلاسيكية، ولعصرنا هذا.

في خضم حمأة هذا العصر التقاني، الذي يشهد ثورة علمية وتكنولوجية عارمة، وثورة معرفية هائلة، أصبحتا تشكلان القوة المحركة والصانعة للانتاج ومؤسساته وتسويقه، وتحدثان ايقاعاً تغييرياً قوياً وشاملاً، لجهة بروز وتحول الأنظمة المعرفية في شتى فروعها إلى قوة الانتاج المادية في ظل سيطرة العولمة الرأسمالية، من دون أن تكون لهذه القفزات المتوالية في وتيرة القطائع المتواصلة والمتفاصلة في ميدان المعرفة و"مركنتاليتها المتواثبة"، وأثرها على صعيد تغيير الوجه المادي للعالم، ايديولوجيا تعبر عنها، أو أحزاب سياسية، وتيارات شعبية، ورأي عام يحركها. يقينا بأن هذا التغيير على صعيد قدرة آلية هذه المعرفة تحقيق الانتاج المادي والاقتصادي والمجتمعي الشامل يلقب بثورة الحداثة البُعْدِية، التي أصبحت تطرح أسئلة فلسفية ذات طابع كوني، منخرطة تجاورياً ومحتكة مع نسق هذه الحداثة البعدية، حول صياغة نظرة جديدة كلياً إلى مصير الانسان والعالم والكون. وفي وسط حمأة هذا العصر، الذي يقوض ويدمر الأعمده والمعتقلات الطوعية والقسرية للايديولوجيات الشمولية، التي وصلت إلى مأزقها المحتوم، يعود جدل الشرعية/ المشروعية العلمية للحداثة، من حيث هي مجموعة الدساتير والقوانين والأنظمة المرعية، التي انبثقت منذ عصر النهضة الأوروبية وعصر التنوير، حين طرح المشروع الثقافي الغربي ما يسمى الآن بالحداثة السياسية، المعبر عنها بالديمقراطية وحقوق الانسان، إلى واجهة الأحداث السياسية، لكي يبلغ أقصى توتره في الشرق، مثلما في الغرب، وفي الأطراف لهما.. علماً بأن الديمقراطية الغربية في ظل هذه الحداثة، لم تكن هي النظام السياسي للحداثة، "ذلك أن النظام السياسي احتكره المركب الاقتصادي التقني منذ أو وقع الانفصام بين جناحي حداثة التنوير بين الاقتصاد الثقافي من ناحية، والثقافي من ناحية أخرى، وظلت الحداثة غالباً بدون سلطة سياسية حاكمة، واتخذت موقع المعارضة في معظم مفاصل التاريخ الغربي الحديث، لكن النظام السياسي لم يتنازل عن ادعاءاته الحداثوية.. ولذلك عانى النظام السياسي في المشروع الغربي طيلة تقلباته العنيفة الكبرى، من افتقاره لمواقعية الشرعية وافتقاده لمرجعيتها.

وكان من شأن هذا الوضع المتناقض دائماً أن تجلس المشروعية في موضع السيادة الدولتيه وتظل الحداثة مشردة في أروقة الحنين المجتمعي للأصول الضائعة، لا تجد في صولجانات التقدم، الموضوعة في كل حيز سلطوي إلا شبحاً مستعاراً عنهما".

إذا المشروعية للحداثة في الغرب، الذي أفرزه المشروع الثقافي الغربي، والحداثة السياسية الناجمة عن انجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية، استطاعت أن تتحرر من أحبول المجتمع القدسوي الديني القروسطي، حيث إن مؤسساته كانت مبنية على أساس المشروعية الكنسية، باعتبار أن الكنيسة كانت تحتل مواقعية الشرعية والمشروعية في آن معاً.

تم ارساء الأسس والمكونات المعرفية والنظرية للحداثة في عصر النهضة الأوروبية وفلاسفة الأنوار. ذلك أن تاريخ الحداثة يعود إلى تطور الفكر السياسي الليبرالي على مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر، المرتبط بالمذاهب الاجتماعية والاقتصادية، والذي بلور النظرية السياسية الليبراليه الكلاسيكية الغربية، منذ بداية انهيار "النظام القديم"، أي عهد انهيار الحكم المطلق وسلطان البابا الديني والدنيوي المتحكم في ملوك أوروبا باسم سلطة الكنيسة المسيحية، وبداية الهجوم الكاسح عبر الثورات على حكم الملوك، الذين يحكمون بمقتضى الحق الإلهي، الذي يبيح لهم بأن لا يحاسبوا عن سياستهم إلا أمام الله، وإلى بداية سلطان القانون الطبيعي، الذي يقر بحرية الفرد الإنسان باسم العقل والمنطق، فإلى سيادة الشعب، والسيادة القومية، وحقوق الإنسان، التي فجرتها الثورة البرجوازية الانكليزية، وتدعمت بشكل جذري قوى مع اندلاع الثورة البرجوازية الفرنسية، التي أصبحت منذ ذلك ثورة عالمية بالمعنى التاريخي والإنساني، تفصل بين العالم القديم والعالم الحديث والعصري، ودشنت عهداً جديداً في تاريخ الإنسانية جمعاء، بحكم ما أعلنته من حريات ومساواة قانونية وسياسية للإنسان الفرد.

ولما كان العالم قد دخل في عصر ما بعد الحداثة نتيجة أزمة المشروع الثقافي الغربي، فقد تعرض مفكرو ما بعد الحداثة للتنوير الغربي بالنقد القاسي، حيث يرى أحد الكتاب أن مشروع التنوير هو وهم من أوهام الحداثة التي انقضى عهدها. فهو يذكرنا بزمن عندما كان يمكن استخدام ألفاظ من قبيل :"العقل"،"الطبيعة"، "الحقوق"،"الصدق"،"الأخلاق"،"التقدم" من دون أن تكون هناك فائدة لعلامات التنصيص، ومن دون الإحساس بتهكم يناسب هذه المفاهيم "المتميزة". إنه يفترض، كما يقول أحدالكتاب (في كتاب عنوانه"يقظة التنوير")، "تحررا قاسياً"، و"حضارة قاسية"، لا يعدوان سوى تجسد "للإمبريالية الغربية". ويرى كاتب آخر أن "التنوير" هو "بالنسبة إلى ما بعد الحداثة مثل "النظام القديم" بالنسبة إلى الثورة الفرنسية… إنه يرمز إلى الحديث الذي تمرد عليه ما بعدالحداثة. و بينما اعتقد الفلاسفةأنه تحرر ليرفع من شأن العقل على الدين ، فإن فلاسفة ما بعد الحداثة وجدوا العقل مستبداً، ويجنح إلى "الشمولية" مثل الدين نفسه(ص 8 من المقدمة) .

يأتي الكتاب الجديدالذي يحمل العنوان التالي: "الطرق إلى الحداثة" التنوير البريطاني و التنوير الفرنسي والتنوير الأميركي الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب بالكويت ضمن سلسلة عالم المعرفة، من تاليف الدكتورة غيرترودهيملفارب، ترجمة الدكتور محمودسيد أحمد،ليقدم لنا بشكل مختصر صور التنوير الثلاثة البريطاني، والفرنسي ، والأميركي.

التنوير البريطاني :"سوسيولوجيا الفضيلة"

إذا كانت سمات التنوير هي العقل والحقوق الطبيعية والحرية والمساواة والتسامح والعلم والتقدم، حيث إن العقل يترأس القائمة باستمرار، فإن ما يميز التنوير البريطاني عن التنوير الفرنسي، هو أن الأول يركزعلى "الفضائل الاجتماعية"،التي تعني "الشفقة، والأريحية، والتعاطف التي اعتقد الفلاسفة البريطانيون أنها تربط الناس بعضهم ببعض بصورة طبيعية، وغريزية، وفطرية. ولم ينكر الفلاسفة البريطانيون العقل، فهم لم يكونوا لا عقلانيين على الإطلاق. لكنهم اعطوا للعقل دوراً أداتياً ثانوياً، ولم يعطوه الدور الأول الحاسم الذي أعطاه له الفلاسفة الفرنسيون. وبالتالي، لكي نعيد للبريطانيين الشهرة والأهمية، فلا بد من توجيه الانتباه إلى موضوع لم يرتبط دائماً بالتنوير وهو الأخلاق الاجتماعية الواضحة، أو الضمنية في كل صنوف التنوير هذه.

تخصص المؤلفة في الفصل الأول الذي تتحدث فيه عن التنوير البريطاني المتميز بـ"سوسيولوجيا الفضيلة" والميول الدينية، حيث ركزت على عرض آراء جون لوك المنشورة في كتابه "مقال في الفهم الإنساني" عام 1690، ثم على تلميذه إيرل شافتسبري، الذي كتب مقالا بعد تسع سنوات من صدور هذا الكتاب يدحض فيه رؤية لوك.

ونشر مقال شافتسبري "بحث في الفضيلة، أو الاستحقاق"و طبع في سنة 1711.."إن الفضيلة، كما يرى شافتسبري، ليست مستمدة من الدين، أو المصلحة الذاتية، أو العقل. فكل من الدين، والمصلحة الذاتية، والعقل هي وسيلة في تدعيم الفضيلة، أو إعاقتها، غير أنها ليست مصدرها المباشر، أو الأساسي. والحاسة الخلقية، أو "الإحساس بالصواب والخطأ" هو الذي يسبقها. وهذه الحاسة "مهيمنة… ترتبط بنا في الداخل، وكامنة في طبيعتنا"، إنها "مبدأ أول في تكويننا، وصنعنا"، إنها طبيعية مثلها في ذلك مثل "الشعور الطبيعي نفسه".

(ص 32).

وتضيف المؤلفة بأن شافتسبري غرس هذه العاطفة في الطبيعة والغريزة بدلاً من التربية أو العقل. فقد كتب يقول "لكي تشفق، أعني لكي تشارك في العاطفة… وتواسي، أعني أن تشارك في البؤس.. فإن ذلك في أحد أنظمة الحياة هو الصواب والخير، ولا شيء أكثر انسجاماً، وأن تكون بلا هذا، أو لا تشعر به، هو أن تكون شاذاً، وبغيضاً، ووحشياً (بشعاً) " (36).

وتستعرض المؤلفة آراء فرانسيس هاتشيون، الذي دخل النقاش والمنظرة بكتابه "بحث في اصل افكارنا عن الجمال والفضيلة"، حيث حذر هاتشيسون كما فعل بيرك فيما بعد، من هشاشة العقل، فيقول "على الرغم من عظمة العقل التي نتباهى بها على الحيوانات الأخرى، فإن عملياته بطيئة، ومملوءة بالشك والتردد، حتى أنه لا يخدمنا عند الضرورة الماسة، إما للمحافظة علينا من دون الحواس الخارجية، وإما لتوجيه أفعالنا إلى خير الكل، من دون هذه الحاسة الخلقية. ويبين في موضع آخر أن العقل "ليس إلا سلطة تابعة" تستطيع أن تحدد وسيلة تحقيق الخير وتعزيزه ولكنه ليس الغاية ذاتها، أعني أنه ليس الدافع الفطري إلى الخير.

إن "الأريحية" و"الشفقة" و"التعاطف" و"المشاركة الوجدانية" و"الشعور الطبيعي تجاه الآخرين"، كلها تحت اسم أو آخر، هذه الحاسة الخلقية (أو العاطفة كما يفضل سميث أن يطلق عليها) هي أساس الأخلاق الاجتماعية التي ألهمت الخطاب الفلسفي البريطاني الأخلاقي طوال القرن الثامن عشر. وقد وصف جيل الفلاسفة الذين جاؤوا بعد شافتسبري تعاليمه بطريقة أو بأخرى، واختلفوا فيما بينهم فيما يخص الطبيعة الدقيقة للحاسة الخلقية، ووظيفتها. غير أنهم اتفقوا في أنها (أو شيء يشبهها تماماً) صفة الإنسان الطبيعية، والضرورية، والكلية، صفة للغني والفقير على حد سواء، المتعلم والجاهل، المستنير وغير المستنير. كما أنهم اتفقوا في أنها تلازم العقل والمصلحة، لكنها تسبقها وتكون مستقلة عنهما(37)..

ويظهر أكثر بيانات هذه العقيدة دقة وتمييزاً، وتأثيراً في كتاب آدم سميث "نظرية العواطف الأخلاقية". واليوم، يتميز سميث، في الأعم الأغلب، بكتابه "ثروة الأمم" (ما عدا بين الباحثين). أما في عصره هو، فكان شهيراً، في الداخل والخارج، بأنه مؤلف كتاب "نظرية العواطف الأخلاقية". وقد صدرت من هذا الكتاب الذي نُشر في العام 1759، أربع طبقات قبل أن يظهر كتاب "ثروة الأمم" في العام 1776، وطبعة أخرى بعد سنوات قليلة. ولأن كتاب "ثروة الأمم" لم ينسخ كتاب "نظرية العواطف الأخلاقية" ويحل محله فإنه ظل في طليعة وعي سميث، كما ظل في طليعة وعي معاصريه. لقد خصص سميث العام الأخير من حيلته لتنقيح "العواطف الأخلاقية"، والإضافة إليه لكي يجعله متسقاً مع الكتاب الأخير، بل ليقوي رسالة الكتاب الأول، ويعززها. والتغيير الأكثر أهمية هو إضافة فصل عنوانه "عن فساد عواطفنا الأخلاقية، الذي يسببه هذا الميل إلى الإعجاب بالأغنياء والعظماء، واحتقار أو تجاهل الأشخاص ذوي الحالة الفقيرة والوضيعة" (40)..

من ميزات التنوير البريطاني أنه نما وازدهر "داخل الورع والتقوى"، حيث "لم تكن هناك حاجة إلى الإطاحة بالدين نفسه لأنه لم يكن هناك بابا، ولا محاكم تفتيش، ولا قساوسة يسوعيون، ولا كهنوت محتكر".

بيد أن شيئاً غير سعة الأفق في المسائل الدينية والتسامح كان مسؤولاً عن المناخ العقلي المختلف تماماً في بريطانيا. وهو أنه لم تكن هناك كنيسة مضطهدة، أو لاهوت دوغمائي للتمرد عليهما، ولا ريب في ذلك، ولم تكن هناك سلطة جديدة، أو أيديولوجية تحث على التمرد. أما في فرنسا، فقد كان العقل هو تلك السلطة، وتلك الأيديولوجية، عقل أسمى بدرجة جعلته لا يتحدى الدين والكنيسة فقط، بل كل المؤسسات التي تعتمد عليهما. لقد كان العقل هداماً بصورة متأصلة، فقد تطلع إلى مستقبل مثالي، وازدرى نقائص الحاضر وعيوبه، إضافة إلى الماضي، كما أنه ازدرى اعتقادات، وممارسات الجاهل، ووضيع المولد.

تلك هي انجلترا التي عرَّفها مونتسكيو من قبل في القرن الثامن عشر. إذ يقول إن الإنجليز "يعرفون أفضل من أي شعب آخر على الأرض كيف يقيّمون، في الوقت نفسه، هذه المزايا العظيمة الثلاث، وهي الدين، والتجارة، والحرية". وتلك هي أيضاً انجلترا التي اكتشفها توكفيل من جديد منذ أكثر من قرن مضى، حيث يقول: "لقد استمتعت، أيضاً، في "انجلترا بما حرمت منه فترة طويلة، وأعني بذلك الوحدة بين العالم الديني والعالم السياسي، وبين الفضيلة العامة والفضيلة الخاصة، وبين المسيحية والحرية" (56)..

واستلهمت العقود الأخيرة من القرن السابع عشر، بالثورة الانكليزية، التي امتدت من العام 1689 إلى العام 1714، والتي تمخض عنها إعلان حقوق البرلمان في العام 1689، الذي كان له أهمية عظيمة، حين أصبحت الملكية الدستورية، هي النظام السياسي السائد على الأمة، وفكرة العقد، بدلاً من الملكية الوراثية المستندة على نظرية الحق الإلهي. وهذه الثورة البرجوازية، أوقفت الحروب الدينية بين البروتستانت الانلكيز، التي دامت قرابة قرن، من خلال اعلان الحرية الدينية، كما أن الصراعات السياسية وجدت طريقها إلى الحل، عبر إقامة توازن السلطات بين الملك والبرلمان.

وهكذا، دشنت الثورة الإنكليزية، والثورة الصناعية، الرأسمالية عامة باعتبارها نظام انتاج جديداً، ونمو حياة جديدة، التاريخ العالمي الحديث للمجتمع المدني الحديث في القرن السابع عشر، ووجهت ضربة قاصمة لبنية النظام القديم الاقطاعية البائدة، وأصبحت أساس التوسع والريادة للعالم. وقد عزا ماكس فيبر نشوء الرأسمالية إلى حركة الاصلاح الديني وظهور الأخلاق البروتستانتية.

2 ـ التنوير الفرنسي : أيديولوجيا العقل

لقد جسّدت "الموسوعة" روح التنوير الفرنسي، مثلما جسّد "الفدرالي" روح التنوير الأميركي. وتكونت الطبعة الأولى من "الموسوعة" التي نُشرت بين أعوام 1751 و1772، من سبعة عشر مجلداً إضافية بين العام 1776 والعام 1780. كان عنوانها الفرعي طموحاً إلى حد كبير، "قاموس مدروس للعلوم، والآداب، والفنون"، غير أن النشرة المطبوعة التمهيدية كانت مع ذلك أكثر طموحاً: إذ ينبغي أن تكون تحليلاً منظماً "لنظام المعرفة البشرية وعلاقتها المتبادلة". وقد جاوز ديني ديدور، محررها الرئيسي، ذلك في المادة التي كتبها عن "الموسوعة" فذهب إلى أن رسالتها "يجب أن تكون جمع كل المعرفة التي للناس الذي نعيش بينهم، ونقلها إلى أولئك الذي سيأتون بعدنا"، وبذلك تجعل الناس، في هذا العصر وفي جميع العصور ليسوا أكثر حكمة فقط، بل تجعلهم أيضاً فضلاء بصورة كبيرة، وأكثر سعادة" (159)..

لم يكن ولع الفلاسفة في فرنسا بالمبادئ المجردة فقط، كما يقول توكفيل، هو الذي جعلهم متفردين. فالذي جعلهم هكذا هو مبدأ معين: إنه العقل. وهذه الكلمة، التي تكررت باستمرار وفي السياقات الأكثر تنوعاً، خدمت كتعويذة أو كشهادة لحسن النية وصواب الرأي.

حين نصل إلى مونتسكيو (1689- 1755) نجد أن مشروعه، كان يتجسد في بناء علم للسياسة والتاريخ. وهو، وإنْ كان يتقاسم المشروع عينه مع كل الفلاسفة والمفكرين السياسيين، الذين سبقوه، إلا أنه يختلف عنهم جميعاً في تنطحه لانشاء علم للسياسة لكل المجتمعات المتجسدة في التاريخ.

من الجدير بالملاحظة أن مونتسكيو وروسو شكلا استثناء، إذ لم يشاركا تبجيل الفلاسفة الفرنسيين للعقل، واللذان كانت لديهما علاقة مضطربة وغير سوية بهم. وقد عومل مونتسكيو باحترام شخصي على الرغم من أن أفكاره لم يُلتفت إليها أو رفضت. بينما نبذ فولتير روسو من حيث إنه "خائن"، ونبذه ديدرو من حيث إنه "ليس فيلسوفاً" حسب رأي المؤلفة.

ولفكرة العقل نقيض: فكرة الدين. فقد أعلنت "الموسوعة" أن العقل بالنسبة إلى الفيلسوف"، "هو مثل النعمة بالنسبة إلى المسيحي. فالنعمة الإلهية تدفع المسيحي إلى الفعل، والعقل يدفع الفيلسوف". والعقل، هنا، وكما هي الحال في موضع آخر، لم يوضع ضداً للدين: فقط أو يعرف بتعارضه مع الدين، بل مُنح، بصورة ضمنية، المكانة العقائدية المطلقة للدين نفسها. وبهذا المعنى، فإن العقل كان مرادفاً للعقيدة الإلهية. وثمة حقيقة كبيرة في التقرير المألوف أن شعور الفلاسفة الفرنسيين بالعداوة ضد الدين كان نتيجة ثانوية لعدائهم للكنيسة الكاثوليكية، الكنيسة التي رأوها مستبدة، وقمعية في ذاتها، بل أكثر من ذلك متواطئة مع دولة استبدادية وقمعية. وكان هذا، بالتأكيد عاملاً مهيمناً في تفكيرهم، بيد أنه لا يفسر تماماً "الشراسة الدؤوبة" على حد تعبير توكفيل، لهجومهم على الدين(160).

التنوير الأميركي:علم سياسة الحرية

لقد كانت الفضائل الاجتماعية في بريطانيا في مقدمة التأمل الفلسفي والسياسة الاجتماعية، لقد كانت الشرط الأساسي للخير العام. أما في أميركا، فإنها كانت في المؤخرة، فقد كانت شرطاً ضرورياً، لكنها لم تمكن الشرط الكافي. وما كان في المقدمة هو الحرية. ولم تكن هذه الحرية هي الحرية الطبيعية التي نظر إليها سميث على أنها أساس اقتصاد حر، ومجتمع حر، بل كانت الحرية الاصطناعية إذا جاز هذا التعبير، وأعني بذلك الحرية السياسية، والمبادئ والمؤسسات الملائمة للجمهورية الجديدة. فباسم الحرية ـ الحرية الدينية ـ نزح كثير من المستوطنين الأوائل إلى أمريكا (نزح بعضهم، بالتأكيد، من أجل حريتهم الخاصة، لا من أجل حرية الآخرين). وباسم الحرية ـ الحرية السياسية ـ أعلنوا فيما بعد استقلالهم عن بريطانيا. وقد وصف جون آدمز (1735ـ1826)، هو ثاني رؤساء الولايات المتحدة الأميركية كان نائباً للرئيس جورج واشنطن (1789ـ1797)، وعضواً في البرلمان القاري، ووقع على وثيقة إعلان الاستقلال، رؤيته لأمريكا المستقبل بأنها "إمبراطورية تضم عشرين، أو ثلاثين مليوناً من الأحرار، من دون أن يكون من بينهم نبيل واحد، أو ملك واحد".

لقد كان النظام العلماني الأميركي الجديد نظاماً سياسياً، ولم يكن نظاماً اجتماعياً جديداً، أو نظاماً إنسانياً ينعكس التمييز بين ما هو سياسي، وما هو اجتماعي في التمييز العام (لكن ليس بوضوح أو اتساق) بين التحرر Liberty، والحرية freedom، فالتحرر هو، أساساً، مفهوم سياسي وقانوني، أما الحرية فهي مفهوم اجتماعي وسيكولوجي.. وكما أن الحرية هي التي كانت القوة الدافعة للتنوير الأميركي، فكذلك كانت النظرية السياسية هي التي ألهمت الدستور الذي شُكل لتدعيم الجمهورية الجديدة.(ص199-200).

 

[ الكتاب:الطرق إلى الحداثة التنوير البريطاني والتنويرالفرنسي والتنويرالأميركي

[ الكاتب:غيرترود هيملفارب، ترجمة محمود سيد أحمد

[ الناشر:المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد367، سبتمبر2009

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.