ثوار يصادمون الثورة!

0
86

معظم الثورات قوبلت بتأييد شعبي لأنها تطرح مطالب الشعوب وأهدافها وفق سياق فكري، وتتخذ المثالية منطلقاً لدفعها للعمل، إلا أن عوامل تآكلها تولَد من رحمها، ومن تناقضٍ بين أهداف الدولة ، والثورة لتسد الأبواب وتبدأ عمليات الشك تترجم إلى مظاهرات وإضرابات وصدام بين الدولة وعناصر مقومات الثورة من المواطنين..

 

فالثورة الفرنسية والبلشفية، وحتى الماوية الصينية خرجت عن سياقها الطبيعي فسقطت بعواملها الذاتية، وخاصة السوفياتية التي فقدت بوصلتها بسبب توظيف الأموال في العسكرة والاستخبارات، ودعم المؤيدين في الخارج، وهذا ما وقعت فيه الثورة الإيرانية عندما كانت حَدَث ظرفها التاريخي في إزالة واحدة من أقدم الإمبراطوريات.

 

غير أن من شهدوا تلك المرحلة وتفاعلوا معها، هم الآن من يعارضون طروحاتها وانغلاقها على مجموعة من القيادات تريد اعتساف الواقع وتصوير المواطن بالقصور في أداء دوره كإنسان لا تحكمه الغيبيات أو يذهب مال وطنه إلى التجييش ودعم حركات ومنظمات الخارج..

 

الوطن العربي مرّ برحلة مماثلة كان من نتائجها خروج العسكر من الثكنات إلى إدارة الدولة ومشروعاتها رغم الخبرة والتأهيل الناقصين، بحيث صارت الإدارات الحكومية والسياسة الخارجية والتصنيع والبنوك وغيرها عبارة عن «شرهات» تمنح لذوي الرتب العليا وما دونها، فكانت التأميمات ومراكز القوى.

 

وما قيل عن التسيير الذاتي، ودولة العمال والفلاحين لنجد مؤسسات وليدة وناجحة ذهبت لتغرق في البيروقراطية وتراكم الديون وزيادة أعداد المعدمين والفقراء ، وانتشار البطالة، وإيران تعيد ذات التجربة، إذ رغم ثراء بيئتها ودينامية شعبها، إلا أنها غرقت في وهم الثورة التي أرادت أن تفسر كل شيء بمنطق المذهب الديني، لا مراعاة الواقع وتحولاته، وهي الصدمة التي فجرت المعارضة لتجد قيادات تنادي بالإصلاح واستطاعت أن تكون وسيلة جذب لعناصر شابة ، أو من عاصرَ الثورة وصفق لها طويلاً أثناء ولادتها.

 

فليس كل نظام بديل قادراً على تحقيق النجاح بتوفير العدالة والاستجابة لمطالب وطنية، ولم يعد الانغلاق والإغلاق عوامل لا تخرج إلى الخارج وسط ثورة تقنية ذهبت بكل ما هو سري إلى العلن، ولذلك من حاول عزل حالة انتفاضة الشارع بإيران أدرك أن تصوير ونقل الأحداث من مواقعها إلى كل العالم لا يمكن أن يُحجبا برغبة السلطة.

 

والأهم من ذلك أن من يقوم بالمعارضة وقيادة الشارع، هم ثوار الأمس على حكم الشاه، وزملاء الخميني، وبالتالي فليس هناك من يُقنع الرأي العام الداخلي في إيران، أو خارجها، أو من يقبل بدعوى دور السفارات الأجنبية أو عملاء الداخل، وإلا جرّدنا الثورة من معناها واعتبرناها صناعة خارجية لا انتفاضة شعبية وفق ذات المبررات، ولا يمكن اعتبار من يقودون المعارضة وهم من قدموا التضحيات وربطوا أنفسهم بالثورة وتبعاتها أن يوضعوا في خانة الأعداء وهو انتقاص لحقوقهم وتاريخهم، وهذا مايفسر أن كل ثورة تأكل أبناءها عندما تتعدد السلطات وتحتكر المراكز..

            الرياض

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.