الصراع على رابطة "آسيان"

0
148

بين التكتلات والأقاليم الآسيوية الجغرافية والاقتصادية والسياسية تبدو منطقة جنوب شرق آسيا هي الأكثر أهمية وجاذبية بالنسبة للدول الكبرى، خصوصاً للولايات المتحدة الأميركية التي تغطي مصالحها واستراتيجيتها الأمنية والاقتصادية كل الأقاليم الآسيوية.

فآسيا الجنوبية رغم امتلاكها عناصر اقتصادية واستثمارية هامة كالأيدي العاملة الرخيصة والأسواق الواسعة والقدرات العسكرية الواعدة إلا أنها تعتبر منطقة كوارث طبيعية وإنسانية هائلة، وبالتالي فإن مواجهة هذه الكوارث مكلفة وكذلك عمليات التدخل الإنساني فيها.

وآسيا الغربية رغم توفر عناصر نفطية ومالية واستراتيجية غنية بداخلها وحولها إلا أنها في الوقت ذاته تحتوي على أخطر تحديات للأميركيين، منطقة صراعات محتدمة من تجربة العراق الى أفغانستان الى النزاع مع إيران، وحيث العملية الديموقراطية متعثرة والعداء لواشنطن مستفحل.

وآسيا الوسطى رغم وجود ثروات طبيعية وإمكانات تمويلية وغازية إلا أنها لم تعد فريسة سهلة كما كانت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وأصبحت بؤرة صراع وتنافس بين قوى اقليمية ناهضة كروسيا والصين وإيران وتركيا فأصبحت الحركة الأميركية فيها أكثر صعوبة، أما تجربتها التنموية والديموقراطية فما زالت متواضعة.

وفي شمال شرق آسيا، الإمكانيات الاقتصادية والاستراتيجية هائلة لكنها تحت سيطرة قوى كبيرة ومقتدرة كاليابان والصين وروسيا إضافة الى هيمنة أزمة نووية كورية لم تتمكن واشنطن من احتوائها حتى اليوم رغم المبادرات والمحاولات المتكررة، ومشكلة تايوانية تسبب قلقاً دائماً في العلاقة مع بكين.

الأقاليم المذكورة تعاني مشاكل سباق التسلح النووي الصاروخي، ومن النزاعات الاقليمية المزمنة، والتوترات والتمردات العرقية والطائفية والطبقية التي تفقدها الى حد كبير عنصر الاستقرار السياسي والأمني، وتعرض المصالح والمشاريع والاستراتيجيات لأخطار الفشل والعرقلة. وحدها منطقة جنوب شرق آسيا هي التي يتوفر فيها معاً الاستقرار السياسي الأمني، التطور الاقتصادي والتجاري، الأسواق والأيدي العاملة والمهارات الفكرية والمواد الأولية الى حد كبير، ولعل تضافر هذه العوامل جعل رابطة جنوب شرق آسيا "آسيان" محط أنظار الدول الكبيرة المتنافسة.

ومن بين الدول المتنافسة على آسيان تعتبر الولايات المتحدة نفسها صاحبة الأولوية، فهذه المنطقة تاريخياً منطقة نفوذ أميركي تقليدي، في البداية كان حلف مانيلا أو معاهدة سياتو ذات طبيعة عسكرية وأمنية في مواجهة البلدان الاشتراكية، لكن بعد هزيمة الأميركيين في الهند الصينية أصبحت الرابطة ذات طبيعة اقتصادية تجارية.

وقد حققت دول الرابطة معدلات نمو اقتصادي مذهلة أسست لتجربة "النمور الآسيوية" التي انعكست بفعل الأزمة المالية النقدية عام 1997 وبرز بداخلها تياران أحدهما يدعو للمحافظة على آسيوية الرابطة وخصوصية التجربة والآخر يدعو الى توسيع العضوية الآسيوية والانفتاح على دول المحيط الهادئ.

وفي هذا السياق جرى توسيع عضوية الرابطة لتشمل فيتنام ولاوس وكمبوديا وبورما إضافة الى الأعضاء الأصليين (تايلند والفلبين وأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي)، كما جرى تشكيل إطار مراقبة أوسع يضم الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند واستراليا ونيوزيلندة أطلق عليه "تجمع" الـ16.

وقد تواصلت المحاولات الأميركية للسيطرة على "الرابطة" والتجمع "عبر أصدقائها وحلفائها، لكن نجاحها كان محدوداً بسبب مقاومة الأعضاء الآسيويين، ما دفعها لاحتواء الرابطة عن طريق إقامة منتدى التعاون لدول آسيا الباسفيك "ابيك" الذي ضم 21 عضواً آسيوياً وأميركياً ومحيطياً حيث تكرست الزعامة الأميركية لتكتل التوسع الجديد.

وقد تجلى النفوذ الأميركي المتزايد في العقد الأخير على التكتلات 3 ـ 3 المذكورة خصوصاً رابطة آسيان في الانحراف بأهدافها من الاقتصادية والتجارية الى المهمات الأمنية أيضاً، عبر تكريس شعار الحرب على الإرهاب وإشراكها في الحروب الأميركية؛ وابتزاز دولها في موضوعي الديموقراطية وحقوق الانسانن وفرض الحماية التجارية الأميركية على المنتجات الزراعية والحيوانية والصناعية في العلاقة مع دول المنطقة.

لكن الهزيمة الأميركية في العراق والتحول الداخلي الأميركي والأزمة الحالية العالمية شكلت عوامل جديدة مؤاتية في اتجاه تعزيز التكتل الآسيوي من جديد والحد من النفوذ والهيمنة الأميركية مع دخول التنافس بين القوى الكبيرة نحو آسيا مرحلة جديدة بملامح مختلفة يمكن رصدها كالتالي:

الأميركيون في الإدارة الجديدة يؤكدون التعامل مع آسيا كشريك وليس كتابع، والاعتراف بمصالح الصين واليابان في المنطقة، والانفتاح على بورما وكوريا الشمالية مع الدعوة للتخلص من الأسلحة النووية.

الصينيوين كانوا السباقين لإقامة علاقة خاصة مع رابطة آسيان في المجال التجاري والاستثماري وتكريس نفوذهم على مستوى المنطقة مع الاحتفاظ بتنسيق صيني كوري ياباني على ضفاف الرابطة.

اليابانيون أعادوا وجودهم الى منطقة الهند الصينية وحوض الميكونغ مسلحين بالمساعدات في مجال البنية الأساسية والمناخية، ما يعزز نفوذهم في رابطة آسيان.

الهنود والاستراليون دفعوا باتجاه علاقات تعاون تجاري واستثماري مع الرابطة لكنهم يدفعون باتجاه توسيع التكتل باتجاه دول المحيط الهادئ، بما يحفظ مكاناً مهماً للأميركيين ويدخل الهموم الأمنية في أجندة التكتل، الأمر الذي يتحفظ عليه معظم أعضاء رابطة آسيان.

والخلاصة إن القواعد العسكرية والاتفاقات الأمنية والرساميل الحربية لم تعد هي معالم العلاقات التنافسية في منطقة جنوب شرق آسيا بل هي التجارة والأسواق والأيدي العاملة والمواد الخام والمهارات الفكرية التي تجعل التنافس على النفوذ وإقامة علاقات خاصة مع رابطة آسيان هي سمة تطور العلاقات بين الولايات المتحدة والقوى الاقليمية المنافسة.

() كاتب مختص بالشؤون الآسيوية

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.