فليبدأ سباق الأرض

0
224

لقد كنت دائما أعتقد أن هناك استراتيجيتين أساسيتين للتعامل مع التغير المناخي؛ وهما استراتيجية «يوم الأرض»، واستراتيجية «سباق الأرض». وكانت قمة كوبنهاغن للمناخ تعتمد على استراتيجية «يوم الأرض»؛ التي لم تسفر عن نتائج بالغة الأهمية؛ فقد انتهى ذلك المؤتمر بسلسلة من النتائج المحدودة والمشروطة والفوضوية والتي لا يبدو أنها سوف تساعد في الحد من التغير المناخي بالسرعة والقوة التي نحتاج إليهما.

 

ومما لا شك فيه أن أي شخص رأى الطريقة الفوضوية التي تم تنظيم ذلك المؤتمر بها، والنزاعات التي دارت بين مفوضي البلدان المشاركة، يجب أن يتساءل حول إذا ما كانت عملية الأمم المتحدة لوضع إطار عمل عالمي يستهدف الحد من تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي والتي بدأت منذ أكثر من 17 عاما ما زالت فاعلة: حيث كان هناك عدد كبير من الدول (193) المشاركة والكثير من الدول التي كانت تبدل رؤيتها في الوقت نفسه. لقد غادرت فعاليات القمة، وقد ازدادت قناعتي بأنه على أميركا أن تركز على استراتيجية «سباق الأرض» الخاصة بها. ودعوني أشرح ذلك لكم..

 

تفيد استراتيجية «يوم الأرض» بأن التهديد الأكبر الذي يهدد البشرية هو التغير المناخي، وأنه يجب علي المجتمع العالمي أن يتحد لمواجهة نلك الأزمة من خلال آليات للعمل العالمي الجماعي لتحديد حجم انبعاثات الكربون التي يصدرها الجميع والعمل على الحد منها، بالإضافة إلى تزويد الدولة النامية بما يقدر بمليارات الدولارات من التكنولوجيا النظيفة لمساعدتها على المشاركة.

 

ولكن، وكما قال الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا خلال ذلك المؤتمر، فإن إطار عمل «يوم الأرض» لن يفلح إلا إذا «تحملت الدول مسؤولية تحقيق أهدافها»، وإذا ما ساعدت الدول الغنية الدول الفقيرة بشكل حقيقي على شراء مصادر للطاقة النظيفة.

 

ولكن بالطبع فإن ذلك لن يحدث في ظل المناخ الاقتصادي العالمي الراهن؛ فهو لن يحدث إلا في حالة واحدة فقط وهي أن تهب عاصفة قوية.. قوية بما يكفي لإنهاء الجدل الدائر حول الاحتباس الحراري ولكن ليست قوية في الوقت نفسه للحد الذي يمكّنها من الإطاحة بكوكبنا.

 

وإذا لم تهب تلك العاصفة القوية التي تشق البحر الأحمر بالمعنى الحرفي وتضرب على يد المشككين في أن التغير المناخي الكارثي هو خطر قائم وحقيقي، فإن الضغوط المحلية ستظل في كل الدول من أجل تجنب فرض ضوابط ملزمة ووضع قوانين للحد الفعلي من الانبعاثات الكربونية قوية وفاعلة.

 

هل يعني ذلك أن استراتيجية «يوم الأرض» هي مضيعة للوقت؟ الإجابة: «لا»؛ فالوعي العلمي الذي خلفته تلك الاستراتيجية فيما يتعلق بقضية المناخ، بالإضافة إلى الحماس العام لاتخاذ إجراءات بشأن تلك القيمة، هما عاملان لهما قيمتهما. بالإضافة إلى أن الآلية التي أقرها ذلك المؤتمر والتي تفرض على الدول المتقدمة والشركات أن تقدم ضريبة عن الانبعاثات التي تصدرها من خلال تمويل حماية الغابات المدارية المطيرة، إذا ما تم تفعيله، سيكون له أهمية قصوى.

 

ومع ذلك فأنا ممن يؤمنون باستراتيجية «سباق الأرض»؛ حيث إنني أؤمن بأن مواجهة كارثة التغير المناخي هي قضية ذات أهمية قصوى. وإن أكبر محرك يمكنه دفع الطبيعة الأم هو الأب «السوق». فلا يستطيع أحد، بخلاف السوق التي تمتلك الضوابط والحوافز، تحفيز الابتكارات الكبرى لإنتاج طاقة نظيفة، وموارد للطاقة خالية من الانبعاثات المضرة، وهو ما يمثل أحد العوامل الأساسية بالنسبة لقضية الاحتباس الحراري. ولا توجد سوق تستطيع أن تفعل ذلك أفضل من السوق الأميركية.

 

وبالتالي، فإن الهدف من استراتيجية «سباق الأرض» هو التركيز على دفع مجلس الشيوخ الأميركي للموافقة على مشروع قانون الطاقة، بالإضافة إلى فرض سعر على المدى الطويل على الكربون الذي سيدفع أميركا بلا شك كي تصبح القائد العالمي فيما يتعلق بالتكنولوجيا النظيفة. وإذا استهللنا المسيرة فسوف يتبعنا الآخرون من خلال المحاكاة بدلا من الإجبار من خلال توقيع إحدى اتفاقيات الأمم المتحدة.

 

خلال الحرب الباردة كان لدينا سباق الفضاء: فمن الذي سيتمكن أولا من وضع رجل على سطح القمر. ولم يكن هناك سوى دولتين تتنافسان في ذلك المضمار، ولم يكن من الممكن أن يفوز في ذلك السباق سوى طرف وحيد.

 

أما اليوم، فنحن بحاجة إلى سباق الأرض: فمن الذي سوف يخترع أهم التقنيات لإنتاج طاقة نظيفة حتى يتمكن الرجال والنساء من الحياة بأمان على سطح الكوكب.

 

ربما يكون أفضل ما فعله الرئيس أوباما هنا في كوبنهاغن هو أنه أعلن بوضوح عن نية أميركا الفوز في ذلك السباق. وكان كل ما عليه فعله خلال ذلك الخطاب هو أن ينظر مباشرة في عيني رئيس الوزراء الصيني ويقول «سوف أدفع مجلس الشيوخ للموافقة على قانون الطاقة الذي سوف يرفع سعر الكربون كي نتغلب عليكم بالتكنولوجيا النظيفة. هذه هي رحلتي إلى القمر. فليبدأ السباق».

 

ونظرا لأنه ما إن يبدأ السباق بين أميركا والصين، وبين الصين وأوروبا، وبين أوروبا واليابان، وبين اليابان والبرازيل، حتى يندفع بسرعة منحنى التصنيع الابتكاري وتتقلص تكلفة تصنيع السيارات الكهربائية وكذلك البطاريات، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن تلك المنتجات لن تصبح بعد ذلك منتجات كمالية تستخدمها الدولة الغنية، بل سوف تصبح من السلع العادية التي تستطيع دول العالم شراءها بل وإنتاجها.

 

وإذا ما بدأت المناقشة بكلمة «مناخ» فربما يبدي نصف الشعب الأميركي استعدادا لمساندتك. ولكن إذا بدأت المحادثة بميلاد «صناعة جديدة» -صناعة سوف تجعلنا أكثر استقلالا فيما يتعلق بالطاقة وأكثر رخاء وأمنا وابتكارية واحتراما بالإضافة إلى القدرة على التغلب على الصين في كبرى الصناعات العالمية القادمة- فسوف تجد البلد بأكمله يقف وراءك.

 

ويرجع ذلك لسبب مهم للغاية وهو أنه حتى وإن لم ترتفع درجة الحرارة درجة إضافية، فمن المتوقع أن تزداد الكثافة السكانية من 6.7 مليار نسمة إلى 9 مليارات نسمة في الفترة من الآن وحتى 2050، وسوف يرغب المزيد والمزيد من هؤلاء الناس في أن يعيشوا مثل الأميركيين. وفي ذلك العالم، سيرتفع الطلب على الطاقة النظيفة والسيارات الموفرة للطاقة إلى حد كبير.

 

إن سباق الأرض الذي تقوده أميركا -والذي يعتمد على الأسواق، والتنافس الاقتصادي، والإحساس القومي، والمصالح الاستراتيجية- هو أقرب لكونه طريقة لتخفيض الانبعاثات الكربونية من كونه احتفالية للتبرع ولوضع ضوابط غير ملزمة في مؤتمر تابع للأمم المتحدة. إذن، فليبدأ سباق الأرض.

 

* خدمة «نيويورك تايمز»

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.