علامات انحسار موجة العولمة

0
53

رؤساء شركات الاستثمار الخاصة، المتكاثرة في الصين، يقدمون الاستثمار والتوظيف في مرافق الطاقة والاتصالات الداخلية، ويهملون المرافق المنتجة لأسواق الخارج والتصدير. وهم يتفادون القطاع الذي اضطلع بدور قاطرة الاقتصاد في الأعوام الأخيرة. وهذا ربما قرينة على نازع جديد يقدر أن يدوم في الأعوام المقبلة. وافترض أن انتقال السلع والخدمات مسافات طويلة، ومرات كثيرة، هو قرينة على حسن عمل العولمة، وعامل قوي في تنظيم الشؤون الاقتصادية المشتركة.

 

ولكن الظاهرة هذه أدت، فعلاً، الى انتقال الثروة والعوائد من الغرب الى الشرق، والى أزمة اقتصادية وسياسية لا تزال في بداياتها. ونحن نشهد، على الأرجح، نذر انحسار موجة العولمة. وغداة أيلول (سبتمبر) 2008، انهارت معايير تواشج الاقتصاد العالمي. وتوقع مصرف البلدان الأميركية للتنمية، في آب (أغسطس)، أن يبلغ انقباض حوالات مغتربي أميركا اللاتينية وبلدان البحر الكاريبي 11 في المئة، في 2009، وعودة حجمها الى ما كان عليه في 2006.

 

وكان ضمور المبادلات التجارية أكبر بما لا يقاس من تراجع مستوى الانتاجية المتواضع. وظهر أن عوامل راجحة في العولمة إنما السبب فيها هو الاستدانة (المديونية). ومولت الديون والحسابات الائتمانية شطراً كبيراً من الصادرات وأعمال تحويل العملات والاستثمارات الدولية. وسوق الصادرات الأولى، وهي السوق الأميركية، توكأ استهلاكها على التسليف وعلى ازدهار سوق العقارات. وتولت السندات، الى التمويل التجاري، تيسير تدفق السلع والخدمات. وأدت أزمة أسواق الائتمان، في خريف 2008، الى انهيار البنية التجارية، وسندها هو الأسواق هذه.

 

ولا تزال التجارة العالمية بعيدة من استئناف زخمها. ففي أيلول الاخير، كان مستوى الواردات والصادرات الأميركية أدنى من مستواها في تموز (يوليو) 2008 بـ24 في المئة. وانتبهت البلدان المتضررة من تردي الصادرات، شأن الصين التي تقلصت صادراتها بين 8/2008 و8/2009 نحو 23 في المئة، الى أن التصدير لم يعد الطريق العريضة والمباشرة الى النمو. ويصرف المستثمرون المجربون مواردهم الى إنتاج سلع محلية. ونظير البلدان المصدرة سابقاً، أدركت الشركات الغربية أن العمالة الرخيصة ليست وصفة سحرية. فبلوغ السلع مقاصدها في البلدان المستوردة، الغربية، حين تكون الطريق طويلة ومعقدة ومليئة بالوسطاء، تتهدده الاضطرابات، من إصابة بالفيروسات، وحواجز ناجمة عن خلافات الجوار الجغرافية والسياسية، وارتفاع في سعر الطاقة. فالإنتاج في سوق قريبة من السوق الوطنية آمن ومجدٍ، على رغم زيادة الكلفة.

 

واضطلعت عوامل سياسية في انحسار العولمة. فالبلدان الكبيرة بآسيا وأوروبا وأميركا الشمالية فرضت رسوماً جمركية إضافية على وارداتها، ودعمت مصدريها، واشترطت إنفاق مخصصات التحفيز في السوق المحلية، وساندت مصارفها وصناعة سياراتها. وحمل هذا الشركات الأميركية والأجنبية على الحذر في تعاملها مع قطاعات السوق الأميركية التي تحظى بالدعم الحكومي.

 

* معلق، عن «نيوزويك» الأميركية، 22/12/2009، إعداد و.ش.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.